الجوهرة السمراء تصفع القبعة البيضاء

25-9-2018 | 00:06

 

أستعيد هذه الورقة السمراء المعبأة بالحكمة والتحدي والثقافة والتجربة والكبرياء من حياة الزعيم الإفريقي الراحل (نيلسون مانديلا)، في مواجهة الرجل الأبيض، الذي لا يزال يمارس الغطرسة بصورة أو بأخرى، والذي يستند إلى تراثه البغيض في امتصاص دماء الشعوب في خدعة ما يسمى وهما بــ (العالم الثالث..).

حين كان الزعيم الإفريقي (نيلسون مانديلا) يدرس الحقوق في الجامعة، كان أحد أساتذته واسمه (بيتر)، وكان أبيض البشرة يكرهه بشدة، وفي أحد الأيام، كان بيتر يتناول طعام الغداء في مقصف الجامعة، فاقترب منه نيلسون مانديلا حاملًا طعامه وجلس بقربه.. فقال له الأستاذ بيتر: «يبدو أنك لا تفهم يا سيد مانديلا أن الخنزير والطير لا يجلسان معًا ليأكلا الطعام»!! نظر إليه مانديلا وأجابه بكل هدوء: «لا تقلق أيها الأستاذ فسأطير بعيدًا عنك»!! ثم ذهب وجلس على طاولة أخرى.. لم يتحمل الأستاذ جواب مانديلا فقرر الانتقام منه.

وفي اليوم التالي طرح الأستاذ بيتر في الصف سؤالًا على مانديلا: «سيد مانديلا، إذا كنت تمشي في الطريق ووجدت صندوقًا وبداخل هذا الصندوق كيسان، الكيس الأول فيه المال والكيس الثاني فيه الحكمة.. فأي الكيسين تختار؟؟!».. وبدون تردد.. أجابه مانديلا: «طبعًا سآخذ كيس المال».. ابتسم الأستاذ وقال ساخرًا منه: «لو كنت مكانك لأخذت كيس الحكمة».. وبكل برود أجابه مانديلا: «كل إنسان يأخذ ما ينقصه!!».

في هذه الأثناء كان الأستاذ بيتر يستشيط غضبًا وحقدًا لدرجة أنه كتب على ورقة الامتحان الخاصة بمانديلا «غبي»، وأعطاها له!!، أخذ مانديلا ورقة الامتحان وحاول أن يبقى هادئًا جالسًا إلى طاولته، وبعد بضع دقائق وقف مانديلا واتجه نحو الأستاذ وقال له بنبرةٍ مهذبة: «أستاذ بيتر لقد أمضيت على الورقة باسمك، لكنك لم تضع لي علامة!!!».

أرأيتم.. جوهرة ذكاء مانديلا الأبيض، الذي افترس بهدوء توحش الفكر الأسود وقبعته الحاقدة.

لقد أصبح الاحتياج أشد بين الحين والحين إلى إيقاظ الشعور بالذات في عصر عز فيه العثور على الذات.. والتقابل مع الذات.. والتعامل مع الذات.. والتصالح مع الذات.. فما أصعب التوهان في عصر الاستعارة.. لكن ما أجمل الاعتزاز بالثقة في نفسك وشخصك وشخصيتك.. واعتزازك بهويتك وتاريخك وحضارتك.. وماضيك الحي.. وتراثك وميراثك.. حين تتدثر بعباءتك التاريخية تكتسب المهابة والرحابة، وتكتسي بالإجابة والاستجابة.. حين تتلفح بوشاح حضارتك.. تزهو وترنو.. وتهفو إليك العصرنة لعلها منك تفيد، وتضيف إليها، وتضفي عليها من رحيق جذورك، وجدودك، وحدودك الجغرافية، وجغرافية حدودك البشرية، وبشريتك التي بشرت بها، وباشرت بها إنسانيتك في المعارف والفنون والآداب والعلوم، في مختلف التحولات والانعطافات، وتباين الفواصل والمراحل.. ما أسرع ما يتعرض للاهتزاز، والابتزاز، حين تمضغه رياح العصر المتقلب، وتلفظه وهو لا يدري، مع أنه يتسلح بمعطياته، ويتحدث بمفرداته، ويتحاور مع تقنياته.. لكنه ساعة أن يلتفت حوله، وينظر إلى ذاته باحثًا عن جدار يستند إليه، لحظة أن تجور عليه التكنولوجيا والأيدولوجيا، يلقى نفسه وحيدًا في العراء غير مليم!.

لا يغريني بريق الأضواء العصرية المؤقتة والموسمية.. لا يستهويني اللهاث في طرقات العصر.. بقدر ما آنف من الاستغراق السلبي في غرفة قديمة.. لا تبهرني ثرثرة من يزعمون أنهم يحكمون العالم وتصوراتهم أن قوة واحدة يحق لها الهيمنة والسيطرة.. وإذا هم لا يزالون يمارسون لعبة تفريغي الفكري.. ويجوسون خلال الديار لترهيبي.. ويعيثون في حاضري لترغيبي في الحداثة.. ليفقدوني التوازن زاعمين - وهم يتواصلون مع أسلافهم أصحاب القبضة الاستشراقية والمنظور الاستعلائي إياه بأنهم أولى بنا منا!! ولا يزالون يفسرون تاريخي حسب أهوائهم.. ونوازعهم.. أغراضهم.. ومصالحهم.. وأمزجتهم.. وحسب المؤسسات التي يعملون لحسابها.. وكل الحسابات تلغي رصيدي الحضاري!.. قرأوني وكتبوني.. وسطروني وسيطروا علي.. شطروني.. نثروني شظايا باردة ألقوني إلى بعضهم بعضًا.. جعلوني حقل تجارب.. وصيروني مادة لمعاملهم وأبحاثهم وتجاربهم.. وتوهموا أنهم شكلوني ورسموني.. وقضي الأمر!

إنها لعبة العولمة وتسويق الشرق أوسطية.. واعتباري شرطيًا لتمريرها.. ولحظة أن سقط القناع.. لحظة أن بدأ وجهي يلفظ الأقنعة.. وبدأت أعثر على ذاتي حين بدأت مشروع النهضة العربية.. قبل مائة عام.. لكنهم كانوا لي بالمرصاد.. إلا قليلا!، غير أننا لم نعدم الأمل في النور الذي يضيء الطريق، وإن توارى خلف الأستار بعضًا من الوقت، ويفتح النوافذ التي غُـلقت حتى عُـلقت، ويفتح المنافذ التي جثمت عليها خفافيش الظلام، ويجعل من (الأمس الأصيل) قوة لاحتواء (اليوم)، والتحريض على اقتحام (الغد) دون انتظاره الذي يجيء.. وقد لا يجيء!.

وقد أعجبني كثيرا تعليق من محدثي، ونحن نتحاور حول ورقة مانديلا: إياك ثم إياك أن تسمح لأحد أن يسرق منك ثقتك بنفسك واعتزازك بهويتك؛ حتى وإن كان أستاذك الذي بيده تقييمك أو رئيسك الذي بيده طردك من وظيفتك؛ لأن نفسك هي أغلى وأثمن من كل شيء، وتظل كلمة المفكر والشاعر البريطاني (كبلنج) تحلق في هذه الأجواء منذ مائة عام أو يزيد: (الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا).

نعم.. ولن يلتقيا...!!!

مقالات اخري للكاتب

سلام على أبطال أكتوبر ٧٣

ليس فقط لأن الندوة كانت عن نصر أكتوبر العظيم.. وليس فقط لأن الحالة المجتمعية صار ت أكثر احتياجًا لاستلهام الروح الأكتوبرية..

اللعبة الخفية على رقعة الشطرنج

تتجلى حكمة إنسانية بواحدة من القيم التي يجب أن تلفح وجه كل من يفكر في دمار شعب، أو إزهاق الأرواح بالحروب التي يتفننون فيها تكنولوجيًا وإلكترونيًا، ويروعون بها خلق الله الأبرياء، وحتى غير الأبرياء.

رغم الجدل بالتي هي أحسن

أراد كاتب مغمور أن يشتهر، مع أنه لا يملك مقومًا واحدًا من مقومات النجاح، فكتب مقالاً عنيفًا - حتى حد السب والشتم - في سعد زغلول باشا، في عز عنفوانه السياسي كزعيم للأمة في مطالع القرن الماضي..

خطورة النجوم اللامعة…!

خطورة النجوم اللامعة…!

في نور هذا المشهد الكوني

في نور هذا المشهد الكوني

لو عـرف الشباب.. لو قـدر المشيب!

لو عـرف الشباب.. قـدر المشيب!