قراءة سياسية للمنتدى الإفريقي - الأوروبي

23-12-2018 | 22:52

 

أدت التغيرات التي طرأت على قمة النظام الدولي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالنفوذ، إلى بزوغ بيئة جديدة من المستجدات والتفاعلات الإقليمية والدولية، أدت إلى تقلص الأوروبي في القارة الإفريقية.aspx'> الدور الأوروبي في القارة الإفريقية ، والذي طالما احتفظ بسيطرته وهيمنته على القارة لعقود طويلة منذ فترات الحقبة الاستعمارية، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، جعلته أضحي في مواجهة تحديات جديدة يأتي في مقدمتها الهيمنة الأمريكية على القارة الإفريقية، والتي زادت وبقوة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فضلا عن ظهور فاعلين جدد من الدول وغير الدول ظهروا على الساحة السياسية والاقتصادية، خلفوا منافسات شديدة على القارة الإفريقية أمام التواجد الأوروبي التقليدي، خاصة الدول القادمة من القارة الآسيوية "الصين – اليابان – الهند - إيران – تركيا - إسرائيل ".

ويأتي في مقدمتهم الصين التي تخطت الاتحاد الأوروبي حاليًا كأهم شريك تجاري لإفريقيا "وفقًا لبيانات الأمم المتحدة ".

أكد زعماء الدول الأوروبي ة المشاركون في فعاليات منتدى التعاون الإفريقي - الأوروبي ، - الذي عقد بالعاصمة النمساوية "فيينا"، يوم الثلاثاء 18 ديسمبر، تحت شعار " التعاون في العصر الرقمي " – أكدوا أهمية تعزيز الشراكة الاقتصادية لدعم " التنمية المستدامة "، ومواجهة الهجرة غير الشرعية من القارة الإفريقية إلى أوروبا، فقد أشار المستشار النمساوي والرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي "سيباستيان كورتز"، إلى أن التعاون مع إفريقيا لا يقتصر فقط على الهجرة غير الشرعية، بل يشمل أيضًا العمل المشترك في مجال " التنمية المستدامة " وإيجاد فرص عمل، والتطور التكنولوجي، مشيرًا إلى أن المساعدات لا تعد الحل الأمثل لمواجهة مخاطر الفقر المتنامية في إفريقيا، داعيًا الشركات الأوروبي ة المشاركة في المنتدى إلى زيادة جهود الاستثمارات والتنمية، وإيجاد الوظائف في القارة.

وذكر" كورتز"، أنه على الرغم من أهمية القضايا الرئيسية حاليًا تجاه الدول الإفريقية، مثل الهجرة وحقوق الإنسان، فإن التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإفريقيا يجب أن يكون قائمًا على أساس أكثر اتساعًا من ذلك.

كما أشار "جون كلود"، رئيس المفوضية الأوروبي ة، إلى أن الشركات الأوروبي ة يمكن أن تلعب دورًا أكثر أهمية من الحكومات في دعم الوظائف والاستثمار في إفريقيا، مشيرًا إلى اتفاقيتين للتعاون بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي ستوقعان على هامش المنتدى، تتعلق الأولى منها ببرنامج ضمان الاستثمارات في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أما الثانية فتتعلق بدعم منطقة التجارة الحرة في إفريقيا.

