حسد الفيسبوك!

7-11-2018 | 23:42

 

وصف أرسطو الإنسان بأنه "حيوان اجتماعى بطبعه"، واعتبره تلامذته بعد ذلك أنه حيوان ناطق "مفكر"؛ لأنه لا يستطيع العيش وحيدًا، فهو فى حاجة دائمة للأمن الذى يوفره الاحتماء بأفراد المجتمع تحت مظلة أساسية هى الدولة.


لكن مع تعقد العلاقات بين الأفراد، ومع بلوغنا اليوم زمن "الثورة الرابعة"، وهى ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال، وما صاحبها من إدمان مفرط لوسائل التواصل الاجتماعى عابر للقارات، يحق لنا وصف إنسان اليوم بأنه "حيوان اتصالى أو فيسبوكى" بالدرجة الأولى، والسبب مستر مارك زوكربيرج مخترع الفيسبوك.

لا جدال أن طبيعتنا البشرية تحتم علينا التواصل فيما بيننا، لكن ما يؤسف له، على خلاف رأي الكثيرين ـ فإن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في انهيار القدرة على التواصل المباشر بين الأشخاص، حيث توارى الناس خلف شاشات مستطيلة وتحاوروا في كل شيء غالبا كـ"شخصيات رقمية افتراضية" بالدرجة التى توارت معها معرفتنا بأصدقائنا الحقيقيين.

وهكذا، بدلًا من أن تكون وسائل التواصل الاجتماعى وسيلة لجمع الناس وتواصلهم، أصبحت وسيلة لا اجتماعية تنطوى على مشاكل عديدة، خاصة فيما يتعلق بالصحة العقلية للإنسان دون أن ندرك ذلك، وأثبتت الدراسات، وفق التقرير الطويل الذى نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، أن استخدام هذه المواقع بشكل متكرر قد يؤدى إلى الشعور بعدم الارتياح والعزلة على المدى الطويل، بل والحسد!! كيف ذلك؟

يقولون فى الأمثال "العين تفلق الحجر"، و"دارى على شمعتك تولع"، لكن ما يفعله كثير من الناس على صفحات التواصل الاجتماعى يناقض ذلك تمامًا، فبالأمس وفى ظل التواصل الاجتماعى، كانت دائرة "العين" محدودة، لكنها اليوم، ومع وسائل التواصل اللا اجتماعى أصبحت "عابرة للقارات"!!.

هل تتخيل أن دراسة أجرتها جامعة كوبنهاجن الدنماركية، كشفت أن العديد من الأشخاص يعانون من ظاهرة "حسد الفيسبوك"، مقارنة بالأفراد الذين امتنعوا عن استخدام هذا الموقع، والذين أكدوا أنهم يشعرون بالرضا بشأن حياتهم.

نظرة واحدة متصفحة لكثير من الصفحات الشخصية، كافية لتأكيد نتائج هذه الدراسة، وإلا قل لى بربك، ماهو المبرر المنطقى لأن ينشر كثير من الناس تفاصيل حياتهم العائلية بالصوت والصورة، بما فيها من صور صالات الأفراح الفارهة، والتى تخطت حد قاعات الفنادق إلى حد إقامتها فى "ساحات المعابد"، كما رأينا صور العرايا بملابس النوم فى "أفراح علية القوم"! وغير ذلك من مظاهر البذخ والرفاهية المفرطة، والتى لاتراعي مشاعر غالبية متصفحى الفيسبوك، وربما كان بعضهم قد فاته قطار الزواج أو مازال عاطلا يبحث عن فرصة عمل.

وهكذا، فإن وسائل التواصل الاجتماعى تؤثر بشكل سلبى على تقدير الإنسان لذاته، فعندما نقارن أنفسنا بالآخرين بناء على ما يقومون بنشره من صور مثالية على موقع إنستجرام، أو متابعة حالاتهم العاطفية على حساباتهم الشخصية على موقع فيسبوك، يؤدي ذلك إلى تشويه واهتزاز الصورة التى نملكها حول أنفسنا.

