أجمل ما علمنا لقمان الحكيم

23-12-2018 | 12:15

أجمل ما علمنا لقمان الحكيم

 

غادة بهنسي

هو رجل أنار الله بصيرته، وكان حكيم قومه، وقد عاصر داود وعرف بالحكيم، وذكر في القرآن الكريم في سورة سمّيت باسمه، وله وصايا عشر تركها لابنه، لتكون مرجعًا أخلاقيا لنا بعد هذه السنوات الطويلة، هذا الرجل هو لقمان الحكيم.

من هو لقمان؟
" لقمان بن ياعور" أو ما يعرف أيضاً بلقمان الحكيم، وقيل بأنّه ابن أخت أيوب عليه السلام، وقيل بأنّه ابن خالته، وقد كان لقمان من أهل سودان مصر وتحديداً من قرية نوبة الذين تميزوا بامتلاكهم بشرة سمراء وقدمين مشققتين وشعرٍ مجعد، واختلفت الأخبار الواردة إلينا عن طبيعية عمله، فمنهم من اعتقد أنّه كان خياطاً، ومنهم من اعتقد بعمله في مهنة النجارة أو الرعي، ويشار إلى أنّه عاش في الحقبة التي عاش فيها سيدنا داود عليه السلام قبل أن يُصبح نبياً، وذكر المسعودي أنه ولد على عشر سنين من ملك داود عليه السلام، ولم يزل باقياً في الأرض، مظهراً للحكمة والزهد إلى أيام يونس بن متى عليه السلام.

حينما نام لقمان وأفاق حكيمًا
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : "إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله، فمن عليه بالحكمة ".

جاءنا من التراث قصة تحكي كيف أتته الحكمة حين نودي بالخلافة قبل داود، فقيل له يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق؟ فقال لقمان: إن أجبرني ربي عزَّ وجل قبلت، فإني أعلم أنه إن فعلت ذلك أعانني وعلمني وعصمني، وإن خيرني ربي قبلت العافية ولا أسأل البلاء، فقالت الملائكة: يا لقمان لِمَ؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً ضائعاً، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فغط بالحكمة غطا، فانتبه فتكلم بها.

لماذا أحبه الله؟
نال لقمان الكثير من العلم والحكمة على يد سيدنا داود عليه السلام؛ حتى نال المحبة من الله سبحانه وتعالى الذي وهبه فيضاً كبيراً من العلم والحكمة، مما خوّله ليكون حكيماً وخليفة لله على الأرض، وقد عرف بلقمان الحكيم؛ والسبب في ذلك يعود إلى شدة حنكته ومهارته في حل المنازعات، حيث إنّه عمل قاضيًا لبني إسرائيل.

ومن القصص التي تدل على حكمته وفطنته الكبيرتين هو أنّه عندما جاء سيده يوماً بشاة وقال له: (اذبح هذه الشاة وائتني بأطيب مضغتين فيها) فذبحها وجاء بكلٍ من اللسان وكذلك القلب، ثمّ في اليوم التالي قال له سيده اذبح هذه الشاة وائتني بأخبث مضغتين فيها، فأتاه بكل من القلب وكذلك اللسان، فتعجب سيده من ذلك، فما كان من لقمان الحكيم إلا أن قال: (ليس شيئاً أطيب منهما إذا طابا ولا شيء أخبث منهما إذا خَبُثاً)، حينها أمر سيده بتحريره لحكمته وذكائه، وبعد تحررّه قرر الخروج من مصر، والسفر إلى فلسطين، وقد كان ذلك في فترة بعث سيدنا داود عليه السلام، حيث عمل أجيراً عنده وقد لاحظ النبي داود حكمة هذا الرجل، فما كان منه إلا أن عينه قاضيًا على بني إسرائيل، ثمّ أصبح فيما بعد قاضي القضاة.

وصايا لقمان الحكيم لابنه
اشتهر لقمان بوصاياه العظيمة التي أوصاها لابنه والتي خلدها القرآن الكريم؛ نظراً لأهميتها وقيمتها الكبيرة، ولعل أحد أهم هذه الوصايا قوله لابنه: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

ومن أهم الوصايا أيضاً: الإكثار من قول رب أغفر لي؛ لأنّه توجد لله ساعة لا يرد فيها الداعي، مجالسة العلماء ومزاحمتهم؛ وذلك لأنّ الله يحي القلوب الميتة من خلال نور الحكمة كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء.

ومما وعظ به لقمان ابنه أنه نهاه عن ظلم الناس؛ ولو بحبة خردل، فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها في الميزان :
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير)

ثم قال له: (يا بني أقم الصلاة) أي أدها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها واجتنب ما ينهي عنه فيها.

