الدروس تستنزف أموال أولياء الأمور قبل بدء الدراسة.. "أم تبيع ذهبها".. والمدرسون: "من حقنا" | فيديو وصور

10-9-2018 | 22:07

مراكز الدروس الخصوصية

 

داليا عطية

"بعت خاتم وإسورة"، بهذه الكلمات التي تحمل ألمًا ماديًا ونفسيًا عبرت صابرين سيد، 48 عاما، عن معاناة أولياء الأمور بسبب الدروس الخصوصية التي تستنزفهم اقتصاديًا، وتتطلب من رب الأسرة تخصيص ميزانية شهرية لها، وهو ما يمثل عبئًا ماديًا علي كاهل الأب وينتقل هذا العبء إلي الأم ليصبح حملا ثقيلا علي أكتافها في حال غياب الزوج.

وهذا ما حدث مع صابرين التي توفي عنها زوجها في بداية العام الماضي، وترك لها أحلام في الصف الثاني الثانوي، وكان يعمل بإحدي شركات الأمن والحراسة، ولم يكن راتبه مجزيًا لسد متطلبات الدروس الخصوصية التي تعين أحلام علي فهم المواد الدراسية، ومن ثم حصاد درجات عالية في نهاية العام، فلجأت الأم إلي بيع ذهبها في أغسطس الماضي لتوفير ثمن هذه الدروس.

تتابع صابرين حديثها لـ"بوابة الأهرام"، التي التقتها بميدان رمسيس تشتري الأدوات المدرسية لابنتها من منطقة الفجالة، حيث سعر الجملة الذي يقل عن أسعار المكتبات في الأسواق، فتقول وهي تسترجع شريط المعاناة المادية التي تتكبدها من أجل تعليم ابنتها الوحيدة، إنها تتمني عودة دور معلم الفصل واعتماد الطالب علي شرح المدرسة، وإن كان لابد من وجود وسائل إضافية لشرح المنهج فيجب أن تتمثل هذه الوسائل في المجموعات المدرسية التي كنا نحضرها جميعا في المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي، وكانت بأسعار بسيطة تناسب وضع الأسرة الاقتصادي: "اللي بيحصل ده حرام إحنا بننزف ماديًا".

نزيف اقتصادي
تعبر ليلي بدران، 39 عامًا، عن نفس المعاناة المادية، فتقول بنبرة لا تختلف كثيرا عن نبرة صابرين التي باعت ذهبها، أنها في نهاية كل عام دراسي تحمل مسئولية تدبير ثمن الدروس الخصوصية للعام القادم، حيث لديها طالب في الصف الثاني الثانوي وزوجها يعمل في إحدى شركات الاتصالات وراتبه لا يتعدي 3000 آلاف جنيه، وقد اعتادت تدبير الأمر من خلال "الجمعيات"، حيث تشارك جيرانها كل عام في جمعية علي أن تتقاضاها في شهر يوليو لتدفع منها ثمن الدروس الخصوصية التي تبدأ في شهر أغسطس: "عاملة جمعية للدروس".

حاورت "بوابة الأهرام" عددًا من المدرسين لمعرفة أسباب الاتجاه إلي الدروس الخصوصية 

أحد المدرسين بمراكز الدروس الخصوصية

الراتب ضعيف
قال محمد سامي، معلم لغة عربية بأحد مراكز الدروس الخصوصية بمنطقة الدقي، إن ضعف المرتبات هو السبب الرئيسي لاتجاهه إلي إعطاء دروس خصوصية للطلاب، إذ أن راتبه الأساسي لا يكفي احتياجاته وسد متطلبات أسرته، مؤكدًا أنه في حال مراعاة رواتب المعلمين بزيادتها سيكتفي بالتدريس داخل المدرسة فقط، ويبرهن علي ذلك بأن الدروس الخصوصية تكلفه جهدا وطاقة إضافية يبذلها بعد انتهائه من العمل في المدرسة، ولكن ظروف المعيشة تضطره لذلك.

حق مشروع
بينما قال أكرم سعيد، مدرس رياضيات بنفس المنطقة، إن الدروس الخصوصية ليست أزمة كما يصورها البعض: "كلنا نشأنا علي الدروس الخصوصية" لافتا إلي معارضة أولياء الأمور لها، وتصوير المعلمين علي أنهم مغتصبو أموالهم.

وتابع سعيد، أن أولياء الأمور ينظرون إلى تكلفة الدروس الخصوصية علي أنها أموال فقط تدخل خزينة المعلم، وليس علي أنها مقابل جهد وطاقة يبذلها من أجل مستقبل أبنائهم، وفي سبيل الحصول علي درجات عالية في نهاية العام، قائلًا: "ده رزقنا ومقابل طبيعي لمجهود وطاقه بنبذلها"، مؤكدًا، أنه لا يجبر أحدا علي الذهاب إليه، وإنما الطلاب يتنافسون من أجل حجز مكان في بداية كل عام.

