ثقافة وفنون

"محيط خليج" لأحمد فضل شبلول.. إبحار فني في عالم الرواية

17-12-2018 | 09:00

أحمد فضل شبلول وغلاف كتاب "محيط وخليج"

كثيرا ما نسمع ونقرأ هذه الأيام عن تقصير دور النشر في نشر الأعمال الأدبية رواية وشعرا، وعن قلة المنشور في هذا المجال. ولكن لا أحد يتحدث عن تقصير النقاد، وقلة وندرة كتاباتهم النقدية الجادة، الخاصة بالرواية والشعر في العالم العربي. مع العلم أن الساحة الأدبية تضج حاليا بالكتابات الأدبية على اختلاف أنواعها. والكتابات النقدية التي نقرأها هي في معظمها تخصصية، تتناول كاتبا أو شاعرا بعينه، بل موضوعا خاصا لديه. دون أن تفسح مجالا بين سطورها لتناول كتابات غير المشهورين المتربعين على الساحة الأدبية. أي الكتابات التي خارج دائرة الضوء مع كثرتها، وتنوعها، وجودتها، والتي يتخطى بعضها كتابات الكبار.

وإذا كان الشعر يوما ديوان العرب، فإن الشاعر والناقد أحمد فضل شبلول يعتبر أن « الرواية ديوان الحياة العربية المعاصرة »، وانعكاس صادق وشفاف لها، وخير مُعبر عن واقعها المعيش، وعن أوجاع وكوابيس وأحلام وآمال شريحة كبيرة من المواطنين، وكل ما يحيط بهم من أحداث سياسية واجتماعية وإنسانية، مؤكدا أن الرواية تشهد ازدهارا غير مسبوق من حيث كمية الإنتاج، والتجديد في الأساليب، والمتخيل، والطروحات.
وفي خروج عن المألوف، وفق الكاتب والناقد اللبناني خالد بريش المقيم في باريس، يقدم لنا الشاعر والناقد أحمد فضل شبلول كتابه الجديد «محيط خليج»، الذي يتناول فيه قراءة نقدية لعشرين عملا إبداعيا روائيا مختلفا من حيث المواضيع الروائية، وشاملا للساحة الأدبية العربية من المحيط إلى الخليج، الصادر في القاهرة عن دار آفاق وأعماق، والذي أراده أن يكون تفاعليا مع النصوص والقارئ، أكثر من أن يكون دراسات نقدية تقنية جافة، لمناحي النقد الروائي المختلفة.
إن خيارات الناقد شبلول، كما يقول خالد بريش، للروايات التي ضمنها كتابه، إن كان من حيث العناوين، والمواضيع، والمضمون، أو من حيث انتماءاتها إلى مدارس أدبية مختلفة، فإنما تجسد التنوع في الإنتاج الأدبي على الساحة الأدبية في عالمنا العربي. وترصد كل التغيرات والتحولات التي طرأت على مجتمعاتنا العربية فكريا وأدبيا واجتماعيا. إنها مجموعة من القصص التي تختزل أكثر من ستة عقود من عمر الأدب العربي، بل من عمر هذه الأمة التي تتحدث بلغة الضاد. فشملت خياراته ما بين القصة الوطنية، والسياسية، والاجتماعية الرمزية، والروحية الغائصة في عوالم الأنوار والتصوف، وتلك المتحدثة عن الحب والأشواق والمشاعر الإنسانية، التي هي من خصائص الكيان الإنساني.
لم يتقيد الناقد شبلول في خياراته بالزمن، حيث ضمت مختاراته ما هو قديم، وحديث لم يمض على صدوره عدة أشهر. ومن بين القديم رائعة الأديب سهيل إدريس « الحي اللاتيني »، التي ظهرت في خمسينيات القرن الماضي، وقال عنها الكبير نجيب محفوظ « مَعْلم من معالم الرواية العربية الحديثة ». ولكون الأسئلة التي طرحتها ما زالت حاضرة، ولأن ذلك الفتى بطل الرواية ما زال يبحث عن حُلمه في ركام الأيام، وانكسارات التاريخ. وما زالت كلمات فتاته الفرنسية التي أحبها تتكرر كل يوم، وخير معبر عن عدم فهم الغرب للإنسان القادم من الضفة الأخرى للمتوسط: « عد يا حبيبي العربي إلى شرقك البعيد الذي ينتظرك ويحتاج إلى شبابك ونضالك »...! وأن ذلك الفتى وبالرغم من العولمة، وكل آثارها وتأثيراتها، ما زال مُشْبعا مُغْتسلا بالعروبة، والإخلاص لأمته.
