حماية البيئة والمحميات الطبيعية أمن قومي (2)

22-9-2018 | 22:58

 

أعلنت وزيرة البيئة، في مؤتمر التجمع الإفريقي لصندوق النقد الدولي - الذي انعقد في شرم الشيخ - عن نية الوزارة في طرح 30 محمية طبيعية أمام المستثمرين الأجانب للتأجير أو الخصخصة بحق الانتفاع لفترات تصل لعشر سنوات؛ وهذا يقتضي منا الرجوع لمعنى كلمة "محمية طبيعية"؛ وهي تعني ببساطة مكانًا طبيعيًا؛ أو قطعة من الأرض مميزة ونادرة، وبها مميزات بيئية نادرة الوجود؛ مما يقتضي اهتمامًا خاصًا وحماية خاصة؛ حرصًا عليها من التلف أو الفساد أو حتى التغير، وهي بالطبع نعمة من المولى الكريم تحتاج لرعاية خاصة، فقد تكون مصدرًا للعملة الصعبة عن طريق السياحة أو مكانًا للاستشفاء لوجود مياه أو رمال صحية تستخدم للعلاج أو تحتوي على نباتات أو كائنات نادرة الوجود، ومن ثمِّ ضرورة الحذر الشديد عند التعامل معها أو حمايتها.

فهل من المنطق أن نترك هذه المهمة للأجنبي؟ وهل سيكون أكثر حرصًا من المصري؟ وهل مصر لا يوجد بها من هو قادر على حمايتها وإدارتها؟ وهل المصري الذي حطم خط بارليف، وعبر أصعب مانع مائي في حرب أكتوبر، والذي نجح في إدارة قناة السويس - حينما انسحب الأجانب بعد التأميم - غير قادر على إدارة المحميات المصرية؟ فهذه المحميات هبة من الله سبحانه وتعالى لشعب مصر، وبالتالي حمايتها وإدارتها مسئولية شعب مصر ورجالها في أي زمان وأي مكان.

وهل من الطبيعي أن يحمي محميات مصر أجانب؟ وهل نعلم أن الكثير من المستثمرين بوجه عام لا يهمه سوى المكسب المادي، بل والأخطر قد تتقدم بعض هذه الشركات التابعة للأعداء لأغراض تجسس أو خلافه، وخاصة لو تم إقرار مبدأ الخصخصة يصعب بعد ذلك إيقافه.

وللعلم كثير من المحميات تقع على الحدود في مناطق لها خصوصيتها، فعلى سبيل المثال هناك في جنوب سيناء عدة محميات؛ مثل " رأس محمد "، و" سانت كاترين "، و" نبق " و" أبو جالوم " و" طابا ".

وفي شمال سيناء توجد محمية "الأحراش" و"الزرانيق" وغيرها.. وبالتالي فهي قضية أمن قومي، وإذا كانت وزارة البيئة عاجزة عن إدارة وحماية هذه المحميات، فمصر بها كثيرون قادرون بلا شك على ذلك، وهل لنا أن نتصور لو تمت الخصخصة، وسلمت لنا هذه المحميات بعد عشر سنوات وهي مدمرة، أو لو استغلت ضد الوطن، فهل يتم فسخ العقد ونخسر مليارات أخرى، كما حدث أخيرًا في البترول وخسرنا 35 مليار جنيه مصري.

المؤسف أن هذا انعكاس لتكوين وعمل وزارة البيئة في مصر، فهي تعمل بمفردها في جزيرة منعزلة عن بقية جهات الدولة، بمعنى أن الجهة المسئولة عن البيئة مثلا في أمريكا تضم مسئولين من كل من وزارة الدفاع والداخلية ووكالة ناسا للفضاء والاقتصاد والمالية والزراعة والصناعة والعدل والتعليم والبحث العلمي، تقريبًا كل الوزارات.. لماذا؛ لأن قضايا البيئة ترتبط فعلا بكل ما حولنا، وبالتالي تكون قراراتها في حاجة لعمل الفريق الذي يجمع بين كل هذه التخصصات؛ وبالتالي هذا يكسب قراراتها الموضوعية والقوة؛ وبالتالي تكون قراراتها مقنعة وملزمة لجميع الجهات؛ لأنها اشتركت في صنع القرار.

وبالتالي يسهل تقبلها وتنفيذها ونجاحها؛ ولذلك من الضروري أن نتساءل هل تمت دراسة تقييم أثر بيئيي شاملة لهذه الأفكار بين كل التخصصات السابقة؟ وهل خضعت لحوار مجتمعي حقيقي يشارك فيه الخبراء والشعب؛ لأن قضايا البيئة تمس كل مواطن، و المحميات الطبيعية المصرية تمس كل مصري، ويصعب تصور ترك إدارتها وحمايتها للأجنبي، وبلا أي مبرر منطقي نُقبل على هذه المجازفة.

كما أن ذلك يعني فشلنا، وعدم وجود من هو قادر على حماية هذه المحميات وحسن إدارتها، ومن ثمِّ نطالب كل المسئولين على كافة الأصعدة بإعادة دراسة هذه الأفكار.

والأهم إعادة النظر في تكوين وزارة البيئة، وإداراتها لضم مسئولين كبار لكافة وزارات الدولة؛ لأن هذا ينعكس على قوة الوزارة، ومن ثمِّ قوة وحكمة قراراتها التي تنعكس بشكل إيجابي على الأمن القومي، والعكس صحيح؛ لأن قضايا البيئة أصبحت اليوم في كافة صورها وأشكالها تمس حياة كل مواطن، والأهم ترتبط بمستقبل وحاضر أولادنا، وتحتاج لمزيد من التأني والدراسة الشاملة من المنظور البيئي المتكامل، اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

مقالات اخري للكاتب

رسالة مصر في إفريقيا (4)

​ولدت مصر إفريقية؛ حيث كانت هناك عدة أسر قوية كثيرة في شتى أنحاء مصر، وقامت عدة حروب فيما بينهم حتى انتهت إلى أربع أسر وهي التي يرمز إليها بالنحلة والبوصة

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

مصر أم الدنيا ورسالتها (2)

يعرض دكتور حسين مؤنس في كتابه أسباب انتشار جملة "مصر أم الدنيا" بتحليل تاريخي لهذه الحقيقة ولو عرف كل مصري قيمة هذه الأرض لما كفاه أن يعمل بيديه وعقله

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

ما بعد الحداثة والاقتصاد والبيئة (10)

ما بعد الحداثة ترفض عصر الحداثة ومشتملاته؛ خاصة النظم الاقتصادية التي أدت للمخاطر البيئية المختلفة التي نعانيها الآن، مثل: تغيرات المناخ، الدفء الحراري،

مادة إعلانية

[x]