لماذا لم تحبني السيدة نانسي؟

6-12-2018 | 23:27

 

لم تكن السيدة نانسي سوى دليل جديد على حقيقة قديمة: لا ترتاح المرأة أبدًا لصديق زوجها حين يكون أعزب أو مطلقًا، ولو كان ملاكًا بجناحين! المختلف هذه المرة أن وقائع الحكاية جرت في العاصمة البلجيكية بروكسل ؛ حين كنت مراسلًا لصحيفتي القومية الكبرى لدى الاتحاد الأوربي و حلف الناتو .


- سمعت أنك مصري، رائعة بلادكم ولنا فيها ذكريات لا تنسى، أليس كذلك يا نانسي؟

على مضض، أومأت زوجته برأسها موافقة.

- أنا جون الرئيس الشرفي لنادي الصحافة ونشرف بانضمامك حديثًا لنا .

كان طويل القامة للغاية، مبتهجًا على الدوام مثل متسابق فاز لتوه بجائزة دولية مرموقة.

- هل أنت متزوج ؟

- لا، فأنا في الواقع ....

قاطعني:

- أعزب..أوه! بروكسل مدينة رائعة لرجل أعز ب!

وفجأة تحولت نانسي من سيدة أرستقراطية ترعرت على فراش من الذهب في نورث كارولينا إلى بائعة خضراوات بسوق شعبية في حواري الجيزة .

- وهل أنت تتحدث عن تجربة شخصية؟

كان صوتها هادئًا، لكنه قادر على تجميد الدم في العروق.. انتبه إلى غلطته.. أسرع زوجها ليقول مستدركًا

- ليس الأمر كما تظنين.

اضطررت إلى الاستئذان بحجة البحث عن زميل.. كنت محرجًا للغاية.. تذكرت زوجات صديقاتي اللاتى لا يرين في وجودي سوى مصدر خطر محتمل أو على الأقل فألاً سيئًا.. موقف لا ألومهن عليه بل أتفهمه تمامًا.. المشكلة كانت في أصدقائي الذين أصبحوا يطاردونني بكل وقت ومكان، كأن طلاقي ساعة الصفر التي قرروا فيها نزع آخر الأقنعة التي طالما ارتدوها أمامي، وهم يتظاهرون أن كل شيء بحياتهم الزوجية على ما يرام.. هل منحهم فشلي شجاعة الاعتراف بكل هذه الآلام؟

ظل أصدقائي مجرد كائنات تعيسة فقدت ألسنتها القدرة على تذوق الحياة، تلتف حول رقابها حبال التكرار الخانق، تتأوه بحرارة مراهق حين ترى جسدًا منحوتًا يمر من هنا أو شعرًا منسدلًا يتمايل هناك.. كائنات تتناول من قارورة الحرمان قرصًا كل ليلة وهي تأوي إلى الفراش لتحتضن كل هذا الخواء البارد..

- لولا الأولاد، لكان كل منا راح لحال سبيله!

أهز رأسي موافقًا بالطبع.. أشجعهم على الاستمرار بحياتهم غرقى تتقاذف جثثهم أمواج مخضبة بالدماء.. ولتأكيد فكرتي أذكّرهم بأن العيش بعيدًا عن طفلتي هو كابوس الصحو وعذاب المنام.. يستريحون تمامًا لهذه الفكرة.. الآن أنا الفاشل، غير القادر على تحمل المسئولية، الأبله الذي خرّب بيته بيديه، وهم المثاليون الذين يضحون بصمت من أجل أطفالهم، وينكرون ذواتهم في سبيل أولاد لا ذنب لهم.. مثلما منحتهم مبرر الانفجار بالشكوى أرسل لهم حبل العزاء والسلوى.. الأولاد؟ طبعًا.. طبعًا، ولكنكم في الحقيقة مرتعبون من أشياء أخرى لا علاقة لها بأولادكم الذين تلخصت علاقتكم بهم في "تجهيز الفلوس" وعلى الأم أن تقوم بكل شيء آخر.

أشياء تخجلون من الاعتراف بها لأنفسكم، وليس لعدم قدرتكم على تخيل حياتكم وقد عدتم عٌزابًا، لا طعام ساخنًا يستقبلكم ولا ملابس داخلية مطوية بعناية ومعطرة بانتظاركم.. حياتكم ستعود مستباحة لغارات الأصدقاء وأكل "نواشف" الأسواق سيرهق مجددًا معداتكم.. هذه هي الحقيقة البسيطة القبيحة التي بحاجة إلى أطنان من المساحيق لتبدو مقبولة.. فلتهنأوا براحة البال إذن، فهي وحدها القادرة على منحكم عمرًا مديدًا مثل صديقي جون، هذا الرجل الذي يزحف سريعًا نحو الثمانين ولا يزال يحتفظ ببقايا وسامة قديمة.. زوجته السيدة نانسي لا تصغره إلا بأعوام قليلة، ولا تزال برغم ذلك تفترض سوء النية في بعلها الذي لم أعرف أبدًا هل أتعاطف معه باعتباره ضحية زوجة من النوع الذي يسميه المصريون "الحكومة".. أم أتعاطف معها هي باعتبار أن لديها بالتأكيد مبرراتها لكي تشك فيه وتلاحقه مثل محقق لا يتهاون أبدًا مع المشتبه فيهم؟

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

الممر.. واستعلاء المثقفين!