ومن وصاياه القيمة أيضًا قوله لولده: (ولا تصعر خدك للناس)، ومعناه ألا تتكبر على الناس وتميل خدك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبر عليهم والازدراء لهم، وفي هذا قال أهل اللغة: وأصل الصعر داء يأخذه الإبل في أعناقها فتلتوي رؤوسها فشبه به الرجل المتكبر الذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعظم عليهم.

وتابع يوصيه: (ولا تَمشِ في الأَرضِ مَرَحاً إنّ اللّهَ لا يُحِبُ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ) ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة والفخر على الناس.
ثم قال له: (واغضض من صوتك) يعني إذا تكلمت لا تتكلف رفع صوتك؛ فإن أرفع الأصوات وأنكرها صوت الحمير.

ومن وصاياه كذلك تجنبّ تأخير التوبة؛ لأنّ الموت يأتي بغتة، وكثرة تذكر الدار الآخرة؛ لأنها أقرب للإنسان من الدار الدنيا؛ فالإنسان يسير نحو الدار الآخرة ويبتعد عن الدار الدنيا.

كما أوصى ولده بتقوى الله سبحانه وتعالى، مع عدم إظهار خشية الله أمام الناس؛ حتى لا يكرموا هذا الإنسان وقلبه فاجر بالله، وألا يتخذ تقوى الله سبحانه وتعالى تجارة؛ حتى يحصل على الربح الوفير دون بضاعة.

كذلك أوصاه بتجنب الديْن؛ وذلك لأنّه ذلٌ في النهار وذلٌ في الليل، وتجنب الكذب، وتجنب الأكل على شبع؛ فخير للإنسان أن يقذف هذا الطعام للكلب على أن يأكله.

أجمل حكم لقمان
اشتهر عن لقمان أن حكمه كانت دائمًا تأتي في مواضعها وفي وقتها، ومما عرفناه من حكمه التي علمها لابنه ولقومه:

- إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك.

- ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة: الشجاع في الحرب، والكريم في الحاجة، والحليم عند الغضب.

- إياك وكثرة الاعتذار، فإن الكذب كثيراً ما يُخالط المعاذير.

- حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل، فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المرار فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر.

- يا بني إنك لما سقطت من بطن أمك استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأنت لما استقبلت أقرب لما استدبرت.

- اعتزل عدوك، واحذر صديقك، ولا تتعرض لما لا يعنيك.

- إيّاك والسؤال؛ فإنّه يذهب ماء الحياء من الوجه.

- لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء.

- لا شيء أطيب من اللسان إذا طاب، ولا أخبث منه إذا خبث.

- الخير يطفئ الشر؛ كما يطفئ الماء النار.

- يا بني إنه من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يقل الخير يغنم، ومن يقل الباطل يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم.

-إن من الكلام ما هو أشد من الحجر وأنفذ من وخز الإبر وأمر من الصبر وأحر من الجمر، وإن من القلوب مزارع فازرع فيها الكلمة الطيبة فإن لم تنبت كلها ينبت بعضها.

- إن الله إذا أراد بقوم سوءًا سلط عليهم الجدل وقلة العمل.

- يا بني: لا تضحك من غير عجب، ولا تمشي في غير أدب، ولا تسأل عما لا يعنيك.

- يا بني: لئن أول شيء تكسبه بعد الإيمان بالله خليلاً صالحاً؛ فإنما مثل الخليل كمثل النخلة إن قعدت في ظلها أظلتك، وإن احتطبت من حطبها نفعتك، وإن أكلت من ثمرها وجدتها طيبة.

- يا بني: إذا كنت في الصلاة فاحفظ قلبك، وإن كنت على الطعام فاحفظ حلقك، وإن كنت في بيت الغير فاحفظ بصرك، وإن كنت بين الناس فاحفظ لسانك.

- يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تبارك وتعالى ليحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.

- إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة.

- للحاسد ثلاث علامات: يغتاب صاحبه إذا غاب، ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة.

- إياك وشدة الغضب؛ فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم.

- اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك؛ فإنه لا بقاء للنعمة إذا كفرت، ولا زوال لها إذا شكرت.

"أضفيت على الحسن العبقا، فالورد تضوع واعتنقا، حسن يارب لنا الخُلقا طهره فلا يحوي نزقا".


قصة لقمان الحكيم.. وقراءة سورة لقمان للشيخ معاذ زغبي وإخراج ومونتاج غادة بهنسي