رحلة غيرت وجه العالم.. دروس الهجرة النبوية لا تتوقف ومؤاخاة المهاجرين والأنصار دعوة لاتحاد مسلمي العالم

14-9-2018 | 06:53

الهجرة النبوية.. صورة تعبيرية

 

محمد عدلي الحديدي

الهجرة النبوية محطة عظيمة من محطات أسوتنا وقدوتنا محمد "صلى الله عليه وسلم"، ففيها من الدروس والعبر ما يعدُّ أساسًا لكلّ بناء وتغيير حضاري في مستقبل الأمم؛ حيث تغيير صورة المجتمع الجاهلي المتعصب إلى المجتمع القائم على إعلاء قيم العدل والمساواة والعقيدة ونصرة قضايا المظلومين.

ولأن الرسول "صلى الله عليه وسلم" خاتم الأنبياء، وكون دعوته عالمية، فقد جاءت رسالته وسيرته مستوعبة لكل الناس، مما جعل سيرة الرسول وتفاصيلها الميزان والمعيار، وسط أمواج التحديات، للاقتداء والتأسي الموضوعي، والاستفادة بذلك في تحقيق الفهم الأمثل للإسلام، واستثمار السنن النبوية في تغيير الواقع الإنساني.

وبمناسبة بداية العام الهجري الجديد استطلعت «بوابة الأهرام» آراء علماء الدين في مصر وخارجها، حول كيفية استثمار هذه الذكرى النبوية الشريفة، والاستفادة من دروسها وعبرها..

الهجرة وتأسيس دولة المواطنة

يقول الشيخ أحمد ربيع الأزهري، من علماء الأزهر الشريف: مع تفشي العنصرية وقيم التخلف وتأجج الصراع بين الحضارات، وجب علينا ونحن نحتفي بذكرى الهجرة النبوية أن نصدر نموذجنا المعرفي الإسلامي الذي يعمق قيم الاختلاف والتنوع ويحترم اختلاف العقائد ويؤسس لقيم التعدد والبحث عن المشترك الجامع ذا البعد الإنساني مع تأكيد الخصوصية لكل أصحاب معتقد، مؤكدًا أن الإسلام دين أسس رؤيته الحضارية على عدة قيم منها المزواجة بين العلم والعبادة واقتران رسالته بفقه البناء والعمارة، وأسس للحرية وجعل من قيم التنوع والاختلاف مسلكًا للتعايش والائتلاف وحارب التعصب والخلاف وأنكر الصدام والصراع.

واستشهد الأزهري بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]، ليؤكد أن الدين الإسلامي جعل رسالته رحمة للعالمين مسلمين وغير مسلمين وأسس لقيم التعارف ولم يُكره أحدًا على الدخول فيه، وأطلق للناس الحرية في هذا الشأن فقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].


الشيخ أحمد ربيع الأزهري من علماء الأزهر الشريف



وأضاف: النبي "صلى الله عليه وسلم" عندما هاجر عقد مع اليهود معاهدة تعد أقدم وثيقة بشرية تأسس لقيم المواطنة والتسامح والتعايش والدفاع المشترك، جاء فيها: (... لليهود دينهم وللمسلمين دينهم... إلا من ظلم وأثم...)، بعكس التطور الحضاري الغربي لم يعرف المواطنة وحقوقها إلا بعد الثورة الفرنسية سنة (1789م)، وهذا دليل على أن المواطنة الكاملة في الحقوق والواجبات، اقترنت بالإسلام وتأسيس دولته في المدينة على عهد رسول الله، مستطردًا: بجوار وثيقة النبي مع اليهود فإنه استقبل نصارى نجران في مسجده وكتب لهم ولعموم النصارى من بعدهم عهدا لتأمينهم على أنفسهم ودينهم ومالهم، وهذا أصدق دليل على ترسيخ الإسلام لمبدأ الحرية العقائدية والتي تعد أعلى قيم المواطنة.