فى هذا الصدد، كشفت دراسة نُشرت فى المجلة الأمريكية لعلم الأوبئة، أجريت على 5 آلاف و208 أشخاص، أن الاستخدام المنتظم لموقع فيسبوك، كان له تأثير سلبى على رفاهية الفرد!

فهل يدرك أى إنسان أن قيمة الوقت الذى يهدره فى تصفح الملفات الشخصية لأشخاص آخرين على الإنترنت، من شأنه أن يساعده على تغيير نمط حياته واستثمار وقته فى التركيز بشكل أكبر على تعزيز ثقته بنفسه.

وفى تعليق منطقى على هذا الموضوع، قال الدكتور تيم بونو، مؤلف كتاب "حين يكون عدد الإعجابات غير كاف"، إنه "فى حال ركزنا فقط على التقاط أفضل الصور لنحظى بإعجاب متابعينا فى منصات التواصل الاجتماعي، فلن تتاح لنا الفرصة للاستمتاع بالجوانب الأخرى من تلك التجربة".

ما يعنى أن قضاء الكثير من الوقت فى استخدام هواتفنا سيشتت انتباهنا عن الجوانب الأخرى من الحياة نفسها، مما يسهم فى تقويض السعادة التى يمكن أن نعيشها فى تلك اللحظة.

هى ليست دعوة للإقلاع عن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، لكن النصيحة أنه فى حال أصبحت تشعر بأنها تؤثر على حياتك سلبًا، يكفى أن تخصص بعض الوقت للقيام بأنشطة أخرى مفيدة، ولن تجد أوفى من الكتاب صديقًا، أو احرص على التواجد المتواصل بالقرب من أصدقائك الحقيقيين.

بمعنى أوضح، أعد ترشيد استخدامك للفيسبوك، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، وتأكد أن هذا التغيير سيثبت قدرتك على التحكم فى مجريات حياتك، ويعيد إليك بعضًا من الهدوء النفسى المفقود بسبب الفيسبوك.

مقالات اخري للكاتب

الروشتة الإلكترونية .. حياة أو موت!

​في فيلم "حياة أو موت" للمخرج كمال الشيخ، كان هذا التحذير هو الأشهر في السينما المصرية: "من حكمدار العاصمة إلى أحمد إبراهيم القاطن في دير النحاس.. لا تشرب الدواء الذي أرسلت ابنتك في طلبه.. الدواء فيه سم قاتل".

القهوة السادة.. مسجل خطر

هي المشروب الأكثر شعبية في العالم؛ حيث يتناول منها سكان العالم 1.4 مليار كوب يوميًا.

اختراعات مرتقبة في 2025

في تقرير مهم لمؤسسة "تومسون رويترز" للملكية الفكرية والعلوم، والتي وقعت مؤخرًا اتفاقية في مجال الملكية الفكرية والبحث العلمي مع المجلس التخصصي الرئاسي للتعليم والبحث العلمي في مصر، فإنه بحلول عام 2025 ستكون هناك اختراعات واكتشافات وفتوحات علمية بين أيدينا، برغم أنها مجرد خيال حتى الآن...

أول مذيع "افتراضي"!

هل تتوقع يومًا أن ترى مذيعك المفضل، سواء الذي تتابعه حاليًا، أو ربما عايشته وعشقت طلته على الشاشة في فترة الطفولة أو الشباب، وقد أطل عليك من جديد، بنفس وجهه وحركاته وطريقة كلامه، وكأنه حي يرزق، لكنه في الحقيقة مذيع افتراضي أو آلي!!!

براءة اختراع طفل!!

فى عام 1990 بدأ العلماء أكبر مشروع علمى دولى، بمشاركة وزارة الطاقة الأمريكية ومعاهد صحية أخرى، وامتد ليشمل مراكز بحثية كثيرة، أغلبها أوروبية، هذا المشروع