روشتة لـ"اللحاق بمعجزة الصين"

2-9-2018 | 23:51

 

جاءتني فكرة كتابة هذه "الروشتة"، لتقديمها هدية لدول نامية، ومنها مصر، بعد ظهر يوم الأحد 12 أغسطس الماضي، في أثناء زيارتي القصر الصيفي، أكبر وأكمل حديقة إمبراطورية باقية في الصين حاليًا، بضاحية بكين الشمالية الغربية.

يعتبر القصر الصيفي من أروع المواقع السياحية ليس في الصين فحسب؛ بل في العالم، لن أنسى- ما حييت- منظرًا طبيعيًا فريدًا لحظة عبور بحيرة القصر من الشرق إلى الغرب، مترجلًا، فوق جسر مشهور، ذي 17 فتحة على شكل قوس.

في أثناء الزيارة، كان القصر الصيفي مزدحمًا جدًا بزائرين، جاءوا من كل فج وصوب، هربًا من أعلى متوسط صيفي لدرجة الحرارة تشهدها الصين منذ عام 1961، ولرؤية تحفة معمارية ومعلم سياحي وتراثي صيني، بناه في عام 1750 الإمبراطور تشيان لونج تكريمًا لوالدته في عيد ميلادها.

تعرض القصر للتخريب مرتين، المرة الأولى في عام 1860 عندما حرقته القوات البريطانية - الفرنسية المتحالفة، وتم إعادة تعميره، ليتعرض مرة أخرى للتخريب على أيدي قوات تحالف الدول الثماني في عام 1900، وأعيد تعميره في عام 1902، ليظل على حاله وفخامته ورونقه كمتحف للحدائق حتى وقتنا.

تظهر آخر الأرقام أن صناعة السياحة المحلية في الصين حققت عائدات بقيمة 2.45 تريليون يوان ( 358.9 مليار دولار أمريكي) خلال النصف الأول من العام الحالي، 2018، بزيادة 12.5% على أساس سنوي.

وخلال النصف الأول من العام الحالي، قام سياح صينيون بأكثر من 71.3 مليون رحلة خارجية، بزيادة 15%، كما شهدت الصين قيام سياح أجانب بنحو 23.8 مليون رحلة داخل البلاد، 76.7 % منهم من آسيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وألمانيا.

أيضًا، توضح أرقام عام 2017 أن عدد الزائرين المحليين (السياحة الداخلية في الصين) بلغ نحو 5 مليارات شخص، بزيادة 12.8% على عام 2016، وبلغ العدد الإجمالي للزائرين الوافدين والمغادرين 270 مليونًا، بزيادة 3.7%، وبلغ إجمالي إيرادات السياحة للعام نفسه، 5.40 تريليون يوان، (الدولار يساوى6.5 يوان) بزيادة 15.1%، كما بلغ إجمالي مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي 9.13 تريليون يوان، وهو ما يمثل نحو 11% من إجمالي الناتج المحلي، وتم توظيف 28.25 مليون شخص مباشرة، و79.9 مليون بشكل غير مباشر، يمثلون 10.28% من حجم القوة العاملة في الصين.

هذه الأرقام لنهضة القطاع السياحي في الصين، قصدت إبرازها ضمن ما سأعرضه- لاحقًا- من مؤشرات عما يمكن وصفه بمعجزة الصين الاقتصادية، التي كنت محظوظًا أنني عايشتها، وكنت شاهدًا على مسيرتها، على مدى 20 عامًا، وبالتحديد، منذ زيارتي الأولى للصين في شهر يونيو من عام 1997، لتغطية حدث القرن بعودة هونج كونج إلى الوطن الأم.

ومن حسن الطالع، أن يتزامن نشر مقالي اليوم مع بدء أعمال قمة منتدى التعاون الصيني- الإفريقى، في بكين، تحت عنوان: الصين وإفريقيا.. نحو مجتمع أقوى ذي مصير مشترك للبشرية من خلال التعاون المربح للجانبين.

وتعد مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي بداية مبكرة لتولي مصر الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي، وتحمل مسئوليتها تجاه علاقات إفريقيا مع العالم، وفي المقدمة جمهورية الصين الشعبية.

فالصين سوف تصبح، على الأرجح، أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030، بعد أن حققت خلال الـ 40 سنة الماضية، وبالتحديد، منذ تبنيها سياسة الإصلاح والانفتاح، العديد من الإنجازات العظيمة، خاصة فى المجال الاقتصادي، بشهادة نائب رئيس البنك الدولي وكبير اقتصادييه، السيد لين يى فو، الأستاذ والعميد الفخري لمعهد بحوث التنمية الوطنية، ومدير مركز الاقتصاد الهيكلي الجديد في جامعة بكين.

فى بداية تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978، حدد الزعيم الصيني الكبير دنج شياو بينج هدف مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي أربع مرات خلال 20 سنة، مما يتطلب تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي بنسبة 7.2%، وقد تحقق هذا الهدف قبل الموعد المحدد.

وارتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 155 دولارًا أمريكيًا فى عام 1978 إلى 8863 دولارًا فى عام 2017، وتصنف الصين حاليًا ضمن الدول ذات الدخل المتوسط للفرد في العالم، من منظور الاقتصاد الكلي، تجاوزت الصين اليابان وأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم عام 2009، وتجاوزت ألمانيا وأصبحت أكبر دولة مصدرة في العالم عام 2010، وتجاوزت الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت أكبر دولة في تجارة السلع بالعالم في عام 2013، وخلال هذه المسيرة تم تخليص أكثر من 700 مليون صين من الفقر.

يرى السيد لين يي فو أنه يمكن بسهولة تسويق معجزة الصين التنموية بين البلدان النامية، ومنها الإفريقية بطبيعة الحال، للاستفادة منها، وقال نصًا: حتى الآن لم أشهد قط أي دولة نامية حققت الازدهار من خلال تنفيذ السياسات وفقًا لنظريات الدول المتقدمة.

في مقال منشور بمجلة الصين اليوم، يقول السيد لين يي فو، نصًا: لذلك يمكن للصين، كدولة نامية، استنادًا إلى نجاحها، أن تقدم مساعدة نظرية للدول النامية الأخرى، فنظريات الدولة المتقدمة مستمدة من خبرات الدول المتقدمة، وجميعها يفترض ظروفًا اقتصادية معينة غير موجودة في الدول النامية، علاوة على ذلك، تتغير أيضًا ظروف الدول المتقدمة، والنظريات من تلك الدول في تغير مستمر، ولبعضها تأثير يصعد ولبعضها تأثير يقل في أوقات مختلفة.

السنوات الأربعون الماضية من الإصلاح والانفتاح سمحت للصين بتطوير نظرية مستمدة من واقعها وممارستها، والتي أتاحت للصين التعلم من ماضيها وحاضرها وتوجيه مستقبلها، ويمكنها- أيضًا- أن تساعد الدول النامية الأخرى على تحقيق الازدهار مثل الصين.

تلك هي نصيحة من كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، بقي أن أشير إلى أن الصين، حتى تبلغ هذه المعجزة، خصصت 2.1% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، أي 1.54 تريليون يوان (نحو 233 مليار دولار في عام 2016) للإنفاق على البحوث والتطوير، وأسهمت الشركات فيه بأكثر من 78%.

أيضًا، فقد تنبهت قارة أوروبا، ودولها هي الأكثر تقدمًا، بما حققته الصين من معجزات اقتصادية، فقررت اللحاق بقطارها السريع، لتشهد خدمات قطارات الشحن بين الجانبين، والتي تعد جزءًا محوريًا من مبادرة الحزام والطريق، نموًا سريعًا في عدد الرحلات ليصل إلى 10 آلاف رحلة، حاملة الملابس وقطع غيار السيارات والمواد الكيماوية، وغيرها من المنتجات الصينية إلى المستهلكين الأوروبيين، بينما جلبت خلال عودتها الأطعمة الأوروبية والآلات والمعدات والمنتجات الخشبية.

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

رييوا.. 2050

اليوم، أختتم سلسلة من مقالات، بدأتها في نوفمبر الماضي، بـ إطلالة على عصر الـ"رييوا"، الجديد، في اليابان، عقب عودة من زيارة لطوكيو، تزامنت مع أجواء ومراسم احتفالية عامة أقيمت هناك لتتويج الإمبراطور ناروهيتو، وقرينته الإمبراطورة ماسكو، واستعراض موكبهما، في ضواحي العاصمة.

رييوا .. عصر إنصاف المرأة اليابانية

مع بدء عصر الـ رييوا، في أول مايو 2019، باليابان، الذي قد يمتد إلى مشارف عام 2050، تتعلق آمال المرأة اليابانية، بأن يشملها العصر الجديد، بقدر من الإنصاف، وتضييق الفجوة مع الرجل في المشاركة الاقتصادية والتمكين السياسي.

رييوا - "فوجينوميا": المحبة لا تسقط أبدا

اليوم، أستكمل ما كتبته في مقالي السابق، بخصوص توقعات المراقبين بأن تشهد العلاقات الثنائية المصرية - اليابانية قمة التناغم والانسجام، في عصر الـ "رييوا" الذي بدأ رسميا في أول مايو عام 2019، وأروي وقائع محددة رأيتها – بنفسي - في مدينة "فوجينوميا"، خلال زيارتي لليابان، في أوائل شهر نوفمبر الماضي.

"رييوا".. قمة الانسجام بين القاهرة وطوكيو

معطيات كثيرة تؤكد أن العلاقات "المصرية - اليابانية" سوف تشهد قمة الود والقوة والمتانة والتناغم والانسجام، والعمل الثنائي المشترك؛ لتحقيق التطلعات المشروعة للشعبين الصديقين، في عصر "رييوا"، الذي بدأ أول مايو 2019.

"رييوا" والشرق الأوسط.. رؤية ميدانية

بإقرار إرسال قوات الدفاع الذاتي اليابانية للشرق الأوسط، يوم الجمعة الماضي، تطبق طوكيو، فعليا، أحقيتها في استخدام القوة المسلحة في الدفاع لتمييز سياستها الخارجية، في عصر الـ" رييوا"، الذي بدأ في أول مايو عام 2019 - عما سبقه.

الأكثر قراءة