خرافات تدير حياة المصريين

8-12-2018 | 00:11

 

في رواية "المهزلة الأرضيّة" للمبدع يوسف إدريس، يدور هذا الحوار بين الطبيب والمجنون:

- الطبيب: تقدر تقولي النهاردة إيه

- المجنون: النهاردة السبت يا دكتور

- الطبيب: وبكره

- المجنون: السبت برضه يا دكتور

- الطبيب: يعني النهاردة السبت وبكره برضه السبت، أمال الأحد إمتى؟

- المجنون: الأحد بييجي لما نحس إن النهاردة اختلف عن إمبارح، ولما نحس إن الدنيا اتقدمت بينا خطوة، لما عدالة النهاردة تبقى أكتر من عدالة إمبارح، لما أحس إن ظلم النهاردة أقل بكتير من ظلم إمبارح، لما نحس إننا لاقيين مكان في الأتوبيس، لما نحاسب المسئول وهو لسه مسئول، لما نحس إننا اتقدمنا خطوة  أو اترقينا، يومها بييجي الأحد يا دكتور.

وهكذا.. فإن معايير القدم والزمن هو التطور وليس التجمد عند عصر ما، أو أفكار تجاوزها الزمن، وبشكل عام، فإن الخرافة والعلم لا يجتمعان أبدًا، ولا قيمة للعلم إن لم يقض على الجهل والخرافات، وتدريب الإنسان على التفكير المنطقي، والاستدلال الصائب، والأحكام الصحيحة بالاعتماد على الحقائق الموضوعية؛ ذلك لأن الكثير من مآسي حياتنا الاجتماعية والخصومات ترجع لحبس العقل المصري في عشرات الخرافات، حين يتهم "المندل" مثلا شخصًا بريئًا بالسرقة، أو ينسب الفرد في يوم زواجه عجزه الجنسي الي أحد المنافسين له في الزواج، ومن ثم يناصره العداء.

 كما أن هناك حالات عديدة للوفاة ترجع إلى اعتياد واعتماد المرضى على الدجالين والمحتالين الذين يستخدمون السحر في علاج مرضاهم، وعذر هؤلاء أن التفكير العلمي هو عادة ذهنية يتم التدريب عليها وتعلمها واكتسابها وإتقانها كأي مهارة أخرى.

وللأسف فإن كل وسائل التدريب تدعم الخرافات بأكثر مما تواجهها؛ لأن التعليم يعتمد على ثقافة الحفظ أكثر من التحليل والفهم؛ خاصة أن للخرافة وظائف اجتماعية ونفسية؛ فهي توحي للمؤمن بها بالاطمئنان والأمان إزاء أخطار الطبيعة وكوارثها، كما تقدم له تفسيرات مرضية لبعض الظواهر الغامضة التي تحير فكره، وقد تبعث فيه روح الأمل والتفاؤل، ولكنها تبعث فيه أيضًا روح اليأس والتشاؤم، حين يسمع نعيق البوم، أو يتخذ من بعض الأشياء فألًا يدفعه إلى الإقدام أو الإحجام عن القيام بوظائفه على أسس خيالية وهمية؛ كتحضير الأرواح والسحر والحسد والمندل والزار والبخت، والحرص على قراءته في الصحف، وقراءة الكف والفنجان ولبس الأحجبة والتمائم والتعاويذ، وإطلاق البخور والتشاؤم والتفاؤل من بعض الأرقام، ومن بعض الحيوانات، والإيمان بوجود الأرواح الشريرة والشياطين، والإيمان بالأمثلة الشعبية الخرافية السائدة، والإيمان بالنظام والصدفة والعين الشريرة، وتلك المعتقدات ليست حديثة، ولكنها قديمة قدم الوجود الإنساني؛ لدرجة أن جدران المعابد ولفائف البردي تحفل بالكثير من الأساطير المصرية القديمة، وظلت الأجيال تتوارثها يومًا بعد الآخر، وتنتقل من جيل إلي آخر.

والكارثة أن تلك الخرافات تحكم سلوك المتعلمين والجهلاء؛ لدرجة أن ٦٣٪‏ من المصريين يؤمنون بالخرافات من بينهم ١١٪‏ من المثقفين والرياضيين والفنانين والسياسيين، وذلك وفقًا لدراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية.

