"كوابيس أردوغان العثمانية".. صفحات من التاريخ الأسود للأتراك في الدول العربية

13-10-2018 | 17:42

أردوغان وسط حرس الشرف مرتدين الزي العثماني القديم‎

 

محمود سعد دياب

تحركات تركيا في الآونة الأخيرة، بمحافظة إدلب السورية، تؤكد أن أنقرة قد حادت عن اتفاق سوتشي ، الذي عقد الشهر الماضي، بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، وقررت السير في مسار مختلف يقتضي بتحويل إدلب إلى دولة مستقلة عن الجسد السوري، تحوي جميع عناصر المليشيات المسلحة وأفراد التنظيمات الإرهابية المختلفة، بحيث تكون تلك الدولة الوليدة هي كلمة النهاية في الأزمة السورية المشتعلة منذ قرابة 8 سنوات، فيما يعود أردوغان لاحتلال تلك الدولة وضمها لأراضي بلاده على غرار لواء الإسكندرونة السوري الذي احتله سلفه كمال أتاتورك عقب الحرب العالمية الثانية.


حلم الدولة العثمانية

مخطط أردوغان جزء من حلمه الكبير، وهو استعادة الدولة العثمانية، بالسيطرة على الشمال السوري بداية، ثم شمال العراق بنفس الحجة -مطاردة حزب العمال الكردستاني- ومن ثم التوجه إلى باقي ممتلكات الإمبراطورية العثمانية القديمة، ولعل أول نقطة فيها مدينتي صبراتة ومصراتة غرب طرابلس في ليبيا، والتي تسيطر عليها مليشيات إخوانية مدعومة من تركيا فضلا عن اعتماده على القومية التركية الموجودة في المنطقة منذ مئات السنين، بالإضافة إلى القاعدة التركية في قطر والسيطرة على بعض نقاط في البحر الأحمر مثل جزيرة سواكن التي تبخرت الأحلام التركية فيها بفضل التوافق المصري السوداني، وباب المندب وغيرها.

في هذا التقرير، ومن خلال أدلة وبراهين وشهادات كتاب معاصرين لتلك الفترة، نرصد صفحات من التاريخ الدموي للدولة العثمانية منذ احتلالها دول الوطن العربي وكيف حولته إلى واحة من التخلف والشعوذة بعدما كانت تعج بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة بمجالس العلماء، الذين بددوا ظلام الجهل والتخلف، وأوصلوا الحضارة العربية الإسلامية إلى ذروة مجدها في القرن الحادي عشر الميلادي، فقادت العالم إلى التنوير.

قبائل الأتراك الهمجية

بسبب قبائل الأتراك الهمجية، التي سيطرت على قلب العالم الإسلامي، تغير كل شيء فجأة، وساد الجهل والتخلف، وأغلقت مجالس العلم، وفتحت أبواب السحر والشعوذة والدجل، ليدخل المسلمون سراديب الظلام على مدار 1000 عام كاملة، كانت بمثابة الكابوس الذي حبس أنفاس الشعوب العربية، والآن أردوغان يكرر نفس الأمر بنفس الطريقة، ويصدر ما فعله أجداده، بتصدير التخلف والإحباط إلى الدول العربية عن طريق دعمه اللامحدود للإرهاب والتطرف تحت ستار الإسلام وعمامة الخليفة.

الأويغور بداية انتشار السرطان التركي

بدأت عمليات الهدم للحضارة الإسلامية منذ القرن الثالث الهجري، على يد المرتزقة من الأتراك الأويغور الذين تم جلبهم كعبيد من وسط آسيا، وأحفادهم قومية الأويغور، موجودين حاليًا في منطقة موزعة بين شمال غرب الصين وكازاخستان وروسيا ومنغوليا، وقد استعان بهم الخلفاء العباسيين، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى نخبة عسكرية في عهد المعتصم، وزاد نفوذهم في عصر الخليفة المتوكل الذي نصبوه خليفة ليدخل في عداء مع المعتزلة، ونبذ المذاهب الفقهية، واحتفى بمتشددي الحنابلة، وهم من دعوا لإماتة العقل وإحياء النقل وعبادة النص.