في التقدير، أن تصريحات مسئولي الجانب الأوروبي متشابهة ومنسقة إلى حد ما، وتحمل في طياتها رسالتين، الأولى منهما تعبر عن احتمال وجود نوايا لدى الاتحاد الأوروبي لتقليص حجم المساعدات المالية إلى إفريقيا خلال الفترة المقبلة، على الرغم من سابق قرار تخصيص مبلغ 3، 35 مليار يورو، للمساهمة في التنمية المستدامة في إفريقيا خلال انعقاد منتدى العام الماضي في بروكسل، وهذا ما أكده المستشار النمساوي "بأن المساعدات لا تعد الحل الأمثل لمواجهة مخاطر الفقر المتنامية"، كما يرجع تخفيض المساعدات المالية بسبب الأزمات الاقتصادية الحادة التي تعاني منها بعض دول الاتحاد، أما الرسالة الثانية، فهي تشجيع المستثمرين ورجال الأعمال للاستثمارات في إفريقيا، في إشارة إلى تقليل التزامات الحكومات الأوروبي ة تجاه إفريقيا، والاعتماد خلال الفترة المقبلة على القطاع الخاص، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يعمل على بناء سياسة خارجية وأمنية مشتركة، ودعم هذه السياسة لا يتحقق إلا من خلال الربط بين القوة الاقتصادية الأوروبي ة والبعد السياسي للاتحاد الأوروبي .

وفي التقدير، ما زال ملف الهجرة غير الشرعية هو الهم الشاغل والتحدي الأكبر لحكومات الاتحاد الأوروبي ، لا سيما وتصاعدت الخلافات داخل دول الاتحاد بسبب تباين وجهات النظر حولها.

ومن جهة أخرى، عبر الجانب الإفريقي عن تطلعاته وآماله للتعاون مع الاتحاد الأوروبي ، فقد أكد الرئيس الرواندي "بول كاجامي"، والذي تترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، أن المنتدى يجسد نظرة جديدة للعلاقات بين القارتين؛ لأنه يركز على القضايا التي تهم القارتين معًا، وأن التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة في إفريقيا سيعزز التعاون بين إفريقيا وأوروبا على مستوى القطاع الخاص، وأن الهجرة غير الشرعية يمكن مواجهتها من خلال العمل المشترك بين الجانبين، وقد أفاد سيادته، أنه إذا نظرت أوروبا إلى إفريقيا كشريك فإن ذلك من شأنه تعزيز التعاون المشترك.

وفي نفس السياق، أشار "موسى فقي محمد"، رئيس المفوضية الإفريقية، إلى أن إفريقيا سوق كبير يضم 2.1 مليار نسمة، ويحتاج إلى الفرص الاستثمارية المتاحة، وأن الشراكة بين إفريقيا وأوروبا تدعم مصالح الجانبين، كما دعا إلى ضرورة توفير الموارد المالية للاستثمار في الشباب الإفريقي، وتوفير فرص عمل لهم، وأرجع عوامل تغذية الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى الفقر والنزاعات المسلحة والبطالة والأوبئة والكوارث الطبيعية.

يلاحظ وجود تباين بين وجهات النظر الإفريقية و الأوروبي ة، ترجع إلى تشدد الطرف الأوروبي ، ورغبته في تحقيق مصالحه منفردًا، والحصول على مزايا تتيح له توسيع التجارة غير المتكافئة مع الجانب الإفريقي، وذلك حتى تستمر القارة الإفريقية منتجة فقط للمواد الأولية، وسوقًا للمنتج الأوروبي ، مع تشدد إفريقي أيضًا يشترط أن يتم توسيع العمليات التجارية في ظل اعتماد عملية تنموية شاملة تحقق التكامل الاقتصادي والتجاري العادل، والحصول على تسهيلات تجارية واقتصادية لفتح أسواق أوروبا للمنتج الإفريقي؛ خاصة أن الأفارقة لديهم دائمًا اتهامات وشكوك حول النوايا الأوروبي ة تجاه القارة منذ الحقبة الاستعمارية وحتى الآن، فضلا عن قناعتهم بأن الاتحاد الأوروبي لا يسعى إلى علاقات متكافئة؛ بل علاقات استغلال وتبعية وتوجيه الأصوات الإفريقية لصالح سياساته ومصالحه في المحافل الدولية، فضلا عن فشل الاتحاد الأوروبي في تقديم مزايا تفضيلية جاذبة لإغراء الأطراف الإفريقية، كما فعل الجانب الصيني المنافس له في القارة.

