شعير والرواية المحرمة.. الجدية كفلت الدخول لعالم محفوظ من الباب الذهبي

18-11-2018 | 23:10

سيرة الرواية المحرمة للكاتب الصحفي محمد شعير

 

مصطفى طاهر

عندما قال ابن الجمالية "نجيب محفوظ"، أن الحقيقة بحث وليست وصولًا، لم يكن يدري أن ذلك التوصيف، سيكون أصدق ما يمكن أن يقال على التجارب المتوهجة، التي نجحت في أن تبحر في عالم العربي الوحيد الذي توج بجائزة نوبل للآداب، حتى لحظة كتابة هذه السطور.


ورغم كل محطات الإثارة في حياة نجيب محفوظ، وفي مشروعه الأدبي العظيم، والتي كانت عنصر جذب للكثير من الكُتاب والنقاد، في محاولة تفسيرها والدخول إلى دهاليزها، سواء من خلال كتب صنعت خصيصا لهذا الغرض – فربما لا يوجد كاتب عربي صدرت كتب بهذا العدد في تحليل مشروعة مثل محفوظ-، أو من خلال المقالات والدراسات النقدية، إلا أن ناتج كل هذا الزخم، لم يستطع الوقوف على أبواب حقيقة المشروع العظيم والكاتب الاستثنائي، إلا في حالات نادرة، ومن أبرز تلك الحالات، يأتي كتاب "أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة" للكاتب الصحفي "محمد شعير"، الذي صعد اليوم، إلى القائمة الطويلة، لجائزة الشيخ زايد في فرع الفنون والدراسات النقدية، والذي نجح في خلال شهور بعد صدوره، في أن يسجل نفسه واسم كاتبه، بأحرف من نور، في سجل الكبار، الذين نجحوا في الدخول إلى الحضرة المحفوظية باقتدار، مثل "رجاء النقاش"، و"محمد سلماوي" ومعهم شعير، متسلحين بمعنى محفوظ الكبير بأن الحقيقة بحث وليست وصولًا، فكان النجاح حليفهم في مهتمهم الصعبة.

وإذا كان الراحل الكبير "رجاء النقاش" رحمه الله، قد تسلح في تجربته مع محفوظ، بانفراد استثنائي، بعد أن جمعته مع أديب نوبل، عشرات الساعات المسجلة، التي نسج منها الناقد الكبير، أروع سيرة ذاتية لحياة ابن الجمالية، إلا أن "محمد شعير" كانت تجربته أكثر مشقة وصعوبة بكل تأكيد، وربما يكون حجر الزاوية لنجاح تجربته في "سيرة الرواية المحرمة"، وهي الجزء الأول من ثلاثية عن سيرة حياة الأديب الكبير "نجيب محفوظ" صاحب نوبل، يعمل عليها شعير، هو لجؤوه إلى بناء هندسي سليم، للكتاب الأول، وللثلاثية ككل، فشعير الباحث، لم يكن يشغل باله بكيفية الدخول لعالم محفوظ، بقدر ما كان هناك سؤال آخر يبدو واضحا أنه كان يسيطر عليه، "ما الذي نريده من عالم محفوظ تحديدا"، فجاءت البداية بسيرة الرواية المحرمة.

أول عناصر الجذب في "أولاد حارتنا" كبداية لمشروع شعير "المحفوظي" كما يرى صاحب الكتاب، هي أنها تشكل فى مجموعها سيرة كاملة لمصر وللحداثة المصرية، كما أنها الرواية المركزية في عالم نجيب محفوظ، وحياته بعدها لم تعد مثل حياته قبلها، سواء بسبب الضجة التي صاحبت صدورها، ومنعها وارتفاع الأصوات التي طالبت بتكفير محفوظ، أو لأنها الخطوة الأولى فى التجريب داخل الرواية المصرية.

ويلتقط شعير في كتابه عبر رحلة بحث في مئات الوثائق والدوريات، وبلغة تمزج بين السرد وتقنيات السينما التسجيلية، دراما اللحظة المتوترة التي أثارتها الرواية، ليتجاوز كونها أزمة في حياة صاحبها، بل وسيلة لقراءة آليات وتفكير المجتمع، كاشفة لطبقات أعمق منه، وملتمسة بعضًا من جذور المواجهة بين حرية الفكر واستبداد الرجعية، قراءة لا تنشغل بالإجابة أكثر من طرح الأسئلة، ومن ثم تبدو مرآة لواقعنا الراهن، والكتاب يمثل رواية للرواية، ورحلة للبحث عن التفاصيل المنسية حول البشر والزمن والتحولات ودوائر الصراع المكتوم داخل حارتنا المأزومة.

ومنذ الصفحة الأولى للكتاب، والإهداء الموجه إلى طه حسين، ونصر أبو زيد، يستطيع أن يعرف القارئ إلى أين ينظر محمد شعير، فما أحوجنا في عالم نعيشه بعد ثلاثة عقود على حصد محفوظ لنوبل، وما يزيد عن عقد على رحيله، إلى المشروع الحداثي المصري الكبير، الذي كانت "أولاد حارتنا" نقطة توهج على طريقه، وكان انطلاقاته الأولى مع "طه حسين" ورفاقه، وتجليات البداية قبل قرن من الزمان، وسط الصحوة المصرية المصاحبة لثورة 1919م، وكان "نصر أبو زيد" أحد محطات الكفاح، التي أعقبت "أولاد حارتنا، وما بين ما قبل وما بعد، فتح "شعير"، سيرة الرواية المحرمة.

على طريقة كمال عبدالجواد في الثلاثية، تلك الشخصية الثرية التي أبدعها محفوظ، عاش "شعير" في حدوتة التحدى المحفوظي الأكثر عنفا، كسائح في متحف لا يملك فيه شيئا، لكنه في الواقع يعرف دروبه ودهاليزه، مؤرخ لا يدري أين يقف، أو لا يريد أن يقف، فالاسترسال الحر، بعد وضع "شعير" لخطته في شكل قالب هندسي يحدد سعيه، كان عنصر التوهج للتجربة، فالعمل المنظم البعيد عن الارتجال، الذي كان الركيزة الأساسية لتوهج تجربة "نجيب محفوظ"، هو نفسه كان العنصر الأساسي في نجاح شعير في "سيرة الرواية المحرمة".

جدية محمد شعير صاحب الـ 44 عاما، الذي درس الأدب الإنجليزي، التي ظهرت مع تجاربه السابقة في "كتابات نوبة الحراسة: رسائل عبدالحكيم قاسم، مذكرات الآنسة أم كلثوم، إدوارد سعيد: المفكر الكوني، وفي كتاباته الصحفية بشكل عام، والتي قادته لحصد العديد من الجوائزـ ومها جائزة دبي للصحافة، وجائزة نقابة الصحفيين لعدة دورات، وتقوده اليوم لقائمة جائزة الشيخ زايد، تواصلت في تجربته المحفوظية، التي كانت تحتاج لمزيد من اليقظة، حتى لا يفقد البوصلة وإشارة الاتصال بينه وبين قارئ ما زالت عوالم محفوظ بالنسبة له تشبه بحر الظلمات، فأديب نوبل كما أنه رمز الإبداع الأدبي العربي الأبرز، إلا أن مفاتيحه لا يعطيها إلا للمحبين المخلصين.

يستعرض الكتاب الأجواء التي صاحبت خروج "أولاد حارتنا" إلى النور، بعد أن مضت فترة الصمت الروائي على محفوظ، فبعد التوقف عن كتابة الرواية، شعر ابن الجمالية أخيرا بالإنجذاب للأدب مرة أخرى، في تلك الفترة من نهايات الخمسينات، وهو الوقت الذي كان يميل فيه ناحية الدين والتصوف والفلسفة. فجاءت فكرة رواية «أولاد حارتنا» لتحيي في داخله الأديب الذي ظن أنه مات، وقد استوحى محفوظ عنوان روايته من إحدى أغنيات الطفولة "يا ولاد حارتنا.. توت توت"، وهي أغنية أشار إليها في روايته "خان الخليلي".