آثرت أن أتمهل قليلا قبل الدخول على خط الجدل الذي اشتعل – ولا يزال - في المجالس وكواليس السوشيال ميديا بسبب فيلم "الممر"، والتي انقسمت نخبتنا على أثره ما

ليلة بألف ليلة!

تصيبك قصص ألف ليلة بالنشوة.. تسحرك بعوالمها الغرائبية وشخصياتها المنذورة للمغامرة والخيال الجامح.. تقرأها في كتاب.. تشاهدها في مسلسل عربي.. حيث ذكاء شهرزاد يعزف على فضول شهريار.. أو فيلم أمريكي يلعب فيه ويل سميث دور الجني خادم المصباح.. لكننا بحاجة إلى نوع آخر من "الليالي" أيها السادة!

"أصداء" رحلة داخل عقل الشباب العربي

إليك حقيقة مشوقة ولافتة للانتباه : أكثر من ستين بالمائة من سكان العالم العربي ينتمون لفئة الشباب، بإجمالي مائتي مليون فتى وفتاة.

بينالي الشارقة.. قبلة على جبين الحداثة

حللت على بينالي الشارقة الدولي للفنون، فلم أكن أعرف أني على موعد مع كل هذا الجمال وسأشرب الدهشة من بئر عميقة! أعلم أن لتلك الإمارة الهادئة المشيدة على

'آرت دبي".. فن صناعة الدهشة

أكتب إليكم من مدينة "الجميرة" القلب النابض لإمارة لا تكف عن صناعة الدهشة تدعى دبي، بدعوة كريمة؛ حططت رحالي بمدينة كوزمبالتانية، - أي عالمية - تتعايش فيها جميع الجنسيات واللغات وألوان البشرة على نحو مدهش، كأنما هي صارت منتخب العالم للسلم والتسامح.

نيبو ودرش.. شكرا على حسن تعاونكما!

أكتب إليك منتشيًا - مثلك - بـ "الأوفر" الرائع الذي صنعه مو صلاح لساديو مانيه، فانتهى آخر حلم لبايرن بالعودة في مباراته مع ليفربول بعد إحراز الهدف الثالث ضمن دوري أبطال أوروبا.

حكاية عن الفيوضات الربانية

من أين أتت زميلتنا بهذه القدرة الرهيبة على التقاط ذبذبات الروح البعيدة، وإعادة صياغتها في نصوص مدهشة تختطف من عيونك الدهشة و الدموع معًا؟ بنت الأصول الراقية

كل هذا الجمال المدهش!

كلما سمعت المزيد من الكلام عن قوة مصر الناعمة، عرفت أنني على موعد جديد مع جعجعة بلا طحين! فنحن نتحدث كثيرًا ونفعل قليلًا، فكيف - بالله عليك - أصدق كل هذا

أشهر مطربي العالم.. ولا يهمنا!

مصر الكبيرة لا يليق بها إلا التعامل مع الكبار؛ فهي هوليوود الشرق وحاضرة إفريقيا وعاصمة الحضارة.

تاريخ مصر.. بين الراهب والمأذون!

أستغرب أحيانًا حين يطلقون على الهند بلد العجائب، فهذا اللقب نحن أحق به، حيث لا تنقضي عجائب مصر المحروسة ولا تنتهي غرائبها.

شعراؤك يا مصر

بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء، عاد الشعر ليتصدر المشهد الأدبي فيكِ يا مصر، شعراؤك الذين قاوموا تراجع معدلات القراءة وسخافات بعض الناشرين الذين يعرضون بجانبهم كلما سمعوا كلمة "ديوان" ها هم يصولون ويجولون بإبداعات مدهشة تشرح القلب الحزين.

فنانو "هرم سيتي".. ومصير تيتانك!

تجربة رائعة يخطط البعض للإجهاز عليها بهدوء؛ ليغتال كوكبة من أرقى مواهبنا ويدفن تحت تراب الفوضى رافدًا من روافد قوة مصر الناعمة.

مادة إعلانية

[x]