والمثير أن ٣١٪‏ من المصريين - من بينهم من يحتل المناصب العليا - يؤمنون بتقمص الأرواح، وهناك وفقًا للدراسة نحو مليون و٢٠٠ ألف يعتقدون بتصنيف الجن إلى "أحمر وأزرق"، وأن الحذاء القديم الملقى في الشارع هو الدواء الوحيد للوقاية من الجن والعفاريت، وأن ٧٥٪‏ يتحاشون ضرب القطط والكلاب ليلا؛ لاعتقادهم أن العفاريت تسكن هذه الحيوانات.

بل إن نحو ٦٠٪‏ من النساء يعتقدن بضرورة وضع كف في شعر الطفل؛ حتي لا يصاب بالحول، وأن ٤٧٪‏ يؤمنون بأن رش المياه وراء الشخص المتوفى يمنع موت أحد وراءه، وأن المقص المفتوح يجلب النكد، ووضع المقص تحت رأس النائم يمنع الكابوس، وأن حرق الخنفسة في الشقة غير المسكونة يجلب لها السكان، وأن تعليق حذاء طفل على جدران المنزل يجلب له السعادة.

وتكشف دراسة أخرى عن وجود ٣٠ ألف شخص يدعون قراءة الغيب والفنجان والكف، وتكشف دراسة ثالثة عن أن المرأة التي لا تنجب تذهب للدحرجة سبع مرات، وفِي الشرقية تذهب لزيارة تمثالين لرجل وامرأة وتحتضنهما تحت ملاءة، ثم تستحم وتكسر زيرًا من أجل الإنجاب.

وفِي سيوة تستحم العروسة في نبع؛ لتكتسب الجمال، وتعتقد المصريات بعدم دخول الرجل حليق الذقن على المرأة بعد ولادتهاب ٤٠ يومًا؛ حتى لا يمنع عنها لبن الرضاعة، وتؤمن الفتيات بعدم التحديق في المرآة ليلا؛ حتى لا يفوتهن قطار الزواج، وأن من تقرص العروسة في ركبتها ليلة عرسها تلحقها بالزواج قريبًا، وأي بنت تأكل سمكًا وتشرب لبنًا يوم الأربعاء تصاب بالجنون فورًا، ويخشى المصريون من القطة السوداء، وأن الحجاب يقي من الحسد.

وهكذا فإن الخرافات ليست سلوكا فرديًا، ولكنها جماعية تقف وراءها أيد مجهولة تحترف تغييب الوعي ودفن العقل المصري في ثلاجة التخريف.

وقد أمكن حصر ٢٤٧ خرافة تحكم سلوك المصريين، وربما تسيطر على مقدراتهم للأسف، وكأننا لم نتوسع في التعليم وافتتاح عشرات الجامعات ونعيش عصر العلم والتكنولوجيا وغزو الفضاء وفك شفرات الجينات البشرية.

يحدث هذا لأمة كانت أول كلمة لهم من الخالق اقرأ!!

مقالات اخري للكاتب

بعد العيد

وفقا للتوقيت الحصري للمصريين، فقد اختزلوا عقارب الساعة من ساعات ودقائق وثوان، إلى "في المشمش"، و"بعد رمضان"، و"بعد العيد"، و"العصرية"، و"المغربية"، و"بعد العشا".

استعدوا الذكاء الاصطناعي في الطريق

من البداية يحب التركيز على أن مصطلح الذكاء الاصطناعي، الذي يبدو غريبا على الآذان والنطق سوف يكون متداولا قريبا، ومن المفهوم أن هذا العلم الذي يسعى لمحاكاة

الناشئون هم الحل

بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الشباب السابع والزهور الوردية المتفتحة المفعمة بالحيوية والموجات الإيجابية، كان منتخب مصر للشباب لكرة اليد قاب قوسين أو أدنى من

العباقرة الجدد للأسف!

منذ سنوات قدمت بالأهرام عدة تحقيقات صحفية تتبعت فيها رحلة أوائل الثانوية العامة، وكانت المفاجأة سقوط معظمهم في منتصف الطريق، ولم يستطع معظمهم مواصلة مشوار

أغاني المهرجانات تصفيات مرحلة!

ومصر تدخل مرحلة جديدة من الانضباط والتنمية وتصلح خطايا نصف قرن من التنطع فإنها تعيش ما يشبه تصفيات مرحلة ونهاية عصر من الفوضى والعشوائية والكسل العقلي والإبداعي في كل شيء، وحتى بعض الأخطاء الكارثية هي نتاج آخر رجال تلك المرحلة.

إعادة تأسيس البنية الأساسية للحياة السياسية

كتب كثيرون من اليساريين تحت عنوان ثابت عدة دراسات ومقالات عن (أزمة اليسار المصري) كانت مجرد تبريرات لتشتتهم وفشلهم لعوامل خارجية