ويضيف خالد بريش في قراءته للكتاب: لقد شكلت الروايات المختارة وحدة متجانسة وإن بدت ظاهريا متنافرة. وضع الناقد شبلول من خلالها إصبعه على الجراح النازفة لأمتنا، ونكأ أورامها. وهي خيارات من الممكن إضافتها إلى الحفريات التي قام بها الكتاب أنفسهم عبر سطورهم. ويبدو ذلك جليا من خلال ما اقتطعه من فقرات أثبتها في كتابه، كهذه الفقرة من رواية « خبز وشاي »، للروائي الأردني أحمد الطراونة والتي تحكي واقع الكاتب ساعة الكتابة، وتطرح السؤال الصعب في حياة المبدعين: لمن يكتبون...؟ فيقول: « أود أن أكتب حتى أخفف عن وحدتي... لم أحدد لمن أبوح... شعرت وأنا أمسك القلم بأني أكتب لروحي ».
ويذكر في منهجيته ما للسرد أو النص، وما عليه. ومواطن الجمال والتميُّز والضعف، والمواطن المستغربة التي أقحمت في السرد، وشكلت نوعا من فجاجة أحيانا...! مقارنا النصوص مع نصوص بعض الروايات الأخرى، من حيث الحدث والشخصيات. ونقاط التوافق والاختلاف، والنمط البنيوي، والأحداث ومجرياتها، وقوة الحبكة. متجاوزا التنميط الذي قد يكون بعض النقاد وضعوا تلك النصوص فيها. مُتدخلا أحيانا في حبكة بعض النصوص، مما أعطاها بعدا آخر. متناولا أيضا لروايات غير التي عمل عليها، وكانت حقلا لدراسته، كاشفا عن الخبايا في كل واحدة منها.
يذهب الناقد شبلول في مقارناته هذه بعيدا إلى حيث لم يخطر على بال الكاتب نفسه في الأساس، كأن يعقد مقارنة متوازية ما بين رواية « النخاس »، للكاتب التونسي تاج الدين فرحات، وبين كتاب « الفهرست »، لابن النديم (ت 384 هـ./ 1047 م.). مُرْجعا بعض النصوص إلى أصولها من حيث الرمز والمدلول كما يراها هو. فالغرفة رقم « 7 » في رواية النخاس يرى أنها ترمز إلى حجرة الأسرار العلوية بكل ما يحويه هذا الرقم من غموض وقداسة، واستخدامات سحرية. وكذلك الحجرة رقم « 1 »، ترمز إلى الصمت والسديم، وبداية البدايات، كأنه العالم قبل الخلق.
وبالتوازي مع تناول الناقد شبلول لمواضيع الروايات وبنيتها، وحبكتها الفنية، فإنه يحلل اللغة وخصوصيتها في البناء السردي. فعلى سبيل المثال يقول عن اللغة المستخدمة في رواية « حافية الروح »، للكاتبة التونسية فتحية الهاشمي: « لغة الرواية التي جاءت بعض مفرداتها بالعامية التونسية المطعمة بالأغاني والأمثال الشعبية التي قد يصعب قراءتها بطريقة صحيحة ومعرفة مغزاها لقارئ عربي مثلي لا يعيش في تونس الخضراء ».
ويختتم خالد بريش قراءته موضحا أنه إذا كان الناقد شبلول قد تحدث في عرضه لرواية « حافية الروح »، عن نجاح الكاتبة في مزج العام بالخاص في نسيج الرواية. فإنه مما لا شك أنه هو نفسه قد نجح أيضا في هذا الموضوع خلال ورشة عمله بشكل واضح. وذلك من خلال إشاراته إلى بعض أحداث الروايات التي يناقشها وشخصياتها، وكذلك عندما يقف على نقطة معينة، أو حدث بعينه، أو جملة وردت، فيمرر من خلالها رسائله التي ما إن يخطو القارئ قليلا في كتابه، حتى يبدأ في تلقي رسائله. ومن ذلك مناقشته الهادئة لمفهوم الوطنية، والانتماء، والعقل الجماعي، ومجتمع الخِراف المغلوب على أمره. أو من خلال قصة التشي غيفارا (الكومندانتي) خلال لقائه بعبد الناصر، وما قاله له الرئيس ناصر ساعتها: « عندما نواجه الموت نكون أبطالا أما إذا كنا نتجنبه فإننا سنبقى مجرد سياسيين »... أو من حيث اختياره لرواية « وليمة لأعشاب البحر »، للكاتب حيدر حيدر ضمن روايات كتابه. وختاما فإن كتاب « محيط خليج »، هو عمل نقدي يفتح أمام القارئ الموصود من الأبواب، ويزوده بإضافات فكرية مهمة، ومفاتيح جديدة للقراءة، بالإضافة إلى مفاتيحه هو.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة