بعد تصريح أزهري بأن المنتحر ليس بكافر.. علماء دين: لم يخرج عن الملة

29-8-2018 | 18:47

انتحار

 

إيمان فكري

فجر تصريح الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، بأن المنتحر ليس بكافر، جدلاً واسعًا؛ حيث قال إن الانتحار جريمة منكرة وكبيرة من الكبائر، وإن فاعله ليس بكافر أو خارج عن الملة، وذلك بإجماع الأئمة الأربعة، وبالتالي يغسل ويكفن وتصلي عليه صلاة الجنازة ويدفن في مقابر المسلمين، وهذا إجماع أهل السنة في الأزهر الشريف، مؤكدا أن المنتحر لم ينكر معلومًا من الدين بالضرورة، ولكنه أقدم على قتل نفسه وخالف فقط قول الله تعالى "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا"، موضحًا أن بعض الفقهاء أكدوا أن المنتحر قد يدخل النار دون أن يخلد فيها.

المنتحر آثم
وبعد تواصل "بوابة الأهرام" مع الدكتور أحمد كريمة، أكد للمرة الثانية أنه لا يجوز تكفير المنتحر بإجماع من الأئمة الأربعة، حيث إن هناك ذكرًا للحكم الفقهي الموجود في المصنفات الفكرية لأئمة الفقه بالرجوع إلى مصطلح "انتحار" في الموسوعة الفكرية الكويتية والمصرية، فإن الفقه قرر أن المنتحر آثمًا وفاسقًا وعاص مرتكب كبيرة من الكبائر، وهناك أخبار وتهديد بالعذاب والعقاب.

في سياق متصل يوضح "كريمة" في تصريحاته، أن الموسوعة الفكرية المصرية والكويتية قررت عدم تكفير المنتحر، وذلك لأنه لم يجحد ولم ينكر أصلاً من أصول الإسلام وله قاعدة من قواعد الإيمان، وعليه فهو مسلم عاص يغسل ويكفن في مقابر المسلمين، وفي الآخرة حسب المشيئة الإسلامية على مذهبنا في السنة والجماعة "إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذبه".

ويشير إلى أن يحمل امتناع الانتحار لمزيد من الترهيب والتهديد، مستشهدًا بما رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان "لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر مع رجل من قومه فاجتووا المدينة، أي كرهوا جوها، فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهينته حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له ما صنع بك ربك؟ فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال مالي أراك مغطيا يديك؟ قال قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على الرسول صلى الله عليه وسلم فقاله له اللهم وليديه اغفر".


واتهم من يشذ عن أن المنتحر ليس بكافر بأنهم ما إلا بعض من "جهلة المتسلفة الوهابية" ، ونوه أن عدم تكفير المنتحر لا يتيح فرصة التشجيع على الانتحار، لافتا إلى أنه يجب زيادة التوعية بخطورة جريمة الانتحار، وأن الله حرم قتل النفس عمدا.

المنتحر مريض نفسي
واتفق معه الدكتور محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية؛ حيث قال إن الانتحار حرام شرعا، حيث إن الله سبحانه وتعالى كرم نفس الإنسان، لافتا إلى أن المنتحر قام بارتكاب جريمة وخطأ في حق نفسه وهذا فعل شنيع وفاسق آثم، موضحا أنه يعد فعلًا شنيعًا لأن المنتحر تمرد على قضاء الله سبحانه وتعالى ولم يصبر على القضاء والقدر، ولكنه لا يعد كافرًا نظرًا أنه لم يخرج عن الملة، ومن ثم يصلي عليه ويدفن مع المسلمين.

أضاف الجندي في تصريحات "بوابة الأهرام"، أن المنتحر هو "مريض نفسي" غير متزن بالمرة ويكون غير مدرك لما يفعله في ذلك الوقت، مردفًا " الاعتراض على قضاء ربنا ليس بكفر، فإذا رسب طالب في الامتحان أو تعرض لشخص لبعض ضغوط الحياة والهموم ومنهم من يصل لحالة اليأس فلا يستطيع التحمل فيقبل على الانتحار، فهم غير راضين على ما يحدث لهم ومعترضون على قضاء ربنا ولكنهم ليسوا بكافرين، فالله رحيم بعباده لذلك ندع الحكم بالكفر لله سبحانه وتعالى".

متى يجوز إطلاق لفظ "كافر"
وأوضح أن الحالة التي تسمح إطلاق لفظ كافر على شخص، هو الخروج عن الملة وهو في كامل وعيه وبإرادته دون الضغط من أحد، فيكون قلبه مطمئن بنطق كلمة "الكفر، منوهًا أن عدم تكفير المنتحر لا يشجع على الانتحار إطلاقا، حيث إن الإسلام حذر الإنسان من قتل النفس والمحافظة عليها لأن نفس الإنسان ثمينة وهناك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحذر من قتل النفس.

وذلك كما روى الإمام مسلم في صحيحة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا"، وشدد على عدم جواز أن يصدر أي شخص إفتاء من تلقاء نفسه؛ حيث إن الفتاوى الخاطئة من البعض مثل ما أصدر أن المنتحر كافر جعل الكثير لديه اقتناع تام بأن المنتحر يعد شخصًا خرج من الملة وهو كافر.

لا يجوز تكفير المنتحر
كما اتفق معه الشيخ محمد القويسني عالم بوزارة الأوقاف؛ حيث أكد أن المنتحر هو شخص عاص يعترض على قضاء الله سبحانه وتعالي، ولكنه ليس بكافر ولا يجوز تكفير أي شخص، موضحًا أنه لا توجد أدلة شرعية تصرح بأن الانتحار هو كفر صريح، موضحًا أن حالة الكفر تكون إذا خرج عن الملة وعدم الاعتراف بوجود الله.

ونوه "القويسني" في تصريحات لـ "بوابة الأهرام"، أنه لا توجد دلالات شرعية تصرح بأن الانتحار هو كفر صريح، مستشهدًا بالحديث النبوي "من شرب سما، فقتل نفسه، فهم يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردي من جبل، فقتل نفسه، فهو بتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا".

وأضاف أن إذا أقدم المنتحر على الانتحار وهو يجهل أنه حرام شرعًا فقد يغفر له الله، أما إذا كان يعلم أنه حرام ويعي بما يفعله فلا يجوز وسيعاقب، لافتًا إلى أن الله سبحانه وتعالى حذر من قتل النفس في قوله تعالى "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" وكذلك في قوله تعالى "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره".

يجوز تكفيره في هذه الحالة

فيما أكد الدكتور عطيه لاشين أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، أن يكون المنتحر "كافرا" إذا وجدت قوائم تدل على كفره فهو كافر، موضحًا أنه إذا وجد بجانب المنتحر ورقة مكتوب بها بأنه يسخط أو معترض على قضاء الله يكون مات على كفر في هذه الحالة، أما إذا لم يوجد دليل على كفرة لا يجوز تكفيره.

وقال لاشين لـ "بوابة الأهرام"، إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًًا مخلدًا فيها أبدًا"، لم يحمل على حقيقة كفر المنتحر، بل خرج مخرج التهديد والترهيب، لافتا إلى أنه من قتل نفسه متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا مخلدًا فيها.