جريمة الـ24 ساعة.. شروط تحرير محاضر الغياب تمكن المجرم من الضحية.. وخبراء أمن: تعليمات إدارية وليست قانونا

28-8-2018 | 21:19

خطف الأطفال

 

داليا عطية

تعددت الجرائم في المجتمع فشهدت الأيام الماضية وقائع تتبرأ منها الإنسانية لقتل أطفال أبرياء بطرق مؤلمة، منها الشنق والدفع بهم في مياه النيل، كما شهدت أيضا جرائم خطف واغتصاب وتحرش.. تقف "بوابة الأهرام" أمام كل ذلك وتتساءل حول انتشار العنف في المجتمع وتختلف الرؤي والتحليلات.

فمنهم من أشار إلي الفن والإعلام وآخرون أشاروا إلي أساليب مكافحة الجريمة وتباطؤ إصدار الأحكام، إلا أن هناك سببًا آخر تعلق بكيفية التعامل مع بلاغات الغياب التي يتقدم بها المواطنون إلي أقسام الشرطة وأن اشتراط بعض الأقسام مرور 24 ساعة علي غياب المواطن لبدء تحرير محضر يُعد سببًا في ارتكاب جريمة وتعريض حياة المواطن للخطر وهو ما أكده خبراء علم الاجتماع ودلل عليه حقوقيون بحالات راحت ضحية الـ "24 ساعة" إذ يشهد هذا التحقيق جريمة كاملة تم ارتكابها في أقل من ساعة..

ولكن المفاجأة التي تسردها السطور التالية هي أن اشتراط أقسام الشرطة مرور 24 ساعة علي المواطن المتغيب ليتم تحرير محضر بغيابه ليس إلا مجرد تعليمات إدارية لا ينص عليها القانون، وهو ما أكده محامون بالنقض وقيادات أمنية قائلين :" هذا عُرف سائد لإعطاء فرصة للأهل أن يجدوا أطفالهم وعدم إزعاج السلطات".

الفن يهدد أمن المجتمع

تقول الدكتورة سامية الخضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" أنها آسفة لظهور جرائم لم نكن نسمع عنها من قبل فمتي كان الآباء يقتلون فلذات أكبادهم والفتيات يعانين التحرش بشكل دائم والأطفال يتعرضون للخطف ليتم الاتجار بهم وتجنيدهم لجني الأموال عن طريق التسول في الشوارع وإشارات المرور .

وتشير إلي الفن فتقول إنه العامل الأول والرئيسي في الانفلات الأخلاقي الذي يعانيه المجتمع فهو يؤثر في سلوك الأفراد أكثر من الأسرة ذاتها لأن الأسرة تجتمع أمام التلفاز لتشاهد فيلمًا أو مسلسلًا فتنتقل آثار هذا العمل إلي جميع أفرادها والفن الآن أصبح عارضًا لمشاهد العنف والقتل والتحرش بل ومُجسدًا للجرائم فنراه يعرض تفاصيل واقعة اغتصاب فكيف للمجتمع الذي يشاهد ذلك أن يحتفظ بحيائه وأخلاقه :" نحن نتلقي الثقافة من الفن،  فقديمًا كنا نري القيم والمبادئ في الأعمال المعروضة ونتعلمها من فيلم أو مسلسل،  أما الآن فالفن يعرض ما يدمر الثقافة ويُعلم الشباب العنف والقتل والسرقة وكيفية تعاطي المخدرات بل والتجرؤ علي الآباء والحصول علي حق الغير بطرق ملتوية وكل هذه المشاهد تؤثر في سلوك من يراها دون أن يشعر"

الإعلام مسئول
في سياق متصل تتابع أستاذة علم الاجتماع تحليلها لانتشار الجرائم في المجتمع وتشير إلي عامل آخر تسبب في الانفلات الأخلاقي لكثير من المواطنين فتقول أن الإعلام لم يعد لديه قواعد فأصبحنا نشاهد برامج لا تحترم مشاهديها إذ تقدم محتوي ركيك ومذيعين لا يحترمون ضيوفهم بل وصل الأمر إلي التفوه بألفاظ خارجه وجريئة وهو ما يجعلني آسفة عندما أقول :" الفن والإعلام يقدمون قٌبحًا للمجتمع ويجب أن تتدخل الدولة في ضبطهم وإنقاذ المواطنين من الانفلات الأخلاقي الذي يتلقونه عبر الشاشات والذي يؤثر بلا شك على أمن المجتمع بل والأمن القومي .

وحول وقاية المجتمع من الجرائم التي انتشرت بكثرة منها القتل والتحرش والاغتصاب وأيضا الخطف لفتت "الخضر" إلي سرعة التحرك مع بلاغات الغياب التي يتم تحريرها وعدم انتظار 24 ساعة على غياب المواطن لبدء تحرير المحضر ومن ثم بدء تشكيل قوة من المباحث للبحث عنه لأن في تحركهم السريع إنقاذا لجرائم كثيرة يمكن أن تحدث لهؤلاء الغائبين :" دي روح مواطن وانتظار 24 ساعة علشان قسم الشرطة يحرر محضر بالغياب مدة كبيرة تُعرض حياته للخطر " وتابعت :" ممكن نستبدل ال 24 ساعة ب 8 فقط "

بلاغات الغياب تحتاج إعادة نظر
يتفق الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية مع "الخضر" في مساهمة بلاغات الغياب التي يتقدم بها المواطنين وترفض غالبية الأقسام تحرير محضر إلا بعد مرور 24 ساعة على الغياب وأن في ذلك خطورة على حياة المواطنين ومساهمة في زيادة ارتكاب الجرائم .

ويقول في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" أن جرائم القتل والتحرش والاغتصاب وأيضا التسول والانتحار كل هذه الجرائم تحدث بسبب غياب الوعي الثقافي والديني إضافة إلي تباطؤ الإجراءات القانونية مثل عدم التعامل بجديه مع بلاغات الغياب وانتظار الجهات الأمنية مرور 24 ساعة لبدء التحرك وفي أغلب الأحيان يكون الشخص الغائب قد فارق الحياة وراح ضحية لجريمة ارتكبها أحد المجرمين من أجل السرقة أو الإتجار بأعضائه أو الانتقام من أحد أبويه مطالبًا بتخفيض المدة المشترطة من 24 ساعة إلي 6 ساعات .

تباطؤ تنفيذ الأحكام
وفي السياق ذاته لفت إلي الأجهزة الأمنية مطالبًا بضرورة تطوير آليات مكافحة الجريمة وسرعة البحث عن المجرمين وضبطهم ووضع كاميرات مراقبة في كافة الطرق والشوارع الرئيسية وغير الرئيسة قدر الإمكان فضلًا عن ضرورة تفعيل القانون وعدم التباطؤ في تطبيق الأحكام، مؤكدًا أن المجرم إذا وجد عقابًا رادعًا لن يُكرر فعلته وسيكون عبرة لكل من تسول له نفسه ارتكاب جريمة أو الخروج عن القانون.

اختلفت رؤية خبراء علم الاجتماع حول أسباب انتشار العنف وزيادة ارتكاب الجرائم وتحليلهم لذلك فهناك من أشار إلي الفن والإعلام وهناك من أشار أساليب مكافحة الجريمة وتباطؤ إصدار الأحكام علي المجرمين وتنفيذها إلا أنهم اتفقوا علي أن هناك خطورة بالغة في بلاغات الغياب التي يتقدم بها المواطنون وتعيدهم أغلب أقسام الشرطة دون تحرير محضر بها لعدم مرور 24 ساعة على الغياب وهو ما جعل "بوابة الأهرام" تتساءل .. لماذا يشترط القانون مرور 24 ساعة قبل تحرير محضر بغياب مواطن ؟


يجيب ياسر سيد المحامي بالنقض علي ذلك لتكشف إجابته عن مفاجأة بأن هذا الشرط لا ينص عليه القانون وإنما مجرد تعليمات إدارية داخل الأجهزة الأمنية يتم العمل بها منذ سنوات طويلة .
ويوضح أن وزارة الداخلية تصدر بعض التعليمات إلي الجهات الأمنية وليس شرطا أن تكون هذه التعليمات لها نصًا في القانون ومن ضمن ذلك عدم تحرير محضر بالفقد أو الغياب إلا بعد مرور 24 ساعة علي الشخص المتغيب :" القانون لا ينص علي تحرير المحضر بعد 24 ساعة والأمر عبارة عن رؤية منطقية "

بعد أن علمنا أن رفض بعض أقسام الشرطة تحرير محضر بغياب مواطن الا بعد مرور 24 ساعة مجرد إجراء إداري فقط وأن القانون لا ينص علي ذلك تساءلنا حول هل يمكن لهذا الإجراء أن يتسبب في ضياع مواطن أو تعريض حياته للخطر ؟

جريمة في ساعة زمن
تقول الحقوقية انتصار السعيد مديرة مركز القاهرة للتنمية والقانون في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" إن اشتراط مرور 24 ساعة علي غياب الشخص لتقوم الجهات الأمنية بتحرير محضر بغيابه تعد مدة كبيرة وكافية لارتكاب جريمة كاملة بل وتخلص المجرم من أدواتها ودللت علي ذلك بإحدي القضايا التي شاركت في الدفاع عنها فتقول أن إحدي الأمهات ذهبت إلي أحد أقسام الشرطة بمحافظة الجيزة لتحرير محضر بغياب طفلتها التي تبلغ من العمر 7 سنوات إلا أنهم أخبروها في القسم أنها لا يمكنها تحرير المحضر وأنه يجب مرور 24 ساعة علي غياب الطفلة وبعد ذلك يتم تحرير المحضر وتتحرك قوة من المباحث للبحث عن طفلتها .


تتابع في سياق متصل أن أحد ضباط المباحث المتواجد في القسم استجاب لانهيار الأم وبكائها الذي لم ينقطع لحظه وتحرك للبحث عن الطفلة كاسرًا قاعدة مرور الـ 24 ساعة وتم العثور على الطفلة بعد ساعات قليله من البحث عنها لكن للأسف كانت جثة هامدة لا تحرك ساكنًا بعد أن قام أحد أصدقاء والدها وهو جارهم أيضًا ويبلغ من العمر 57 باختطافها والتعدي عليها جنسيًا ثم خنقها بفوطة مبلله وكشفت التحريات أن الجريمة حدث في ساعة زمن :" ما بين المغرب والعشاء كان المجرم ارتكب الجريمة وتخلص من أدواتها "


لماذا تتمسك وزارة الداخلية بتعليمات إدارية تذهب بحياة المواطنين وتعرضها للخطر ؟
يجيب اللواء علي العزازي مدير أمن الإسماعيلية السابق عن هذا السؤال فيقول في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" أن هذه التعليمات تم وضعها لأن حالات كثيرة تم الإبلاغ عن غيابها وبعد تحرك الأجهزة الأمنية علي إثر البلاغ المُقدّم اتضح أن الطفل كان يلعب مع أحد أصدقاءه ولم ينتبه للوقت أو أنه شخص كبير وذهب للتنزه وأيضا لم ينتبه للوقت لافتًا إلي أن حينها تكون القوات الأمنية استنزفت وقتًا وجهدًا في البحث وتعاملت بجدية منذ اللحظة الأولى من بلاغ الغياب وفي الأخير يتضح أنه ليس في خطر .

في سياق متصل يستكمل توضيحه لسبب وجود هذه التعليمات التي لا تتخطي كونها إدارية فقط فيقول إن 90% من بلاغات الغياب اتضح للأجهزة الأمنية أنها لا تستدعي التحرك الأمني منذ اللحظة الأولى :" بلاغات غياب كتير بتتقدم ويتضح للأمن في نهاية اليوم ان البنت كانت مع أصدقائها وبتقول لأهلها إنها كانت مخطوفة " ويتابع " احنا بنقدّر موقفها قدام أسرتها وبنضطر نقولهم نفس الكلام" ولمثل هذه الحالة وغيرها جاءت تعليمات إدارية من وزارة الداخلية لجميع الأجهزة الأمنية بعدم تحرير محضر غياب إلا بعد مرور 24 ساعة علي غياب الشخص المبلغ عنه للتأكد من أنه غائب بالفعل وعدم إهدار الجهد الأمني وهو ما يسمي "إزعاج السلطات"

هل يمكن إلغاء شرط مرور 24 ساعة علي غياب مواطن لبدء اتخاذ جميع أقسام الشرطة إجراء تحرير محضر علي الفور بذلك ؟
يقول اللواء مجدي البسيوني مساعد وزير الداخلية الأسبق في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" أن هناك خطورة من تباطؤ بعض أقسام الشرطة في اتخاذ إجراءات محاضر الغياب واتباع التعليمات التي تلزمهم بانتظار 24 ساعة قبل تحرير المحضر .

