ننشر فصلًا من رواية "الأعراف" لمحمد علاء الدين

7-12-2018 | 16:49

غلاف الرواية

 


كان أبي يتظاهر دائماً بأنّه يقرأ الجرائد، لكنّني أيقنت أنّه لا يفعل.

يمكنك أن تعبر به جالساً في الشرفة في أيّام الجمعة التي دوماً ما أتذكّرها مشمسة، فارداً صحيفةً ما بين يديه في محاذاة صدره، لكنّ الصفحات لا تنقلب أبداً، أو هي تنقلب بعد دقائق طويلة ثقيلة من الجمود والصمت. كان ظهره هو ما يواجهني بينما أنا أعبر في طريقي. كنت أتخيّل أنّه يولي وجهه لشمس الساطعة مغمضاً عينيه.

كانت حياة أبي كنهر متّصل، نهر هادئ لا يزعج واديه بفيضان ولا بنقصان، المحيط الهادئ كما سمّيته بيني وبين نفسي، ثمّ بيني وبين أخي الأصغر الذي لم يقدّر التشبيه كثيراً. لا أتذكّر أنّه في يوم زعق في وجهي، أو أنّني سمعت له شجاراً مع أحدهم، حتّى أمّي. كان قليل الكلام، قليل الحركة، على الأقلّ في المنزل. كانت أمّي هي من تتولّى أمرنا، أمّا أبي فهو من يشاركنا الطعام في أيّام رمضان التي نحاول فيها أن نلتفّ حول مائدة واحدة، أمّا في العادة، فكلّ منّا يأكل وينام ويمشي ويفكّر بمفرده. لم يضايق نفسه بمراجعة درجاتي في المدرسة، حتّى توقيع الأهل المطلوب أحياناً، كانت أمّي من تتولّاه، لم يظهر أحد من أقربائه ولم يظهر هو لأحد. أيّام نادرة هي حين يصطحبنا بسرعة لمأتم أو عزاء، نرى اختلاف الناس والطبقات، لكنّ سلوك أبي لا يتغيّر؛ سلامات لطيفة وجلوس مُجامِل ومغادرة سريعة. كان أبي مهندساً معماريّاً، في جيله كان هذا يعني شيئاً، وحاول هو جعله يعني شيئاً في أيّام لاحقة، لكنّه بقي في شركة تابعة للقطاع العام.

قد أستسلم أحياناً لمثل هذا المنطق البسيط الذي يفترض أنّ مهن البشر قد تفرض عليهم شيئاً، ففي حالته يمكننا التخيّل أنّه شخص منضبط، منحاز للقياسات والدقّة، ولكنّني لم أعرف عنده شيئاً يؤكّد هذا من عدمه، ولم ألاحظ مثلاً ولعاً زائداً لديه بالرسوم، ولم يجد سهولةً في شرح الهندسة الفراغيّة لي، ففضّل أن يعهد بي إلى مدرّس خصوصيّ. كانت أمّي هي كلّ شيء بالنسبة إلينا، أنا وأخي. يمكنني، بمزيد من التفكير، أن أعترف بأنّني ربّما أنا الذي لم أهتمّ بأن أعرف شيئاً عنه، أبعد من سكّر قهوته أو شايه، أو أين يضع سجائره سواء لإحضارها له أو لسرقتها، أو بعض من الأصدقاء الذين يجلس معهم على قهوة غير بعيدة من بيتنا، أو لعبة الطاولة التي أراه يلعبها بين حين وآخر، من دون أن أعرف نوع لعبته حتّى. حتّى حين كان يهوّن على سجني الذي قرّرته أمّي، كان يطلب لي الشاي ويجلس صامتاً. كنت أحسّ أنّه يؤدّي مهمّة ثقيلة عليه.

لم يوجّهني أبي إلى شيء، ولم يكن هنا حين حدثت كلّ الأشياء المهمّة في حياتي، وحين صودف وكان هنا، هرب.

كيف حالها اليوم؟!

يباغتني وأنا ألتقط بعض الحليب من المبرِّد. يقف هادئاً بمنامته وروبه العتيق، كهارب من أفلام الأبيض والأسود. ينظر إلى وقد وضع يده اليمنى في جيب روبه، مبرزاً إبهامه فحسب.

بخير..
أجيب وأنا أضع بعضاً من الحليب في الإناء المعدني الصغير، ثم أضعه فوق النار الهادئة. هو لم يزرها سوى مرّة واحدة في الأسبوعين الأخيرين.