وقد تحكم الأتراك ، في مقاليد السلطة بالكامل، فقتلوا المتوكل، ووضعوا بدلا منه ابنه المنتصر على العرش، وعاثوا في البلاد خراباً ودماراً، فعمت الفوضى، ولم يسلم أحد من بطشهم، فضاق بهم عامة الشعوب التي خرجت في ثورات ضدهم كان مصيرها جميعا القمع والوحشية.

كراهية التفكير والتمسك بالشعوذة

الكاتب المستشرق ستانلي بول ، يقول في كتابه "تاريخ مصر في العصور الوسطى"، إن العرب اتصلوا بالقبائل التركية -الاويغور حاليًا- خلال الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى في القرن الثاني الهجري، فاعتنقت بعض القبائل الإسلام، وأرسل الكثيرون منهم كعبيد للخليفة العباسي المأمون، ومع مرور الوقت أصبحوا عماد الجيش العباسي، حيث يذكر الكتاب: "درج الخلفاء والأمراء على جلب العبيد الأتراك، وتربيتهم وتدريبهم كحرس وجنود، لذا ترسخت فيهم طبيعة كراهية التفكير الحر، وهي عادة تركية قديمة تعود إلى أزمنة سحيقة، منذ كانوا يعيشون في وسط آسيا ويعتنقون العقائد الشامانية (عبادة الأرواح والإيمان بالسحر والشعوذة)".

بداية ظهور الإقطاع

وهكذا حل الأتراك محل العرب في الجيش الإسلامي، وتضاعفت هجرات قبائلهم إلى آسيا الصغرى والعراق والشام، للالتحاق بالخدمة العسكرية، ما استلزم تغييرات في بنية اقتصاد الدولة للإنفاق على هذا العدد الكبير من العبيد الأتراك، فظهر نظام الإقطاع العسكري الذي تسبب في خراب الأراضي الزراعية، وسوء أحوال الفلاحين، حيث فرضوا نمط حياتهم البدوي على الجميع، وهجروا العلم، وفرضوا الضرائب الباهظة على الرعية، وأصدروا قوانين الإقطاع التي جعلت لكل جندي منهم قرية بكل من فيها من الفلاحين يفعل بها ما يشاء، فدب الخراب سريعا في الريف.

كتاب "نظرات في الإقطاع"، للكاتبة المستشرقة آن لامبتون ، ذكرت فيه أن دخول الأتراك إلى بنية الجيش في العصر العباسي، ترتبت عليه آثار سلبية تمثلت في تحويل جزء كبير من الأراضي من نظام "الخراج"، إلى إقطاعات عسكرية تُمنح لكبار القادة للإنفاق من ريعها على جنودهم وأسرهم، مقابل أداء الخدمة العسكرية، فيما تحول الفلاحون في ظل هذا النظام الجائر إلى مجرد عبيد في أراضيهم التي كانوا يملكونها من قبل، حيث يذكر الكتاب أن الأتراك أجبروهم على أعمال السخرة وأقاموا لهم حفلات التأديب، التي كانوا ينتزعون خلالها ثيابهم وأظافرهم وأعضاء من جسدهم على الملأ، فهرب الكثير من الفلاحين من الظلم إلى الصحراء والمرتفعات الجبلية.

في حين يذكر سليمان خرابشة في كتابه " الإقطاع السلجوقي في بلاد الشام "، أن الفلاح وحده لم يكن المتضرر الوحيد من نظام الإقطاع، ولكن الأرض أيضا تحولت إلى البوار، وفقدت خصوبتها، بسبب عدم وجود من يرعاها ويهتم بها، ويضيف أن كبار الإقطاعيين استقلوا بأملاكهم، وأسسوا إمارات مستقلة عن الحكم العباسي في بغداد، فصارت المعارك بين الأمراء الأتراك طقسا يوميا، خلف قرى مهجورة وقتلى بالآلاف.