علي الجانب الآخر حاورت "بوابة الأهرام" عددًا من الطلاب لمعرفة أسباب الاتجاه إلى الدروس الخصوصية ولماذا يتم تهميش مُعلم الفصل ؟

الطلاب بمراكز الدروس الخصوصية


قالت رضوي زهير، طالبة في الصف الثاني الثانوي، إن الدروس الخصوصية ترحمها من عناء البحث عن المعلومة وإيجاد شرح كاف لها في كتاب الوزارة، وإنها تقدم شرحًا وافيًا للمنهج ومزيدًا من الأسئلة والإجابات ونماذج اختبارات تساعد علي كسر رهبة الامتحان النهائي.

بينما قالت نيرة سليم، طالبة في نفس الصف، إن الدروس الخصوصية تقدم تلخيصًا للمنهج، وتزيل حشوًا زائدًا في كتاب الوزارة لا تتأثر المعلومة بحذفه، وهو ما يوفر الكثير من الجهد الذهني علي الطالب، لافتة إلي المُذكّرة التي يلخص فيها المعلم المنهج للطالب: "مُذكّرة الدروس الخصوصية أفضل من كتاب الوزارة".

فيما قالت إسراء عبدالهادي، طالبة في الصف الثالث الثانوي، إن الدروس الخصوصية تكلفها طاقة جسدية وذهنية أيضًا، إذ تقضي حوالي 7 ساعات يوميًا في "السنتر"، حيث تحضر دروسًا لثلاث مواد، وهو ما يستنفذ منها الوقت.

وتابعت بنبره متضررة فقالت، إنها أثناء الحوار مع والدتها عن أزمة الدروس الخصوصية تساءلت عن دور معلم الفصل: "بقول لماما ليه المدرس في الفصل مش بيشرح ؟" مؤكدة، أنه لا يوجد شرح للمواد داخل الفصل، وأن المعلم يقوم بالرد علي استفسارات الطلاب حول موضوع أو معلومة معينة، أما الالتزام بعدد حصص يوميا، وتقديم شرح مفصل لكل مادة، أكدت أنه لا يحدث: "معندناش فصول ثانوي أصلا".

فيما أشار شادي نبيل، إلي أسلوب الشرح وطريقة تقديم المعلومة للطالب، فقال، إن معلم الفصل يتسم بالجمود، وكأنه يؤدي مهامًا معينة كشرحه مثلا (1+1=2) دون محاولة الوقوف في منتصف المعلومة، أما الشرح في "السنتر" يختلف تماما، ويشهد مرونة في التعامل بين الطالب والمعلم وسلاسة في عرض المعلومة وكذلك استقبال الطالب لها.

تباينت الآراء حول اتجاه المعلمين إلي الدروس الخصوصية، فهناك من برر ذلك بضعف الراتب، وهناك من رفضه تمسكا بقيمة معلم الفصل، كما تباينت آراء الطلاب أيضًا حول لجوئهم إلي الدروس الخصوصية، فمنهم من يري أنها توفر الوقت من حيث تلخيص المنهج عن طريق المذكرات، وتوفر الجهد من حيث تقديم شرح مبسط للمعلومة، ومنهم من يري أن أسلوب تقديم المعلومة في "السنتر" يتسم بالمرونة والسلاسة، بينما تقديمها داخل الفصل يتسم بالجمود، ومنهم من يري أن الدروس الخصوصية تكلفهم طاقة حيث يجلسون في "السنتر" حوالي 7 ساعات، مطالبين بتفعيل وجود معلم الفصل وتقديم شرح وافٍ لجميع المواد داخل المدرسة.

وحول ذلك يقول حسين عبدالحكيم، معلم لغة عربية بمدرسة السعيدية الثانوية في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، إن الدروس الخصوصية تشكل عبئًا ماديًا كبيرًا علي أولياء الأمور وتستنزفهم اقتصاديًا.

وعن سبب لجوء الطالب إليها قال، إن الطالب محكوم بالتنسيق وحصاد الدرجات النهائية قدر الإمكان، لذلك يلجأ إلي الدروس الخصوصية لتلقي الشرح، لأنه لا يذهب إلي المدرسة، وبالتالي تكون الدروس الخصوصية هي الطريق للحصول علي المعلومة وشرح المنهج.

وأضاف، أن هناك مسئولية تتحملها الدولة في سبب اتجاه الطلاب الي الدروس الخصوصية، وهي أنه لا يوجد ما يلزم الطالب بالحضور في المدرسة، لافتا إلي عقوبة تكرار الغياب وهي الفصل: "الطالب كده كده بيغيب فعقوبة فصله من المدرسه مش هتأثر عليه"، مؤكدًا أن كثيرًا من الطلاب يتجمعون ويتجمهرون أمام المدرسة أثناء فصلهم بسبب الغياب المتكرر، وهو ما يجعل إدارة المدرسة تتراجع عن العقوبة، مطالبًا بضرورة توقيع عقوبة أخري علي الطلاب الذين يتغيبون عن المدرسة كحرمانهم من الامتحان بدلًا من الاكتفاء فقط بفصلهم من المدرسة، وفي هذه الحالة سيحضر الطلاب إلي المدرسة ويتلقون الشرح من معلم الفصل ولن يحتاجوا إلي الدروس الخصوصية.

مُعلم الفصل
فيما أنكر نبيل عواد، معلم رياضيات، في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، اتجاه المعلمين إلي الدروس الخصوصية، حتي ولو كان الراتب غير مجزي، مؤكدًا أنه يقوم بدوره داخل الفصل بالشرح الكامل للمادة إلا أن الطلاب لم يحضروا إلي المدرسة كثيرًا، وفي حالة حضورهم يهملون شرح الفصل، لأنهم يبدأون الدروس الخصوصية قبل بداية العام الدراسي بشهرين، وهو ما يجعل كلام معلم الفصل بالنسبة لهم تكرارًا وإطالة زائدة.

وتابع في نفس السياق، أن كثيرًا من زملائه عرضوا عليه الاتجاه نحو الدروس الخصوصية لتحسين الدخل المادي، إلا أنه رفض هذا متمسكًا بقيمة معلم الفصل التي يراها تتراجع إلي الوراء وتفقد وجودها عامًا تلو الآخر.

الطلاب بمراكز الدروس الخصوصية



"بيزنس" الثانوية العامة
قامت "بوابة الأهرام" بجولة داخل مراكز الدروس الخصوصية في مناطق مختلفة، رصدت فيها أسعار الحصص، والتي اختلفت من منطقة إلي أخري، ففي الدقي والمعادي يصل سعر الحصة الواحدة إلي 50 جنيها، وفي فيصل 40 جنيها، وفي حلوان 30 جنيها، وفي منطقة بين السرايات 25 جنيها للحصة، وذلك في "مراكز" تابعة لجمعيات شرعية فتكون الأسعار مخفضة عن مثيلاتها في "المراكز" العادية.

وعن سعر حصص المراجعات التي يحضرها الطلاب أثناء فترة الامتحانات، رصدت "بوابة الأهرام" أسعارها والتي تراوحت بين 50 و 70 جنيها للحصة الواحدة، إضافة إلي 40 جنيها سعر المُذكّرة.

أما في حالة رغبة أولياء الأمور ذهاب المدرس إلي الطالب وإعطاء الدرس الخصوصي في المنزل، فإن الحصة الواحدة تتراوح بين 80 و 90 و 100 جنيه حسب المنطقة.

بعد رصد أسعار الحصص في الأيام العادية، وفي أيام الامتحانات، تصبح الميزانية الشهرية للدروس الخصوصية وتكلفة طالب الثانوية العامة الذي يأخذ دروسًا في 4 مواد فقط علي سبيل المثال، تتخطي الألف جنيه شهريًا، وتزيد عن 20 ألف جنيه سنويًا.

28 ألف جنيه في ساعتين فقط
بناء علي استقصاء "بوابة الأهرام" عن أسعار الدروس الخصوصية في مناطق مختلفة، سواء في الأوقات العادية من الدراسة أو فترة الامتحانات، تبين أن "مراكز" الدروس الخصوصية تحمل نحو 70 طالبًا في الأيام العادية من الدراسة، والتي تكون سعر الحصة الواحدة فيها 50 جنيهًا لتكون بذلك حصيلة المُعلم في ساعتين فقط 3500 جنيه، أما فترة الامتحانات يصل عدد الطلاب في حصص المراجعة إلي 400 طالب، وهو ما يجعل المدرس يقوم بحجز إحدي قاعات الأفراح لاستيعاب هذا العدد، وتكون سعر الحصة حينها 70 جنيها، وبذلك تكون حصيلة المُعلم في ساعتين فقط 28000 جنيه.

الطلاب بمراكز الدروس الخصوصية

"السنتر" المميز والمُدرس "الشبح"
لا تتسم الدروس الخصوصية بشكل واحد، فكما اختلفت في أسعارها من منطقة إلي أخري، اختلفت أيضًا في مكان تقديمها، فهناك الدروس الخصوصية المتعارف عليها، والتي تحمل القاعه فيها من 50 الي 70 طالبا، وسعر الحصة هنا يتراوح بين 40 و50 جنيها، حسب المنطقة، وهناك دروس مميزة يكون عدد الطلاب فيها نحو 20 طالبا فقط، وأحيانًا تكون القاعة مكيفة، وتزيد فيها سعر الحصة إلي 70 جنيها، ويبقي الاختيار للطالب ما بين "السنتر" العادي و "السنتر" المميز.

أيضًا يتنافس الطلاب علي بعض المعلمين دون غيرهم لحجز مكان قبل اكتفاء العدد، وهذا يحدث مع بعض المعلمين الذين اشتهروا بسلاسة الشرح وتسهيل المنهج، وهناك ألقاب للمُعلمين، فمثلا يوجد المدرس الشبح، والذي قال محمود حجازي، طالب في الصف الثالث الثانوي، إنه وزملاؤه ينادونه كذلك بين بعضهم البعض لتميزه عن باقي المُعلمين في شرح المادة، وتلخيصها واستخدام أمثلة من الواقع والحياة اليومية للربط بين المعلومات في المنهج وهو ما يسهل علي الطالب استجماع المعلومات بطريقة خفيفة تزيل جمود مادة الكيمياء.

الطلاب بمراكز الدروس الخصوصية


اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة