"التركة الموسيقية" للسنباطي.. ورثتها فايزة أحمد بالأغنية اليتيمة.. فمتى تفرج عنها فيروز؟ | صور وفيديو

9-9-2018 | 17:23

رياض السنباطى و فيروز

 

أحمد عادل

هكذا هم المبدعون لا يرحلون عن محبيهم ما دامت أعمالهم خالدة في جبين الزمان، فروائعهم التي ملأت الأرض حباً، تأبى إلا أن تسكن قلوب العاشقين ما بقي خفقانها، ربما تنطبق هذه الحقيقة بشكل أكبر على إمبراطور القصائد العربية رياض السنباطى الذي تحل اليوم ذكرى رحيله في التاسع من سبتمبر عام 1981.

رياض السنباطى، ابن محافظة دمياط الذي جاء إلى الدنيا في الثلاثين من نوفمبر عام 1906 ليملأ الدنيا طرباً، أصيب في صباه المبكر بمرض في عينيه، ما دفع والده لتعليمه أصول التواشيح والغناء، وقريبا من منزله بفارسكور، تعرف السنباطى على أحد صانعي آلة العود فكان أستاذه الأول، فبرع في عزف العود، ولم يعلم الطفل آنذاك أنه صادف أوفى أصدقائه الذي غنى له بعد ذلك أغنيته الشهيرة "على عودي أنام واصحي وليالي العمر دي شهودي.. عشقت الناس في ألحاني وكان في العشق ده خلودي".

وخلال أواخر العشرينيات من القرن العشرين التقى السنباطى بأم كلثوم عند قرية في محطة قطار "درين" التابعة لمركز نبروه، كان كلاهما لا يزال يبدأ مشواره الفني الخالد، ولم يعلما حينذاك أن الأقدار ستجمع بينهما في أكثر من 90 لحن توزعت ما بين القصائد والأغاني العاطفية والدينية والوطنية التي تركت بصمتها في وجدان المصريين والعرب جميعًا.

كانت أم كلثوم لا تزال تجول بثوبها البدوي بصحبة والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي تنشد في الأفراح، وتحيي الليالي في القرى، وكان رياض يسير على الدرب نفسه معاوناً لوالده الشيخ محمد السنباطى.

ونال السنباطى شهرة عريضة داخل المنصورة في تلك الفترة، واشتهر بلقب "بلبل المنصورة"، وبعد ذلك قصد القاهرة ليدرس في معهد الموسيقى العربية، وأمام لجنة موسيقية برئاسة مدير المعهد مصطفى بك رضا، أقر الجميع بأستاذية السنباطى، وعينوه في ذات اليوم أستاذا على آلة العود بالمعهد، وفجأة، تحول من جاء إلى معهد الموسيقى تلميذاً إلى أستاذ!.

ومع انطلاق أثير الإذاعة المصرية في 31 مايو عام 1934، أصبح السنباطى من بين العناصر الفنية التي أضافت للإذاعة الوليدة إلى جوار أم كلثوم، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وأسند له الموسيقار مدحت عاصم، مدير البرنامج الموسيقية بالإذاعة فقرة للعزف المنفرد على آلة العود.

ومن خلال لحن "على بلد المحبوب ودينى" للمطرب عبده السروجي، أحدث السنباطى طفرة في موسيقى الثلاثينيات، فبحثت أم كلثوم عن هذا الملحن الشاب الذي التقت به في لقاء عابر على محطة درين، فصار ملحنها الأول بلا منازع طيلة أربعة عقود، حتى قيل "إذا أردتم أن تكلثموا فسنبطوا".

لقد ارتدت الأغنية والقصيدة العربية عبر ألحان السنباطى ثوباً ذهبياً لم ترتده من قبل، وكان في ألحانه تلك يركن إلى أصالة الموسيقى العربية دون انسياق إلى موجات التغريب، فكان يرى أن الموسيقى الشرقية فيها ما يكفى من المقومات التي تجعلها قائمة بذاتها، لذا فليس من العجيب أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" حين منحته جائزتها العالمية عام 1977، قالت في بيانها إنه "الموسيقي المصري الوحيد الذي لم يتأثر بأي موسيقى أجنبية، وإنه استطاع بموسيقاه التأثير على منطقة لها تاريخها الحضاري".