بداية العثمانيين

يقول عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه "فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني"، إن أحوال الفلاحين لم تتحسن عندما ورثت الدولة العثمانية السلاجقة، -أسسها عثمان الأول نجل أرطغرل الذي حولته الدراما التركية حاليًا إلى بطل قومي مدافع عن الإسلام- ويضيف أن العثمانيون تفننوا في ابتكار نظم إدارية لتحصيل الضريبة باستخدام العقاب البدني بكل أشكاله، حتى اضطر الفلاحون إلى مغادرة قراهم، ما جعل قطاع الزراعة يعاني مدار عدة قرون حتى حصل العرب على حريتهم في القرن الـ20.

ردة حضارية

ويضيف الكاتب، أن القبائل التركية في العهد العثماني، هيمنت على كامل الدولة وتحكمت في تعيين الخلفاء، ما أدى إلى تفتت سيادة الدولة العباسية ، وتنحي العنصر العربي في الجيش وحل محلهم المرتزقة الذين يدينون بالولاء لمن يدفع أكثر، مشيرًا إلى حدوث ردة حضارية إلى القرون الأولى للحضارة الإسلامية، بالقضاء على مبدأ الشورى، والتشديد على طاعة السلطان العثماني، واستخدموا رجال الدين، والفقهاء في تبرير الهيمنة التركية تحت عنوان "صحة حكم المتغلب بالقوة"، و"من يملك القوة يدان له بالولاء".

الدكتور محمد عمارة في كتابه "تيارات الفكر الإسلامي"، يقول إن مبايعة الخليفة لمن يعد لها أهمية في العصر العثماني، حيث أصبح الحكم للأقوى، وسادت مقولة: "من قويت شوكته وجبت طاعته"، واستغل العثمانيون رجال الدين لفرض سلطتهم على العامة، ورسم صورة مقدسة للسلاطين، وكتب عمارة يقول: "وُجد حلف غير مكتوب قام بين نفر من الفقهاء وشيوخ الطرق الصوفية، وبين السلطة والسلاطين، منذ العصر المملوكي وامتد للعصر العثماني، تضمن إنفاق الدولة عليهم مقابل إضفاء الطابع الديني على سلطة الحكام، الأمر الذي انتهى بأن يصبح السلطان العثماني في رأيهم "ظل الله في الأرض، وسيفه المشرع على رقاب العباد"، وحتى وصلنا إلى أن الخروج عن السلطان العثماني كفر وخروج على الدين".
 

تدمير الحركة الفكرية

احتلال العثمانيين لمنطقة الشام ومصر والعراق، عام 1517 دمر الحركة الفكرية فيها ودمر العمران والحياة الإنسانية برمتها، حيث بدأ الاحتلال عهده بالمذابح والنهب، وتهجير أصحاب الفنون والحرف إلى إسطنبول، ولم يهتموا بالصحة أو التعليم، واقتصرت وظائفهم على فرض السيادة، وجباية الأموال وتحصيل الإتاوات.

وعن ذلك يقول الكاتب عبد الله العزباوي في كتاب "الفكر المصري في القرن الثامن عشر بين الجمود والتجديد"، إن "العثمانيين لم يكن لهم رصيد حضاري كبير ليقدموه للحياة العلمية في مصر، فالأتراك وإن نجحوا في تأسيس دولة قوية عسكرياً إلا أنهم أثبتوا عجزهم عن إبداع حضارة خاصة بهم في كل زمن، وحياتهم الفكرية تكاد أن تكون خلواً من الأصالة".
 

دمار اقتصادي

أما على المستوى الاقتصادي، فقد عانت طبقة الفلاحين المنتجة للثروة، من نظام الالتزام الذي أقرته السلطنة العثمانية لتحصيل الضرائب، حيث كانت الدولة تبيع حقوق جني الضرائب، وتقبضها في موعد مقدم ممن يشتري الالتزام، مقابل إطلاق يده في جباية أضعاف الضريبة من الفلاحين بمختلف وسائل العقاب البدني الوحشية، وقد عبر الشاعر الشعبي المصري "أبو شادوف" في أبيات عن الضنك الذي عاشه الفلاح من ظلم على يد الملتزم بقوله:

ومن نزلة الكشاف شابت عوارضي *** وصار لقلبي لوعة ورجيف
ويوم يجي الديوان تبطل مفاصلي *** وأهر على روحي من التخويف

كما يصف عبد الله العزباوي في كتابه "التأثير العثماني في مجال الحركة الفكرية داخل مصر والبلاد العربية"، بالضعيف جدا، ويرى أن "العثمانيين كانوا أبعد ما يكونون عن النهضة، ولم يأتوا إلى المنطقة لنشر العلم والثقافة التي يفتقرون إلى آلياتها، وإنما لفرض سيطرتهم على العالم الإسلامي واستنزاف خيراته، فحتى في إسطنبول والمدن التركية الكبرى لم تزدهر حركة فكرية تعتني بالتأليف والترجمة، واقتصرت على الحواشي والتعليقات والشروح".

تخلف علمي والحصول على الدرجة بالمحسوبية

وأوضحت دراسة بعنوان "العلماء في الدولة العثمانية - منتصف القرن السابع عشر"، والتي أعدها الكاتب رضوان السيد، في كتاب وقائع الفضلاء ل محمد شيخي أفندي ، أنه رغم ازدهار طبقة العلماء وانتشارهم في المدارس والأوقاف والمناصب، إلا أن ذلك الازدهار كان شكليًا، لم تتم ترجمته إلى نهضة علمية وتعليمية، بل انتشر الفساد والرشاوى لنيل الدرجات العلمية، واشتهرت الألقاب الزائفة، وكان يُطلق على الكثيرين ألقاب "حجة الدين" دون أن يكون لهم مؤلف واحد في الفقه أو التفسير، كما وقفت السلطة العثمانية ورجال الدين، بالمرصاد لدخول المطبعة إلى العالم الإسلامي لمدة 3 قرون، مما ساهم في سيطرة التخلف على المشهد.

حرب ضد الفلسفة

نعود إلى الدكتور محمد عمارة ، حيث يقول في كتابه "تيارات الفكر الإسلامي"، إن العثمانيون أعلنوا حروبهم على الفلسفة، و"شجعت الدولة من مؤسسات وشيوخ وسلاطين على الخرافة، حيث كانت تنفر من الفلسفة، وتعاديها، ولا تُقيم للعقل وزناً"، و"احتلت كتب الغزالي مكانة أعلى من مكانة ابن رشد".

وقال محمد عمارة ، إن "من أدلة محاربة العثمانيين للفلسفة هو احتفاؤهم بكتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي الذي حارب فيه العقل وقوانين المنطق والسببية، فحين صنف الكاتب التركي الشهير حاجي خليفة المتوفى عام 1657 موسوعته بعنوان "كشف الظنون عن أسامي الكتب والعلوم"، خصص 132 سطراً لكتاب الغزالي، ولم يفرد لكتاب "تهافت التهافت" لابن رشد الذي ينتصر للفلسفة والعقل سطراً واحداً، وإنما ذكره في حاشيته على كتاب الغزالي".

والخلاصة، أن العثمانيين أنهوا حربهم على العقل، خلال فترة احتلالهم للعالم العربي، وانتصروا للشعوذة والممارسات المخالفة لصحيح الدين الإسلامي السمح، وظلوا طيلة تلك القرون حاجبين لحركة نهضة الأمم العربية، حتى تم التخلص منها وتحرر العرب في القرن العشرين، ولكن كان لهم جانب آخر من الحرب، هو الجانب الدموي الأكثر فظاعة والذي سوف نأتي في ذكره لاحقًا.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]