امتلك أخي الأصغر فضولاً أعمق، فيما يبدو، فمكّنه ذلك من أن يعرف عنه أكثر، فيما يبدو أيضاً. أتذكّر اهتمام أبي بزيجته، حتّى إنّه انهمك بنفسه في مناقشة التفاصيل مع أهل العروس، بينما في حالتي أنا، فقد جلس وكأنّه في عزاء أو في فرح أحد أقربائه الأبعدين. امتلكت أمّي دهاءً ما، فلاحظت أنّها حينما تريد أمراً تعرف استعصاء الحصول عليه من أبي، تبعث إليه بأخي الأصغر الذي يجيد الاستهلال، فصَيحة من هنا وقبلة على الخدّ من هناك، ليبتسم أبي وتبدأ الأحجار بالذوبان. لم يُذِب مرضُها قلبَه إذن؟

أتتحدّث معك؟
قليلاً..
كلام موزون أم…؟

أنت تعرف مثل هذه الحالات…

منذ سنوات ثلاث ونحن نقيم معاً مجدّداً، لم أودّعه إلّا قبلها بثلاث سنوات، في بداية زواجي، وعندما رجعت لم أجده غير على ما تركته، ولم أجده في هذا الموقف هنا على غير ما تركته، حين كنت أنا في دوّامة لا أعرف منها مهرباً.

أخوك زارها أمس، لم تعرفه…

هززت كتفي بلا معنى واضح. ظللنا صامتين، بينما يهسهس الحليب فوق النار قليلاً. يتنهّد ويبدأ بالتحرّك داخلاً إلى عمق الشقّة.
أبي..

نعم؟

ما هي حكاية أخي الأكبر بالضبط؟

زرّ عينيه وسألني ما الذي ذكّرني بهذا الآن. قلت له إن أمّي كانت تذكره، سأل كيف، أجبت بأنّني لم أعرف كيف أربط الكلام. قال لي في نبرة بدت عجيبة إنّ أخي قد مات في المستشفى رضيعاً، أمّك أصيبت بانهيار ساعتها، حمّلت نفسها مسئوليّة نفورها منه في البداية. حاولت إخبارها أنّ هذا شعور طبيعي لكنّ حزنها كان أكبر. تعافت بعد قليل ونسينا الموضوع، أو تناسيناه. صمت للحظة. ثمّ جئت أنت. قال بنبرة فاجأتني.

لم أعرف كيف أردّ على ذلك. لم أفهم حتّى معنى نبرته. انهمكت في صبّ الحليب فوق باكيت الشاي في كوب كبير. تركني وذهب كما انتوى، كما يفعل عادة.

إله. أبي؟

نعم، لقد تظاهرت بأنّني لا أعرف أخاك.

هكذا قالت لي. أكملَت أنّها فعلت هذا منذ البداية. إلّا أباك، قلت إنّني لا أعرفه، سألته من هو، ولكنّه يعرف. هو يعرف. هو يعرف منذ اشتمّني في هذا اليوم البعيد. ولِمَ؟!

لِمَ ماذا؟! لِمَ فعلت ذلك مع أخي؟! أخوك ذو دم ثقيل، أتعرف؟ لا، لا أعرف، هو البهلوان في البيت، هو المهرّج دائماً. هو يمثّل ذلك، هو يفعل ذلك ليبلغ ما يريد. لقد أنجبناه بعدما كبرنا، وطغت حالنا على ماضينا، فنشأ آدميّاً جهولاً. كلّنا، قلت. لا. أنت لا. أنت أقلّ جهلاً. لا أظنّ ذلك. أنا أظنّ. أنا أمّك. اسمع ما أقول. حسناً. ولكي لا تذهب بك الظنون، الأمر ليس فيك، الأمر فينا. لكن هذا يعني أنّ أخي الأكبر كان أقلّ جهلاً منّي أيضاً. قلت وقد حسبت أنّني أعرف ما تقصد. لم يكن ليعيش. عرفت هذا عندما شممته. قالت.

وقبل أن أردّ، باغتتني بسؤالي إن كنت أعرف كيف قابلت والدي. قلت لها إنّها قالت لي إنّهما تقابلا في آخر سنة في الجامعة. أجابت بلى، لكن ليس بالضبط. ليس بالضبط؟ بلى، قابلت والدك في الجامعة، وعرف كلّ منّا ماهيّة الآخر، كان بعد وقت لا بأس به من الحصان، لذا لم يشتمّ شيئاً. لمعَت عيناها، ضحكَت. نظرَت إليّ فابتسمتُ. في أوّل لقاء بيننا، طلب لي سمكاً في المطعم بجوار النيل. هل تتخيّل؟ سمك! أيّ سذاجة هي؟! هي أسهل الحلول قاطبة! اتّسعت ابتسامتي، بينما أكملَت وهي تشرد ببصرها، لم يكن هذا هو السبب في قرارها أن يكون والدي وليفها. إذن كيف؟!

