ماذا يقرأ العالم؟ هاروكي موراكامي راكضا وثرثارا في"مقتل القائد"

20-10-2018 | 15:57

رواية مقتل القائد - الطبعة اليابانية

 

أميرة دكروري

عندما يعكف الياباني هاروكي موراكامي ، علي كتابة رواية ما يتبع نظاما حياتيا صارما، فيستقظ فجرًا ويبدأ الكتابة مع الصباح، ثم يقطع مسافة عشرة كيلومترات جريا في فترة ما بعد الظهيرة، وفي النهاية تصبح كل من الكتابة والجري عملياتين متلازمتين غير قابلتين للتجزئة، وكأنها نوع من أنواع التنويم المغناطيسي، التي تدفع بالمؤلف لأن يكون عامل نصف فاعل في عملية السرد المتنامية، أو يكون مسافرا يقظا خلال مناطق موجودة من قبل.

كميزة إضافية يساعد هذا النظام علي صمود العمل أمام النقد بمعنى أن أي إسقاطات – أو أي أخطاء أو تحولات غير متوقعة - هي ببساطة جزء من النمط الطبيعي للكتاب، لا يعرف موراكامي وجهته على وجه التحديد، لكنه يؤمن أن ذلك هو ما ينبغي عليه فعله.


هاروكي موراكامى

إن البناء الذي ظهرت عليه رواية موراكامي الأخيرة " مقتل القائد "، هو الشكل المناسب بما فيه الكفاية، ليرسم مسار رجل في حالة الركض تلك، فيركض ويدور ليعود لمنزله في النهاية مع إسقاط واسترجاع الخيوط السردية على الطريق "فنقطة النهاية مكشوف عنها في الصفحات الافتتاحية الأولي لل رواية ".

الراوي الذي لم يكشف عن اسمه هو رسام بورتريه يبلغ من العمر 36 عاما انفصل عن زوجته للتو واتجه مسافرا من طوكيو إلي جبال كاناجاوا بوسط اليابان، حيث يمكث في بيت كان يملكه فنان معروف، وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن قراء موراكامي، اعتادوا خلال أعماله كلها، على وجود من أطلقت عليه "رجل موراكامي"، ذلك المعزول اجتماعيا الذي تميل اهتماماته في دائرة من الكتب والموسيقي والطبخ والقطط، وغالبا ما يؤدي عدم اهتدائه لمرساه في العالم اليومي لحدوث نوع من الانزلاق إلي عالم خفي من الأرواح والأشباح.


غلاف الطبعة الإنجليزية

في "Killing Commendatore" " مقتل القائد "، هذا الرجل رسام البورتريه ذاته الذي يكسب عيشه من العمولات، لكنه ليس علي صلة عميقة بالعمل الذي يقوم به، على النقيض من ذلك، كان توموهيكو أمادا، الرسام الذي يستأجر منزله، فنانًا كبيرًا، تحول من "اللوحات الزيتية الحديثة المتطورة" على النمط الغربي إلى العمل على الطريقة اليابانية بعد التورط في اغتيال سياسي فاشل كطالب في ثلاثينيات القرن العشرين بفيينا وهو الآن في دار للرعاية يعاني من الخرف.

بعد فترة من إنتاج ذلك الراوي للاشيء والاستماع إلى مجموعة أمادا الكلاسيكية والشروع في علاقة مع امرأة متزوجة، وجد إحدى لوحات "أمادا" التي اتضح أنها لمشهد في "دون جيوفاني"، لموتسارت ممزوجة مع شخصيات ترتدي الملابس اليابانية للقرن السابع، بالأوبرا يقتل دون جيوفاني "قائد الفرسان" وهو والد امرأة حاول إغواءها بعد أن حاول الرجل المسن منع هروبه من منزل العائلة، هذا التصوير لعملية القتل يقول عنه الراوي "إنه يحتوي علي شئ يهز من يراه من أعماقه، إن هذه اللوحة بها شئ مميز".

نجد بال رواية بعض الألغاز الواعدة، فالحافز لصحوة الراوي الفنية هو رجل أعمال منعزل يختبئ في الجبال بالقرب من فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا يعتقد أنها ابنته، يأتي صوت رنين مستمر من تحت ركام من الحجارة في الغابة خلف المنزل، ويعتقد الراوي أنه قد يكون متصلًا بممارسة بوذية قديمة كان فيها الرهبان المتأملون يدفنون أحياء، قام الراوي بمساعدة جاره بإزالة الحجارة وحفر حفرة أصبحت مساحة ضيقة بين العالمين وتصبح لوحة أمادا وأوبرا موتسارت جزءًا من شبكة متشابكة من المراجع والرموز.

بينما تبدأ الأسرار التاريخية والمراوغات تتراكم فوق بعضها البعض، يتولد عند القارئ شعور أن الكاتب يلقي بالكثير من الأفكارعلي حائط على أمل أن تلتصق واحدة من تلك الأفكار بالحائط، كما أن الحبكة مليئة بالصخب الميلودرامي، ولكن تدور في حلقات دون أن تحتك كثيرا، جزئيا يعتبر هذا نتيجة انفصال موراكامي المألوف في مواجهة قدراته الخارقة، إن الراوي أو "رجل موراكامي" لا يواجه أي تحديات لإثبات سلامته العقلية أو شعور زاحف بالرهبة، فبدلا من ذلك هو يتفاعل ويواجه قلقا معتدلا وفضولا مقتحما لرأسه، فعندما يخرج القائد من لوحة أمادا ويبدأ في الحديث مع الراوي، فإن الأخير يتجمد خوفا في البداية لكنه سرعان ما يتبادل الحديث فرحا قبل أن يتغلب عليه التعب ويقول "يبدو وأنه حلم".

وتري التايمز أن حالة عدم وضع حدود للخيال بال رواية ، ربما تكون هي الأجواء الأكثر تناغما بروايات موراكامي، وتقول إنه كالعادة موراكامي رائع في طيّ الرتابة إلى جانب الطبيعة الخارقة للطبيعة والعثورعلى السحر المتداخل في تفاصيل الحياة اليومية ومع ذلك فإنه يسمح لعناصره المختلفة أن تنطلق في نطاق واسع للنقطة التي تبدو فيها كل هذه العناصر متصلة.

ومن المفارقات هنا عدم اكتمال هذه ال رواية الخادعة والمربكة والغاضبة هو ما يثير الشعور بأن الجميع غير مكتمل، العمل مستمر، وأن أي حلول قاطعة فهي أكاذيب.

فالشخصية الأساسية بال رواية تُدفع لإيجاد الطريق السليم للأمام فهو يحاول كتابة مغامرة جديدة ستعطي حياته المعنوية معنى وستصرف تفكيره عن طلاقه، ثم تتبدل المسارات لتصبح دراسة لصداقة الذكور ثم قصة منزل مسكون ثم قصة الأب وابنته الغامضة، كل مسار صالح بل ويمكن أن يأخذك بعيدا فيقول البطل في ال رواية : "في هذا العالم الحقيقي لنا، لا شيء يبقى على حاله إلى الأبد".

وبحسب المحرر هاري كنزروا بالتايمز، إن "Killing Commendatore"، الراوية يشوبها بعض الترهل، فالقصة التي كان من الممكن أن تحكى في 300 أو 400 صفحة، تقترب من 700 صفحة تقريبًا، فمثلا بال رواية لا يمكن لأي شخصية الذهاب لمقابلة صديق في مطعم بدون وصف للطريق وأحوال حركة المرور، وقد ظهر تأثير إسهاب موراكامي علي ترجمة تيد جوسين وفيليب جابريل لل رواية ، كتقييد فبدا ككاتب نثري عبر وسيط غير مريح.

يشارك موراكامي، مثل عادته، عددًا من الاهتمامات مع الراوي الذي لم يكشف عن اسمه مثل أفلام أكيرا كوروساوا، ألبومات بروس سبرينجستين ويبدو أنه يشاركه بعضا من شكوكه أيضا.

على هذا النحو، يبدو أن رواية مقتل القائد ، روايته الرابعة عشرة، تشبه الظهور الأول. إنها رحلة اكتشاف، ثرثارة واستطرادية، وبصعوبة تصنع نفسها وتمضي قدما، تتطور بشكل أعمق وأكثر غموضًا.

ويعتقد إكسان بروكس محرر الجارديان، أن تلك هي المرة الأولي لمؤلف حقيقي أن يبدأ بالذعر في هذه المرحلة، فيحاول يائسا فرض بعض الأوامر على الأحداث، ويقول:"لكن موراكامي سعيد بوجوده في حالة تدفق وتغير مستمر، غير مرتبك بالكامل من خلال المسار الدائري الذي سلكه. لا تزال وتيرته سهلة ومتوقدة. نحن نثق بموراكامي أنه سيشعرنا بالفقد بطريقة ممتعة، تمامًا كما نثق في أنه سوف يعيدنا إلى المنزل في نهاية المطاف".

مادة إعلانية

[x]