لحن السنباطى للعديد من أصوات زمن الفن الجميل، وكانت تلك الأعمال محطة أساسية في مسيرة نجوم الغناء، فلحن لليلى مراد، يا حبيب الروح فين أيامك، يارايحين للنبي الغالي، ولحن لعبد الحليم وشادية "لحن الوفاء"، ولعبة الأيام، وقصيدة يا حبيبي لا تقل ضاع حبي من يدي لوردة الجزائرية، ولحن رائعته "عايز جواباتك" لنجاح سلام، ولحن حكاية المنديل، ويانسينى لشهرزاد، شفت حبيبي لمحمد عبد المطلب، إلهي ما أعظمك لنجاة، ولحن قصيدة انتظار لسعاد محمد، وأشواق وساعة زمن لميادة الحناوى، وقصيدة "والتقينا" لعزيزة جلال، لبيك ياربى لفدوي عبيد، وإن كنت ناسي أفكرك لهدى سلطان.

وحين وافته المنية في مثل هذا اليوم، ترك السنباطى في خزينته الموسيقية أربعة أعمال من بين عشرات الألحان التي سجلها على عوده، ولكن ما يميز تلك الأعمال عن دونها أنها اقترنت باسمين كبيرين في عالم الغناء، العمل الأول أبصر النور يتيما، أما الثلاثة الأخرى فلا تزال مجهولة المصير.

أول تلك الأعمال كان من نصيب كروان الشرق فايزة أحمد، التي تجمعها صلة نسب مع الموسيقار الراحل، فقد كانت ابنتها فريال متزوجة من نجله الفنان أحمد السنباطى، وقد قُدر لهذه الأغنية "لا ياروح قلبي" أن تُبصر النور يتيمة المؤلف والملحن والمغنى، فاستحقت لقب"الأغنية اليتيمة"، فقد كتبها الشاعر الغنائي حسين السيد، ووقع الاتفاق مع الموسيقار رياض السنباطى، وفايزة أحمد، لكن السنباطى توفى في 9 سبتمبر عام 1981 دون أن يتم الكوبليه الأخير منها، وبعد عامين لحق به المؤلف حسين السيد فى 27 مارس عام 1983، دون أن يتم انجاز الأغنية، التي أعلن نجل الموسيقار أحمد السنباطى عن إنجازها بعد إضافة إليها بعض المقاطع اللحنية التي تركها السنباطى في تسجيلاته الموسيقية الأخيرة.

وفى غمرة الآلام التي اعترت الفنانة فايزة أحمد جراء إصابتها بالسرطان، وقبل أيام قليلة من وفاتها، أصرت فايزة على غناء تلك الأغنية التي رحل ملحنها ومؤلفها، واتجهت إلى استوديو 45 بمبنى ماسبيرو، وشدت بأغنيتها الأخيرة، وهى جالسة على كرسي من شدة الإعياء، تحيط بها الفرقة الموسيقية بقيادة الموسيقار أحد فؤاد حسن، ورغم مرضها ققد أودعت فايزة كافة طاقتها الصوتية وإحساسها الرائع في غناء تلك الأغنية الجميلة، فكانت بحق مسك الختام لمسيرتها الفنية.

ومن الغريب أن فايزة رثت نفسها فى ثنايا كلمات هذه الأغنية التي تقول "من النهاردة هعيش لأجمل حلم شفته.. وهفتكر بدموع أحلى عمر عشته"، ومع ذلك لم تعش فايزة، وماتت بعد أيام من تسجيل الأغنية.

