المنتصرون والمنهزمون

13-10-2018 | 11:30

 

ربما كانت هزيمة يونيو هي جرس الإنذار أو الصدمة لبناء جيش مصر ي قوي، نجح بعدها بست سنوات في الانتصار، وكانت الهزيمة هي الدرس الذي تعلمته مصر ، ووضعت الجيش نصب عين

يها، وكان له الأولوية حتى صار مصنفًا ضمن أقوى عشرة جيوش في العالم.

وهكذا تصبح الهزيمة منحة وليست محنة؛ إذا نهضت الأمم وتداركت أخطاءها، فالذي لا يقتلنا يقوينا، وهي القاعدة التي صنعت المعجزة اليابانية بعدما استسلمت - بشروط مذلة - هي وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وصارت كل منهما قوة اقتصادية عالمية تحتل صناعتهما معظم الدول؛ حتى تلك التي انتصرت عليهما، ولكن تحقيق ذلك مشروط بالتعلم من خلال توفير المعلومات الحقيقية ومواجهة النفس بشجاعة وشفافية؛ حتى لاتتكرر الهزيمة مرة أخرى؛ لأن التاريخ لا يعيد نفسه بذات السيناريو إلا مع من لا يمتلكون عقلا أو ذاكرة.

وللأسف لاتزال أحداث مصر الكبرى بلا توثيق بدءًا من هبة "عرابي" في بدايات القرن الماضي، و"حريق القاهرة" في الخمسينيات ومرورا بـ"عدوان ١٩٥٦"، الذي قلنا فيه إننا انتصرنا، وجعلنا يوم انسحاب القوات المحتلة عيدًا للنصر؛ فكررت إسرائيل نفس خطة "عدوان ٥٦" في ٦٧، ثم كان فشل تجربة الوحدة مع سوريا، وكوارث "حرب اليمن" وحقيقة ما حدث في ٦٧، وألغاز ما حدث في "٢٥ يناير"، وما تلاها من أحداث لا تزال عصية على الفهم؛ لغياب أي معلومة عما جرى في تلك الأحداث.

وكان يمكن لكل تلك الهزائم أن تصبح خطوة على طريق النصر، إذا تحولت إلى تجربة، وحللنا أسبابها لنعرف فيما أخطأنا في عملية نقد ذاتي، ذلك إننا إذا تعاملنا بجدية مع ما سبق من كوارث؛ لأمكننا تجنب معظمها بدلا من تكرارها بمنتهى الدقة.

ولن ينسى التاريخ ما نشرته مجلة "الباري ماتش" أيام نكسة ٦٧ على صفحتين متقابلتين بعنوان "المنتصرون والمنهزمون" .

 وفِي الحرب العالمية الثانية دمر هتلر بريطانيا بالقصف، ولكن إرادة الإنجليز كانت أقوى من آلة الحرب النازية، ووقفوا وراء تشرشل، وتنازلوا عن معظم أساسيات الحياة وانتصرت إرادتهم، وفشل هتلر؛ لأن الأمة قررت التضحية؛ بعدما عرف كل مواطن ما له وما عليه.

وهكذا الأمم والحضارات لاتنهزم عند خط النار، بل تنهزم أولا في عقر دارها في داخل كل فرد في نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وأهم من كل ذلك في الروح التي تحرك أفرادها، وأقصد الإعلام الذي يصر على هزيمة الأمة دون أي معركة، إما لعدم المهنية، أو لتصفية حسابات صغيرة على حساب الأمة كلها، وقد سقطت الإمبراطورية الروسية عندما كانوا يختارون الأسوأ لكل منصب.

ويتعجب المرء من أن المنتصرين يسكرهم الانتصار حتى يسقطوا عكس المنهزمين، كما حدث لإسرائيل بعد ١٩٧٣؛ تعلمت الدرس ونفضت عن نفسها غرور ٦٧؛ من كونها القوة التي لا تقهر، ونجحت فيما فشل فيه المنتصرون، وبنت اقتصادها وجامعاتها وشركاتها؛ لتصبح عابرة للقارات، خاصة في صناعة التكنولوجيا فيما فشلت تريليونات العرب النفطية التي صنعتها دماء شهداء أكتوبر في تحديث الأمة العربية التي حانت لها فرصة تاريخية لصناعة مستقبلها؛ ولكنها ضاعت مثل آلاف الفرص السابقة، وبعدما طردنا المحتل والاستعمار بشتى الوسائل، رحنا نركب قوارب الموت للوصول إلى حدود تلك البلدان الاستعمارية للعيش فيها، وتسابق البعض لطلب الحماية من المحتل الذي كان؛ لأننا ننسي أن أي وطن لابد له أن يتحاور مع نفسه؛ بل لابد أن يتفاوض مع نفسه، قبل أن يتحاور أو يتفاوض مع العالم.

مقالات اخري للكاتب

أصحاب القداسة وأصحاب التعاسة

لا قدسية لأحد.. والانتقاد من منطلق علمي شرعي لا اعتراض عليه فكل يؤخذ منه ويترك إلا المعصوم "صلى الله عليه وسلم".. ولكن حينما يأتي الانتقاص والانتقاد من جاهل والغرض منه مجرد التشويه فهنا يكون الانتفاض دفاعًا عن الفكرة قبل أن يكون دفاعًا عن الشخص.

عودة الوعي للأمة المصرية

كانت مصر أمام اختيارين أحلاهما مر، ولم يكن أمام مصر أي بديل آخر سوى تجرع أعنف برنامج للإصلاح الاقتصادي، وكان الخيار بينه وبين إعلان الإفلاس، وكان الاختيار

وقائع سبع دقائق في قطارVIP

كان حادث قطار 934 الإسكندرية - الأقصر الـVIP كاشفًا لما في النفوس، وفاضحًا لسرعة إصدار الأحكام، وتنصيب الفيس بوك حكمًا وجلادًا.

حرب الهاشتاجات

​عدة هاشتاجات مغرضة تنتشر بين الحين والآخر، أغلبها يهدف للتحريض على زعزعة الاستقرار، والإضرار بالأمن القومي للبلاد، يتناولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي

أشواك دول الجوار العربي

ظل مصطلح دول الجوار العربي متداولاً في مراكز البحوث وعند النخبة؛ لدرجة الثرثرة ولم نخلص إلى رؤية ناضجة للتفاهم والحوار من أجل التعايش المشترك، ولعل من المناسب بداية أن نحدد المقصود جغرافيًا بدول منطقة الجوار العربي.

المعزول على الطريقة الأمريكية

صحيح أن هناك تعبيرًا أمريكيًا يصف الرئيس في عامه الأخير بأنه كـ"البطة العرجاء"؛ ولكن ما يحدث مؤخرًا تجاوز هذا التعبير، ودخلت مصطلحات الدول النامية بفضل

الأكثر قراءة