معاني الهجرة الشريفة

أما الدكتور حمدالله حافظ الصفتي، مدير الشئون العلمية بالمنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف، فقال: لا تزال نسائم الهجرة النبوية وذكرياتها وعِبَرُها تتجدّد على الأمّة الإسلامية في كل عام، ولم يزل الوُعاة المهديّون من الأمّة يرون أنفسهم في هجرةٍ لا تتوقف، لأنّ مشقة الحياة وصعابها لا تنقضي، ولأنّ صراع الحق والباطل قائم قيامَ هذه الدنيا، وفي الهجرة من عظيم المعاني ما هو عُدّة لأبناء الإسلام في ذلك الصراع المستمرّ، ومن أول هذه المعاني وأشدِّها مناسبةً لما نعيشه في أيامنا هذه؛ تعزيز الحقّ بالقوّة، فكانت الهجرة النبوية انتقالًا من الضعف والاضطهاد إلى القوّة والعزّة، وأسست مبدأ عهد جديد وهو عهد بدء دفع العدوان على الحق بالقوّة، حيث آخى النبي "صلى الله عليه وسلم" بين المهاجرين والأنصار، وكان هذا التآخي بين الأصحاب أول نُواة تنبت منها القوّة المنشودة ضدّ المعتدين»، واليوم مع الأخطار المحدقة والظروف العصيبة تزداد أهمية تسلّح المسلمين بأسباب المنَعة والقوّة من العلم والحلم والحكمة، ليأخذوا حِذْرَهم وأسلحتَهم ممن يكيد للإسلام وأهله في الداخل بالإرهاب والتخريب، وفي الخارج بالتخطيط والترتيب.


الدكتور حمدالله حافظ الصفتي مدير الشئون العلمية بالمنظمة العالمية لخريجي الأزهر



وتابع: من معاني الهجرة التذكيرُ بجهاد النبي "صلى الله عليه وسلم" والصحابة الكرام في سبيل الدعوة إلى الحقّ، والتأييد الإلهي لنبيّنا الكريم، وكل هذا التذكير إن هو إلا تذكير للأمة بواجبهم نحو أنفسهم، ونحو بيوتهم، ونحو إخوانهم، لينهضوا جميعًا لتقويم المعوج، وإصلاح الفاسد، ورأب الصدع بما يُرضي الله تعالى ورسوله، موجهًا بأن احتفاء المسلمين بالهجرة هو تجديدٌ للعهد الذي قطعوه على أنفسهم بالتمسّك بشرع الله في كل صغيرة وكبيرة، وأنَّ من أجلّ الجهاد في عصرنا دفع الشبُهات عن معالم الإسلام وعقائده وأحكامه.

المهاجرون اليوم

وعن المناسبة واحتفاء مسلمي روسيا بها، يقول الشيخ إلدار علاء الدينوف، مفتي موسكو، إمام المسجد الجامع بموسكو، لـ«بوابة الأهرام»: هذه الذكرى العظيمة لهجرة نيبنا محمد "صلى الله عليه وسلم"، والتي تتجدد كل عام، هي ليست مجرد رقم نكتبه على التقويم الورقي ونوزعه على الناس، وإنما هي مناسبة نستغلها لتذكير مسلمي روسيا بدروسها وعبرها التي يمكن الاستفادة بها في كل زمان ومكان، فنلقي على الناس في مساجد موسكو الخطب عن هجرة الرسول "صلى الله عليه وسلم" وصحابته من مكة إلى المدينة، ونسرد فيها الأحداث كما وردت في كتب السيرة النبوية، ونؤكد أنه "لا هجرة بعد الفتح"، وأن المهاجرون من المسلمين اليوم هم من هجروا ما نهى الله عنه، وتمسكوا بدينهم، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا قصارى جهدهم لإعلاء كلمة الله بسلوكهم وأخلاقهم وأعمالهم الخيرية، هذه هي الهجرة المطلوبة هذه الأيام.


الشيخ إلدار علاء الدينوف، مفتي موسكو إمام المسجد الجامع بموسكو



وتابع مفتي موسكو: للأسف الشديد كثرت في زماننا الفتن، وأصبحت المنهيات والمغريات تحيط بنا من كل جانب وتفتننا في ديننا؛ لذلك يجب على المسلمين أن يضعوا صوب أعينهم الآية الكريمة في قوله تعالى ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ]40 / التوبة[، فهذا الخطاب الإلهي مهم في هذه الأيام عندما نشعر بالهم والغم والحزن لما يحدث في العالم كله وبخاصة العالم الإسلامي، وبرغم أننا نشعر بالضيق؛ ولكن مع هذا علينا ألا ننسى هذا الخطاب ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فمتى نرعى حقوق الله وحقوق الناس ونقوم بواجبنا تجاه المجتمع وقتئذ سنتذكر هذه الآية ولا نغفل عنها ونشعر أن الله معنا، في كل خطوة تنفع الناس حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.

الأكثر قراءة