وعبر 17 فصلًا من الكتاب، ما بين 21 سبتمبر 1959م، وحتى 30 أغسطس 2006م، حسبما جاءت عناوين الفصول، ومنها "لا حياء في الأدب، عبدالناصر يسأل، رسالة غاضبة، كيف يقرأ المشايخ الأدب؟، زنزانة الأسلوب الرمزي، تربية المواطن، لست فيلسوفًا، البحث عن المخطوط، الأصل البعيد، في مواجهة سيد قطب، النشر بالإكراه، الأرض الخراب، الوصايا المنبوذة"، ينشغل "شعير" بهم أكبر ظهرت أهميته في قضية منع أولاد حارتنا وتكفير مؤلفها، وهو كيفية تعامل المجتمع المصري ككل، باختلاف الطوائف مع الأدب، ولا ينسى رغم أهمية ذلك الهدف، بالحفاظ على عنصر التشويق والإثارة، من خلال دراسة صحفية استثنائية، وتحقيق استقصائي ساخن، من عالم أكبر الأزمات التي تعرض لها أديب نوبل، ومن خلال الأزمة وطريقة محفوظ في التعامل معها، وطريقة المجتمع والسياسيين والمفكرين في التعامل معها، يخرج بنا "شعير" إلى مصر، التي سنعرف من خلال تلك الأزمة، كيف كنا نفكر في ذلك الزمان، ومن وسط سخونة الأحداث، يخرج "شعير" رويدا رويدا إلى عالم أوسع، ويعبر في أزمنة نجيب محفوظ، متنقلا بخفة، ما بين الدخول لكواليس علاقاته مع الجماعات الإسلامية، وحالة الاحتقان والترصد التي كان ينسجها المتطرفين حول أديب نوبل قبل محاولة اغتياله، كما يفتح في فصل كامل، كواليس رحلة حصول أول كاتب عربي على جائزة نوبل للأداب، ويكشف الاسماء المرشحة التي كانت تتنافس مع محفوظ، وإذا كانت تلك الفصول الأخيرة في الكتاب، تفتح الطريق أمام شعير لاستكمال ثلاثيته المنتظرة عن محفوظ، والتي من المنتظر أن يكون الجزء الثاني منها تحت عنوان "المخطوطات المفقودة"، وهو قراءة فى مخطوطات نجيب محفوظ الأولى، والتي يسعى شعير من خلالها لاستعراض الكيفية التي كان أديب نوبل يعمل بها على الرواية، حتى تصل إلى شكلها النهائى، إلا أن تلك الفصول الأخيرة أيضا، رغم خروجها عن نطاق تاريخ الأزمة المحورية للكتاب، ورواية "أولاد حارتنا، إلا أنها كانت أكثر التصاقا بالسياق العام لتجربة "شعير" مع سيرة الرواية المحرمة، وهو الكتاب الذي عندما ننظر إلى غلافه المميز ببصمة الفنان الكبير أحمد اللباد والإطلالة المحفوظية، يتأكد القارئ العام أنه أمام كتاب يتطرق لحياة أديب نوبل، إلا أن كل صفحة نقطعها داخل الكتاب بعد ذلك، يتسع الإطار، خروجا من "محفوظ" الذي بوجوده وبإنتاجه الأدبي الكبير، ترسخ معنى الهوية المصرية في عوالم القرن العشرين، بروائح الجمالية وبين القصرين وقصر الشوق والسكرية، إلى فضاء أوسع عن مصر وحكاية مجتمع بطبقاته المختلفة، وطريقة اشتباكه مع معاني الإبداع والحرية والفكر والحداثة من خلال أشد التجارب إثارة، وأكثرها تقاطعا مع كل تلك المعاني، وهي تجربة محفوظ مع "الرواية المحرمة"، التي كان كتاب "شعير" قنطرة حقيقية نقلتها عبر عدة عقود إلى أجيال جديدة بشكل جذاب، وهي الأجيال التي تحتاج للدرس في حدوتتها بشدة، وتحتاج لأن تعرف كما عرف صاحب الكتاب، بأن الحقيقة بحث وليست وصولًا.


نجيب محفوظ


نجيب محفوظ

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة