من ألماظة لميدان سفير

4-9-2018 | 15:20

 

انسَ حكاية السيارات ذاتية القيادة وكل هذا الكلام العلمي الفارغ، ولا تتوقف كثيرًا أمام "شينكانسن" اليابان الذي صدعوا به رؤوسنا بين وصفه بـ"الطلقة" مرة، ونعته بـ"الصاروخ" أخرى، وما يباهون به من مستوى أمان غير مسبوق، وراحة لا مثيل لها، وتأمين ضد الزلازل لو وقعت أثناء سيره (آه والله)، فالحامي هو الله.

فنحن - بعون الله ولا فخر وبكل تواضع - لدينا ترام مصر الجديدة القادر على قطع المسافة بين ألماظة وميدان سفير دون سائق أو راكب أو مفتش أو مدقق أو محصل أو أمين شرطة أو موظف أمن أو فني، أو حتى مخلوق يسأله ويتسوقفه ويقول له "ثلث الثلاثة كام"؟!

فيوم أمس الإثنين سار ترام مصر الجديدة من مقر الصيانة في منطقة ألماظة - دون توقف - حتى وصل ميدان سفير، صحيح أن الترام كان مزودًا بسائق، إلا أن السائق كان مسلوب الإرادة غير قادر على التدخل في إرادة الترام أو خط سيره أو قراره بدهس ثماني سيارات دهسًا شاملًا، وإصابة أربعة أفراد بعدما خرج الترام عن القضبان، ناهيك عن الأزمة المرورية الطاحنة في حي مصر الجديدة برمته.

أعداء النجاح وكارهو التفرد يقولون إن هذه مصيبة، وهم لا يرون سوى الوجه القبيح المزري المهترئ، الكاشف لانعدام كامل وتام وشامل لأي معايير أمان، أو أي قواعد مهنية عملية للعمل أو أي قيم بشرية عن الضمير أو المعرفة، أو كيفية التعقل قبل أن تتوكل.

وما جرى هو أن الترام كان يخضع لأعمال صيانة في ورش الصيانة في ألماظة حين "فوجئ" العمال والفنيون بتفريغ هواء الفرامل، وهو ما نتج عنه انطلاق الترام في طريقه إلى ميدان سفير قاطعًا مسافة تزيد على كيلومتر كامل (بحسب خرائط جوجل)، ولم يتوقف الترام بفعل نجاح أياد بشرية في توقيفه أو السيطرة عليه، ولكنه توقف بسبب خروج إحدى عرباته عن القضبان واصطدامها بثماني سيارات في ميدان سفير.

والمثير أن الرحلة التاريخية التي ستخلدها ذاكرة الوطن والأوطان المجاورة شملت نجاح الترام في عبور أكثر من مزلقان في رحلته من ألماظة إلى سفير في سلاسة بالغة وسهولة ملحوظة، باستثناء دهس بعض السيارات هنا وهناك.

وفي الواقع والحقيقة، فإن كل ما جرى بعد ذلك لم يلفت نظري؛ سواء إلقاء رجال الأمن القبض على السائق وخمسة من فريق الصيانة، ولا أن الشرطة تستجوب فريق الصيانة، ولا أن قوات من قسم مصر الجديدة انتقلت إلى مكان الحادث، (أو بالأحرى كيلومتر الحادث) لعمل حصر بالسيارات المدهوسة والمفرومة، والاستماع لأقوال مالكيها، ولا أنهم أجمعوا على أنهم فوجئوا بالترام التاريخي يمضي قدمًا دون توقف، ولا إنهم هرعوا في الهرب من سياراتهم للنجاة بأنفسهم وأسرهم.

ربما نتوقف قليلاً عند معلومة بالغة الأهمية ألا وهي أن الغرض من التحقيقات هو "الوقوف على أسباب الحادث"!

"أقولك" أنا أسباب الحادث "التاريخي" وغيره كثير مما لا يصل إلى حد المضي قدمًا من السيدة لسيدنا الحسين، أو من ألماظة لميدان سفير.

أولاً: أساليب العمل المهترئة في داخل الورش وأماكن العمل بصفة عامة؛ حيث لا قواعد أمان للبشر أو الماكينات أو يحزنون.

ودعونا نركز مثلاً في المشاهد المذهلة التي نراها - ولا تستوقفنا - لعمال يركبون لوحات إعلانية ضخمة على الطريق دون أدنى تأمين، مثلهم مثل عمال تركيب التكييفات وغيرهم، وكم من حادث نصنفه تحت بند "قدر الله وما شاء فعل" لعامل يسقط في منور عمارة، وآخر يهوي على الطريق السريع دون محاسبة للقتلة.

ثانيًا: الضمير المطاطي القابل للمط الشديد؛ حيث يتسع للعمل "كلشنكان" أو للانكماش الرهيب؛ حيث لا يعمل العامل من الأصل لأسباب عدة، تتراوح بين "على قد فلوسهم"، و"إياكش تولع"، و"إيه المشكلة يعني؟!"

ثالثًا: مفهومنا المصري المذهل لفكرة البركة والمشيئة؛ فأنا أريد وأنت تريد والله يفعل ما يشاء، ومن ثم فإن البعض يفسر ذلك بأن حكاية إتمام الأعمال بحرفية ومهنية، وطبق قواعد منصوص عليها، والتأكد بعد الانتهاء منها أنها تعمل دون عوار أو عطل، بأنه تدخل في المشيئة، وتقليل للبركة.

رابعًا: وارد في كل بلاد العالم أن يكون هناك عامل أو موظف أو مدير معدوم الضمير أو متهاون أو متواكل أو بليد أو كسول، لكن في مقابل ذلك هناك بدل المنظومة الواحدة للمراقبة والمتابعة والمحاسبة عشرات.

وأتذكر في زيارة أخيرة لسويسرا - وتحديدًا في أحد مصانع تعليب كريمة شوكولاتة شهيرة - تابعت كيف أن العبوة الواحدة تخضع لستة أنظمة تأكد من أن العبوة سليمة مائة في المائة، فما بالك بالسيارات والحافلات والقطارات وغيرها.

مقالات اخري للكاتب

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

مادة إعلانية