مشرفة بمرصد الأزهر ترصد قضية التحرش وتقدم قراءة في بيان الإمام الأكبر

4-9-2018 | 17:00

علياء خطاب مشرفة بمرصد الأزهر

 

شيماء عبد الهادي

قالت علياء خطاب مشرفة وحدة بمرصد الأزهر ل مكافحة التطرف ، إنه في أكتوبر من العام الماضي تفاعل ملايين النساء مع هاشتاج Me_too "أنا أيضًا"، الذي انطلق من الولايات المتحدة الأمريكية عقب فضائح جنسية متكررة؛ وكان بمثابة صرخة مدوية استرعت انتباه العالم كله، ولفتت الأنظار إلى الخطر المحدق، الذي بات يهدد نصف البشرية الممثل في المرأة.

وأضافت، أن هذا الخطر الذي تتجلى تمثلاته وآثاره على المرأة في كل موقف تغلب فيه الرغبة الذكورية على العقل، وتتراجع فيه الرجولة أمام غريزة الشهوة الجنسية، ويزداد وقعه على المرأة كلما شعرت بعجزها عن الحصول على حقها عبر التصريح أو الاعتراض؛ ذلك لأن العرف والاعتبارات المجتمعية كثيرًا ما يدفعان الجاني للاستئساد عليها، لتيقنه من أن مساءَلته عن سلوكه بالمتحرَش بها سيسقط بصمتها وخوفها من جلد العرف لها واتهامها بأنها شريكة له في الجُرم ومجلبة للعار.

"ربما كان هذا الهاشتاج فرصة كبيرة للفتيات والسيدات للفضفضة وللحديث عن الممنوع والمحرم (التابوهات) عبر منصات التواصل الاجتماعي"، تقول علياء، مشيرة إلى أن لغات التغريدات بهذا الهاشتاج اختلفت، لكنها اتفقت في مضمونها من تصوير للوضع غير الأخلاقي الذي تتعرض له المرأة في كل السياقات الدينية والثقافية والاجتماعية، من اعتداء وانتهاك واغتيال لكرامتها الأنثوية ولخصوصيتها الجسدية، تحت مسمى "التحرش الجنسي".

وقالت "لم تسلم أيضًا المجندات في العديد من جيوش الدول الغربية من المعاناة من تلك الظاهرة بين جدران الثكنات والمؤسسات العسكرية في جيوش دول عظمى كأمريكا وألمانيا وبريطانيا وإسرائيل.....، لكنهن آثرن الصمت، وذلك بسبب خوفهن من الإضرار بمسيرتهن المهنية، ولا يختلف الأمر كثيرًا في دوائر العمل في العديد من دول الغرب".

تتابع، "من واقع ما سبق يتضح أن ظاهرة التحرش هي ظاهرة عالمية تضرب بعيدًا في عمق التركيبات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية؛ قد تختلف سياقاتها المجتمعية والدينية والثقافية، لكن ثمة قاسمًا مشتركًا يتمثل في الدافع النفسي المحرك لتلك الظاهرة لدى المتحرش، وهو تعزيز شعوره بالقوة والسيطرة، وانتشاؤه كشخصية سيكوباتية، باستباحة وافتراس جسد ضحيته باللفظ أو بالفعل أو بكليهما، في حالة من الخلل النفسي بسبب كبت جنسي، أو رغبة في تفريغ غريزة شهوانية، دون تحكم أو ضبط.

تلك الشهوة التي قد تدفعه إلى أن يعتدي على من يحاول أن يتصدى له أو يضيع عليه فرصة الاستحواذ على فريسته، حتى إن الأمر قد يصل به إلى أن يقتل من يعترض طريقه ويعوقه عن اللوذ بفريسته، كما حدث مؤخرًا في مصر في واقعة الإسكندرية".

وفي قراءة لبيان الأزهر حول التحرش الجنسي، أكدت  علياء خطاب ، أن البيان التاريخي الذي أصدره الأزهر الشريف وإمامه الأكبر منذ بضعة أيام ضد ظاهرة التحرش بدا واضحًا كيف أن فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب قد جعل من "خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها" استحقاقًا لا يمكن المساس به، أو الاستهانة به، أو التفريط فيه.

وذكرت أن فضيلة الإمام الأكبر يرى التحرش "جريمة مكتملة الأركان"، الجاني فيها مدان؛ لا مسوغ لجريمته ولا مبرر لتعديه على الأعراض والمحرمات.

واعتبر البيان "أن تجريم التحرش والمتحرِش يجب أن يكون مطلقًا ومجردًا من أي شرط أو سياق، فتبرير التحرش بسلوك أو ملابس الفتاة يعبر عن فهم مغلوط؛ لما في التحرش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها، فضلًا عما تؤدي إليه انتشار هذه الظاهرة المنكرة من فقدان الإحساس بالأمن، والاعتداء على الأعراض والحرمات". وهو ما يؤكد بما لايدع مجالا للشك أن المرأة مطلقًا على اختلاف عرقها ودينها وثقافتها وزيها ليست مستباحة بأي حال من الأحوال.

وأردفت "لقد نأى الأزهر عبر هذا البيان بزي المرأة أن يكون مسوغًا للتطاول والاعتداء عليها، واختزال التعامل معها على كونها خريطة جنسية تختزن الإثارة في تفاصيلها وتضاريسها، ويتخذ الرجال من فتنتها وازعًا لتفريغ شهواتهم المكبوتة والانتصار بالأنا الذكورية على جسدها وكيانها الإنساني والنفسي، وكأنها لا تعدو إلا أن تكون حقلًا جنسيًا".

وقالت إن التاريخ والواقع يثبتان أن العلاقة بين زي المرأة والتحرش بها هي علاقة لا يمكن حصرها أو قياسها طرديًا أو عكسيًا، ولا يمكن اعتبارها معيارًا لقياس تنامي ظاهرة التحرش أو انكماشها في أفغانستان التي تصدرت في الإحصائيات العالمية قائمة أكثر الدول تعرضًا للتحرش، على الرغم من ارتداء السواد الأعظم من النساء ليس فقط للحجاب وللنقاب، ولكن للبرقع أيضًا؛ لم يشفع هذا الزي للمرأة الأفغانية ولم يحمها من تطاول المتحرشين وتعديهم باللفظ والفعل وأحيانًا بالاغتصاب.

واستطردت: في الدوائر الحكومية الأفغانية وفي المدارس والمستشفيات والشوارع والميادين وغيرها من الأماكن العامة لا يفرق المتحرش بين امرأة ترتدي الجينز وأخرى توارت تمامًا خلف برقعها، كلتاهما تتعرضان للاغتيال الجسدي لفظًا أو فعلاً وكلتاهما لا خيار أمامهما سوى الصمت والخجل من ذنب لم تقترفاه، ومن عار تخشيان أن يلحق بهما إن تفوهتا بشكوى.

يتبين من الواقع المصري في حاضره وماضيه أن الزي براء من اتخاذه مسوغًا للتحرش، ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لم يكن الحجاب منتشرًا في الحياة المصرية وفي الجامعات والأماكن العامة، وبالرغم من ذلك لم يكن التحرش في مصر إبان تلك الحقبة التاريخية يمثل تهديدًا أو خطرًا، لأن جوهر الدين والرادع الأخلاقي والوعي المجتمعي والقيم السائدة آنذالك- وليس الزي- هى التى صاغت  دستور التعامل مع المرأة.

وترى علياء أن بيان الأزهر الشريف يؤكد ما ذكرته آنفًا، فقد جعل مؤشر تحضر ورقي المجتمعات يرتفع وينخفض حسب تعامله مع المرأة والتأدب معها، واحترام كينونتها الإنسانية مطلقًا، بغض النظر عن اختلافات السياق الذي تنحدر منه وعن ملبسها ومظهرها، المرأة التي تحدث الأزهر عنها في بيانه هي الجنس الأنثوي على الإطلاق، هذا الكائن المعتبر في كل الأديان والمفترى عليه في كثير من الأعراف، رسالة الأزهر للمرأة في العالم أجمع تنفي عنها أن تكون شريكة في جرم لم ترتكبه، أوتدفع فاتورة سلوك غير أخلاقي هي ضحيته.

مادة إعلانية

[x]