حسناً. لا تظن أنّك أنت وحدك من كنت في الميدان الكبير، كنّا أيضاً هناك في شبابنا. ومثلكم ضربونا وقذفوا بالدخان علينا. جرينا. جرينا أنا وأبوك. أنت وأبي؟ أبي أنا؟! نعم! لا تكن سخيفاً، جرينا وجرينا ثمّ وصلنا إلى عطفة مغلقة. أتعرفها؟ هناك عند بائع الكشري المشهور.

هززت رأسي بأن نعم.

كانوا يعدون وراءنا، يقتربون، هراواتهم في أيديهم وشواربهم في وجوههم. نظر كلّ منّا إلى الآخر، أنا وأبوك، كنّا هالكين لا محالة، هكذا اعتقدنا، لم نحسّ بأنّنا سنُضرب أو سنُصاب فحسب، لقد أحسسنا كأنّهم سينكّلون بنا حتّى الموت. وفجأةً، وجدت أبوك يقفز أمامي، قطّاً أسود رشيقاً، شعره قصير ولامع، وشواربه طويلة ومهتزّة، يتشبّث بالحائط، ينظر إليّ، يموء. دونما إحساس وجدت نفسي أقفز وراءه، لم يُتح لي أن أرى نفسي، ولكنّني كنت أعرف، كنت أعرف؛ أنا بيضاء اللون ذات بقع مشمشيّة وسوداء، شعري أطول من شعر أبيك، ذيلي منتصب الشعر الطويل الجميل، وجدت نفسي أتسلّق الحائط معه، حتّى استوينا فوق سطح المبنى، كانت مدرسة للبنات، وعندما نظرنا، وجدناهم يقفزون وراءنا.

يقفزون وراءكم؟

بلى، يقفزون ويزمجرون، تقدح أعينهم بالشرر، لم ننتظر أنا وأبوك، عدَونا، عدَونا مجدّداً، بكلّ ما نملك من قوّة، إن عقرونا فسنهلك. الجنود؟ الذئاب! ذئاب؟

بلى، هؤلاء هم ذئاب، العصا والناب، المخالب والعواء. أخذنا نقفز، وبعضهم وراءنا، الأشرس والأقوى، الضعفاء منهم قليلاً لم يبرعوا في التسلّق، لكن الباقي كان كافياً، ناور أبوك، قفز إلى داخل فصل دراسيّ، فوجئت البنات. قطّتان. زجرتنا المدرّسة، لكنّ الدم تجمّد في عروقها حين ولجت الذئاب وراءنا، أُغمي عليها، صرخت البنات فزعاً، لكنّ أيّاً منهن لم تُصب بسوء. خرجنا إلى ردهة المدرسة المستدقّة الطويلة، وخلفنا الزمجرات. كان الكلّ يعدون خائفين، ليس منّا بالطبع. قفز أبوك مرّة أخرى وأنا وراءه، أخذنا نقفز فوق المباني، عبرنا بعشّاق فوق الأسطح، ومزّقنا ملابس تُركت لتجف، ونزلنا فوق مواسير صدئة وعدونا فوق أدراج حجريّة وخشبيّة. عبرنا الشارع العريض فتصادمت العربات، وتفَل الناس مشاريبهم عند بائع العصير وفوق طاولات المقاهي، دخلنا في حارات وقفزنا فوق أبواب، وعندما تعبنا، عند العمارات ذات القبب الكبيرة المشرفة على الميدان الفوضويّ، ظهرت مجموعة من الكلاب، كلاب رفيعة الجسد، ضئيلة الحجم، ولكنّ بعضها بجوار بعض، كانت عصبة ذات بأس، زمجرت في وجه الذئاب المتعبة، تراجعت، التفتت الكلاب إلينا، تبادلنا النظرات، كنّا شاكرين وكانوا رفقاء. اختفينا كلّنا؛ القطط والذئاب والكلاب. ذبنا وسط العالم الجديد، سقاني أبوك عصير القصب في الشارع الطويل، ربّت كتفي. أأنتِ بخير؟! قال بصوته العميق.

كنت بخير، وعلمت أنّني دوماً بجواره سأكون بخير. صمتَت أمّي. صمتُّ أنا أيضاً.

كيف حدث هذا ولم يتحدّث الناس عن هذه الأسطورة حينها؟ قالت وكأنّها تقرأ أفكاري إنّ الناس تحدّثوا عمّا حصل. قالوا إشاعة، وبالطبع هي إشاعة، أيّ ذئاب تعدو وراء قطط في وسط المدينة؟ أيّ ذئاب تدخل مدرسة في وسط خلّاط كبير نسمّيه مدينتنا؟! صارت إشاعة لوقت قصير، قبل أن ينساها الناس، ومن رأى وأصرّ، تلقّفته المستشفيات والأطبّاء النفسيّون. البوم.

بوم؟!
من عالجك مثلاً، هو بومة.. ألم تلحظ ذلك؟!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]