أما الأعمال الثلاثة الأخرى التي تركها الموسيقار في خزانته الموسيقية وظلت مجهولة المصير حتى بعد مرور 37 عاماً على رحيله، فكانت نواة مشروع فني بين إمبراطور القصائد وجارة القمر فيروز، وكان سيضيف الكثير لموسيقانا الشرقية إن تم.

تمخضت تلك الفكرة بعد انفصال فيروز عن عاصي الرحبانى في أعقاب حفل الأوليمبيا في باريس عام 1979، وحظيت الفكرة بدعم وزير الإعلام الكويتي آنذاك الشيخ جابر العلى السالم الصباح، وكان لهذا المشروع أثره في الوسط الفني كأثر غناء فيروز من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب مثل "سكن الليل" و"ياجارة الوادي" و"سهار بعد سهار".
وقد سافر السنباطى بالفعل إلى بيروت، وسجل الأغنيات الثلاث، وهى "آه لو تدرى بحالى" من كلمات الشاعر عبد الوهاب محمد، و"بينى وبينك" و"أمشى إليك" من كلمات الشاعر اللبناني الأثير لدى فيروز جوزيف حرب، وقد عقد السنباطى مؤتمرا صحفيا آنذاك في فندق "البريستول"، وتحدث عن هذا التعاون معرباً عن سعادته بهذه الأعمال، ومؤكدا أنه سيجرى المزيد من البروفات مع فيروز لتخرج القصائد في أبهى صورة.

بعد أقل من عام توفى السنباطى، واشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية، وبدأت تفاصيل هذا المشروع الفني في التلاشي مشروع، رغم تأكيد الشاعر الراحل جوزيف حرب أن فيروز سجلتها بالفعل، وقد قام بتوزيعها الموزع الموسيقى اللبناني توفيق الباشا، ولكن دونما سبب أحجمت جارة القمر عن غناء تلك الروائع التى ظلت تسجيلاتها متداولة بين هواة الطرب السنباطى، مشفوعة بصورة تجمع بين السنباطى وفيروز أثناء بروفة لتلك القصائد.

وقبل وفاته تحدث الفنان أحمد السنباطى مرارا عن تلك الأغنيات دون تعليق من فيروز، ليزيد الغموض أكثر عن مصيرها، فهل تكون جارة القمر قد أحجمت عن الغناء للسنباطى خوفا من مقارنتها بالأعمال الخالدة التي أبدعها السنباطى لكوكب الشرق أم كلثوم، فأغاني فيروز التي لحنها لها الرحابنة كانت تتميز بقصرها، مقارنة بالأغاني التي كانت تغنيها لأم كلثوم وتمتد لأكثر من ساعة أو ساعتين، وإذا تمت مقارنة تجربة السنباطى مع فيروز التى لم تكتمل بتجربة عبد الوهاب، فإن التجربة الوهابية قد ارتدت ثوباً رحبانياً في توزيعها، وهو ما صادف نجاحها.

كما أن انفصال فيروز عن عاصي، وهو الأب المؤسس لهذه المدرسة جعلها تفكر بصورة متعمقة قد تميل أحياناً إلى التردد قبل الشروع في عمل فني جديد، حتى خلال تجربتها مع نجلها زياد، فقد شرعت في التفكير خمسة أعوام قبل أن تغنى أشهر أغنياته لها "كيفك إنت" .

وعلى كل فإن تحقيق كروان الشرق لعمل من أعمال السنباطى الأخيرة، وإحجام جارة القمر عن البت في قصائد السنباطى الثلاث، لا يزيد أو ينقص من مسيرة هذا الموسيقار الكبير، بقدر ما أضاف وسيضيف الكثير لمعجبيه إن حققتها فيروز ذات يوم.


.


.


.


.


( رياض السنباطي - بيني و بينك خمرةٌ و أغاني )


آه لو تدري بحالي - رياض السنباطي


أسير الأصالة -- أصابعي منك في أطرافها


فايزه احمد - لا ياروح قلبى انا

الأكثر قراءة