الحداية والكتاكيت و"أونروا"

11-9-2018 | 13:58

 

تقول القاعدة أن من يملك المال أو السلطة أو كليهما يملك القدرة على التوجيه.

ويشير المقال المهم المنشور في جريدة "نيو يورك تايمز" الأمريكية بتاريخ 6 سبتمبر عام 2014 تحت العنوان المعبر جدًا "القوى الأجنبية تشتري التأثير في خزانات التفكير" Think Tanks إن "أكثر من 12 مجموعة بحثية بارزة في واشنطن تلقت عشرات الملايين من الدولارات من حكومات أجنبية في سنوات سابقة؛ بينما تدفع هذه المجموعات مسئولي الحكومة الأمريكية إلى تبني سياسات غالبًا تعكس أولويات الجهات المانحة"!

وبمعنى ثالث، وبحسب المثل الشعبي المعروف "إطبخي ياجارية، كلف ياسيدي".

والسيد الذي يكلف ويدفع ويدعم حين يقرر أن يتوقف عن الدعم، فإن السيناريوهات المتوقعة ثلاثة لا رابع لها: إما الرقص على الحبال أملاً في إقناع السيد باستمرار الدعم، أو البحث عن داعم ومكلف جديد؛ وهو ما يعني طبخة جديدة وأولويات أخرى، بحسب رغبات الداعم الجديد، أو انهيار الطبخة برمتها وإحالتها إلى أرشيف التاريخ.

والتاريخ يشير إلى أنه في أعقاب النزاع العربي - الإسرائيلي أو بمعنى أدق عقب الاعتداء الإسرائيلي الغاشم في عام 1948، تم تأسيس "وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى" المعروفة بـ"أونروا" بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر عام 1949.

ولأن لاجئي فلسطين محتفظون بهذه الوضعية هم وأبناؤهم وأحفادهم منذ ذلك التوقيت، فقد اكتسبت "أونروا" صفة فريدة بين منظمات الأمم المتحدة؛ فبدلاً من أن تكون كيانًا موقتًا لمساعدة المتضريين من الاعتداء الغاشم الذي حدث في عام 1948، تحولت إلى مسئول أساسي في رعاية وحماية وتقديم الخدمات لأجيال متعاقبة من لاجئي فلسطين.

وبقرار الولايات المتحدة الأمريكية في يناير الماضي تخفيض تبرعاتها السنوية لـ"أونروا" لتصبح 60 مليون دولار فقط (حجم الدعم السنوي الأمريكي لأونروا كان 300 مليون دولار)، أصبحت "أونروا"، ومعها مجتمع قوامه 5،4 مليون رجل وامرأة وطفل، و30 ألف موظف وموظفة في مهب الريح.
وتحولت الريح إلى عواصف وزعابيب في 31 أغسطس الماضي؛ حين أعلنت أمريكا إنها لن تقدم أي تمويل إضافي لـ"أونروا"!

بالطبع ضغوط عاتية ستبذل، وتحركات سريعة ستتخذ، ومحاولات عتيدة سيقوم بها كل من يهمه الأمر، وربما مانحون جدد سيدخلون على الساحة، وآخرون قدامى سيزيدون من حجم الدعم، وكتابات لا أول لها أو آخر ستكتب عن الجوانب الإنسانية، وحقوق ملايين الفلسطينيين الذين يعانون على مر العقود.. وغيرها.

وليس أدل على ذلك من زيارة المفوض العام لـ"أونروا" السيد بيير كرينبول للقاهرة وحضوره اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية اليوم في دورته الـ150 تحت رئاسة السودان.

وتظل العبرة المستفادة والدرس الكبير الذي يجب أن نذكر أنفسنا ومن حولنا به دائمًا؛ أن من يملك ومن يمول له الكلمة الأولى والأخيرة في الأمور، صحيح أن ذلك يتم بدرجات متفاوتة، وبسبل مختلفة وعبر قنوات غير مباشرة حينًا وملتوية أحيانًا، وصحيح أيضًا أن هناك من بات محترفًا في جعل التقارير تبدو موضوعية حتى الثمالة، والدراسات معلوماتية بحتة ومنزهة عن الهوى والميل والأيدولوجيا بدرجة تستحق الإشادة، لكن من يملك يوجه.

توجيه الدراسات الحقوقية والمقالات الصحفية والاستقصاءات الاستطلاعية والسياسات الرسمية أمر واضح وضوح الشمس، صحيح أن أشعة الشمس أحيانًا تحجب الرؤية لفرط ضوئها أو قوة سطوعها، لكن هذا لا يمنع من أن الحقيقة العارية تؤكد أن الحق المطلق والخير الكامل والجمال الشامل لا وجود لها إلا في عالم مواز لا علاقة له بهذا الكوكب.

وعلى ظهر هذا الكوكب، وتحديدًا بحسب الموضوع الاستقصائي الذي أجرته "نيويورك تايمز" في سبتمبر 2014، فإن "المال يغير بشكل متزايد خزانات التفكير (ثينك تانكس) - التي كانت حتى وقت قريب تُعرف في العالم بمواقفها وأبحاثها ودراساتها الرزينة والحصيفة والعاقلة - إلى ذراع قوية لحكومات أجنبية تمارس الضغط في واشنطن.

وما يجري في هذه الخزانات والمراكز البحثية يطرح أسئلة مقلقة حول الحريات الفكرية والثقافية، ويقول بعض الباحثين والمثقفين في هذه المراكز المهمة إنهم أحيانًا يتعرضون لضغوط من أجل أن يصلوا إلى نتائج واستنتاجات بحثية "صديقة" للحكومات التي تمول الأبحاث والدراسات التي ينجزونها".

إنجاز الدراسات إذن، والأعمال، والمهام الإنسانية، والبيانات الحقوقية، والأبحاث الإستراتيجية، والاستقصاءات العلمية ليس بالضرورة إذن عمل منزه مائة في المائة عن الانحيازات (وإن تخفت)، والأهواء (وإن تموهت)، والمصالح (وإن تسامت)، والأهداف (وإن طُمِست).

ومحاولات البعض تصوير جهات بعينها (من جماعات حقوقية ومجموعات ثورية ومنظمات راقية) باعتبارها ظل الله على الأرض؛ من حيث الأهداف والأعمال والبيانات والتصريحات التي لا تدور إلا في أطر الدفاع عن الحقوق والمطالبة بالحريات، وغيرها من الأهداف السامية ليست منطقية.

كما أن اقتناع البعض من المتلقين بأن هناك على هذه الأرض من مجموعات ومنظمات من يعمل لوجه الله أو لصالح الكوكب، أو لرفع راية "يوتوبيا" خفاقة دون مصلحة أو غاية أو غرض بحاجة لمراجعة عقلانية.

قليل من العقلانية وكثير من البحث والتنقيب تقودنا إلى أن القرار الأمريكي بوقف الدعم المقدم لـ"أونروا" قرار سياسي بحت، وهذا أيضًا باعتراف صريح ومباشر من "أونروا" نفسها، وقلما تعترف منظمة أممية بتسييس قرارات.

يقولون بالإنجليزية "لا وجود لشيء اسمه وجبة غذاء مجانية"، ونقول بلغتنا "الحداية مابتحدفش كتاكيت".

مقالات اخري للكاتب

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

الأكثر قراءة