وبتحليل دقيق لكلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال فعاليات منتدى إفريقيا – أوروبا، نجد أنه على الرغم من أن الكلمة كانت مقتضبة لم تتجاوز الدقائق الثماني، إلا أنها عميقة ومعبرة ومليئة بالرسائل الموجهة مباشرة إلى الاتحاد الأوروبي ، تناولت ثلاثة محاور رئيسية جاءت كما يلي: -

المحور الأول "تناول خلالها قدرات ومقومات القارة الإفريقية، والتي استطاعت خلال السنوات العشر السابقة من تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفع، برغم التقلبات الاقتصادية العالمية والتحديات التي تواجهها، وقدرتها على استيعاب التكنولوجيا الحديثة، وأنها مؤهلة أكثر من غيرها للتعامل مع الأدوات المستحدثة في القرن الواحد والعشرين، وأن عملية التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات من أهم محفزات النمو الاقتصادي، وأحد دعائم التنمية المستدامة ، خاصة أن 60% من سكان القارة الإفريقية من الشباب دون سن الـ25، ويحتاجون إلى 12 مليون فرصة عمل سنويًا، ثم استعرض سيادته أهم التحديات التي تواجه القارة وتأثيراتها السلبية على الأداء الاقتصادي لدول القارة، وبالتالي على التنمية، وعلى رأسها الإرهاب والتدخلات الخارجية والنزاعات المسلحة والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود".

المحور الثاني اختار خلالها مصر نموذجًا، ومؤكدًا أنها جزء لا يتجزأ من القارة الإفريقية، ثم استعرض أهم الإنجازات التي تمت في مصر، خاصة مجالات التكنولوجيا وتوطينها في مختلف المحافظات، وخطة مصر لنشر الوعي المجتمعي بأهمية التحول الرقمي، وإنشاء منصة تقديم وتبادل الخدمات الإلكترونية، فضلا عن خطة طموح للمدفوعات الرقمية لتحقيق قدر أعلى من الشمول المالي، وإنشاء الأكاديمية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات لذوي الاحتياجات الخاصة، استضافة مصر معمل الأمم المتحدة الإفريقي لرعاية الإبداع التكنولوجي لتعزيز قدرات الباحثين العاملين بالمجالات التكنولوجية من مختلف أنحاء القارة الإفريقية لتنفيذ أهداف الأمم المتحدة التنموية 2030 والأجندة الإفريقية للتنمية 2063، ومبادرة مصر لتدريب 10 آلاف شاب مصري وإفريقي كمطوري ألعاب وتطبيقات تكنولوجية.

المحور الثالث، ركز خلاله بوضوح وبصورة مباشرة على مطالب القارة الحقيقية من الاتحاد الأوروبي ، فأكد سيادته أهمية إنشاء شبكة كوابل ألياف ضوئية متطورة لربط الدول الإفريقية بعضها بعضًا، وسعي القارة الإفريقية لتحقيق التنمية المستدامة من خلال العمل المشترك مع الشركاء من الدول والمؤسسات، كما تطرق إلى تدشين مشروع الشبكة الإلكترونية الإفريقية في مجالات التعليم والعلاج عن بعد، وأن الدول الإفريقية تعول على شركائها الأوروبي ين في مجال تكنولوجيا المعلومات وتطلع إلى مزيد من الاستثمارات الأجنبية في مجال التحول الرقمي، وتيسير شئون الائتمان الإفريقي، وأن تطبيقات العصر الرقمي قادرة على المساهمة في إيجاد بعض الحلول العملية لمشكلات تغير المناخ، فضلا عن تبادل المعلومات والخبرات مع الشركاء في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والنقل والطاقة الجديدة والمتجددة، والعمل على ربط الدول الإفريقية ببنية تحتية تؤمن جودة الاتصال وسهولة نقل السلع والخدمات.

لاشك أن كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، لها العديد من الدلالات، أهمها معرفته الجيدة باحتياجات القارة الحقيقية؛ بعيدًا كل البعد عن لغة العواطف في التعامل مع الأوروبي ين، بل ربطهم بمصالح قد تعود عليهم في حال نقل التكنولوجيا للقارة الإفريقية، كما أن كل الطلبات تخص القارة الإفريقية وليست مصر، فضلا عن استخدامه للغة الجمع (نحن، نسعى، شعوبنا، إن قارتنا، قمتنا.... إلخ) بما يدل على أن المتحدث قائد وزعيم إفريقي عظيم أكثر منه رئيس دولة، ليؤكد أمام الحاضرين من الأفارقة و الأوروبي ين قدرته وقدرة بلاده على قيادة الاتحاد الإفريقي خلال الفترة المقبلة.

كما أنه وضع أسسًا للتعاون الإفريقي - الأوروبي ، مفاده الاحترام المتبادل والندية، وليس التبعية، وكان ذلك جليًا في ختام كلمته التي أكد خلالها "ضرورة وضع الأطر وآليات تنفيذ وتمويل واضحة لمستقبل العلاقات الإفريقية - الأوروبي ة ترتكز على أسس الاحترام المتبادل والندية"، وعلى خلفية ما سبق، تكمن المصالح الأوروبي ة في إفريقيا في السعي لاسترداد علاقات الهيمنة والنفوذ بالقارة، وتدعيمها، بعد أن قل اهتمامه بها في فترة سابقة، والتصدي ومواجهة التنافس الآسيوي، خاصة الصيني من جهة، والهيمنة الأمريكية على القارة من جهة أخرى، فتح الأسواق الإفريقية أمام المنتجات الأوروبي ة؛ خاصة أن السوق الإفريقية تمثل 20% من إجمالي السوق العالمية، الحصول على المواد الأولية الإفريقية بأسعار رخيصة، والتي تخدم الصناعات الأوروبي ة العملاقة، محاولة السيطرة على الموارد الطبيعية الإستراتيجية التي تمتلكها القارة، استغلال المواقع الإستراتيجية في القارة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، وتأمين حركة التجارة من وإلى أوروبا خاصة النفط، (تواجد قوات عسكرية كثيفة أمام باب المندب وخليج عدن وقواعد عسكرية في بعض الدول الإفريقية)، التعاون مع الجانب الإفريقي لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية لضمان عدم انتقالهم إلى دول الاتحاد الأوروبي .

وعلي جانب آخر، نجد الجانب الإفريقي لديه مصالح يريد تحقيقها من خلال التعاون مع الاتحاد الأوروبي ، يتمثل أهمها في الرغبة لجذب الاستثمارات الأوروبي ة إلى أراضيه، وعدم اقتصارها على قطاع التعدين، البحث عن مساعدات مالية لمحاربة الفقر والأمراض والبطالة، الاستفادة من الخبرات الأوروبي ة للقيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية، مطالبة الأوروبي ين بإلغاء الديون الخارجية أو جزء منها، باعتبارها العائق أمام تحقيق تنمية شاملة، حل النزاعات القائمة، فتح الأسواق الأوروبي ة أمام المنتجات الإفريقية.

كاتب المقال:

خبير الأمن القومي والشئون الإفريقية

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

رؤية حول إعادة تشكيل الوعي الإنساني

أضحى الإنترنت واحدًا من أهم مصادر الأخبار والمعلومات في العصر الحديث، وبالتالي تحول إلى مصدر للمعلومات مُهم للقنوات الفضائية والصحافة والمفكرين والأدباء

تقارب مصرى إفريقى - فعاليات وتفاعلات

استضافت الدولة المصرية عددًا لا بأس به من الاحتفاليات الدولية والإقليمية، تمثلت في مؤتمرات ومعارض كان للقارة الإفريقية النصيب الأكبر منها، فقد استضافت

مادة إعلانية

[x]