وأكد أن هذا الإجراء تم اعتماده قديمًا لظروف وملابسات معينة ولكن الوضع الحالي اختلف كثيرًا عن السابق فقد ازدادت الجرائم وتعددت أنواعها ودوافعها أيضا ولعل دافع السرقة كسرقة موبايل مثلا أو جهاز محمول أو مبلغ من المال أصبح سببا كافيًا لحدوث جريمة وقتل أبرياء .

وشدد علي ضرورة التخلص من فكرة انتظار 24 ساعة لبدء تحرك قوات الأمن مع بلاغات الغياب لأن في ذلك خطورة علي حياة المواطنين لافتًا إلي أن هناك فجوة بين بعض المواطنين وضباط الشرطة بسبب الانعدام الأمني الذي شهده المجتمع في أحداث ثورة 25 يناير وأن انتظار بعض ضباط الشرطة 24 ساعة لبدء تحرير محضر بغياب مواطن يتسبب في زيادة هذه الفجوة .

هل هناك بدائل للتحرك الفوري مع بلاغات الغياب وفي الوقت ذاته عدم إهدار الجهد الأمني ؟ هذا ما تساءلت عنه "بوابة الأهرام" لتجيب عنه السطور التالية :


يقول مساعد وزير الداخلية الأسبق أنه يمكننا بالفعل التحرك الفوري مع بلاغات الغياب وأيضا حفظ الجهد الأمني من الإهدار بل طالب بأن يتولي ضباط حقوق الإنسان المتواجدين داخل أقسام الشرطة المسئولية الأولية لبلاغات الغياب وذلك بأن يقوم هؤلاء الضباط بتحرير محاضر الغياب فور وجود المواطن في قسم الشرطة وفي الحال يقوم بمعرفة أوصاف الشخص الغائب وإخطار جميع الأقسام والمراكز الشرطية والمسطحات المائية بالمواصفات أو نشر صورة للمواطن الغائب

مشددا علي سرعة التعامل بجديه مع الإخطار بنشر صور ومواصفات المواطنين المتغيبين علي مستوي الجمهورية وبعد ذلك يقوم ضابط حقوق الإنسان باصطحاب أهل الغائب الذين أتوا للإبلاغ وتحرير محضر ويذهب بهم إلي ضابط المباحث ليتركهم معه يتولون مسئولية التحري عن سلوكيات الشخص الغائب :" كده انا عملت اسعافات اولية ونشرت صور الشخص الغائب وحررت محضر فور الإبلاغ عنه "

التحرك الفوري مع بلاغات الغياب
وتابع أنه بذلك تصبح ال24ـ ساعة الأولي من غياب أي شخص تجري فيها الأجهزة الأمنية بحثا حقيقيا عنه من خلال المواصفات التي قامت بنشرها في الحال وبعد مرور الـ24 ساعة يمكن لقوات المباحث أن تتحرك :" كده معملتش إجهاد للقوات الأمنية وفي نفس الوقت بحافظ علي حياة مواطن ممكن جدا تكون معرضة للخطر " مؤكدا أن اشتراط مرور 24 ساعة علي غياب شخص لبدء تحرير محضر إجراء غير قانوني وغير منطقي بالنسبة للوضع الحالي من غياب الوعي الديني والثقافي الذي ساهم في انتشار الجرائم .


"تعالي بكره"
يقول عوض النجار الشاب الثلاثيني الذي فقد ابنته نادية 11 عاما أنه بعدما تبين له غيابها عن المنزل لمدة تزيد على 4 ساعات توجه إلي قسم شرطة المرج لتحرير محضر بغيابها خاصة أنه يقرأ ويسمع عن حوادث خطف الأطفال وجرائم الاتجار بأعضائهم فذهب مسرعًا إلي القسم وقلبه يرتجف من الخوف مستنجدا بالشرطة في العثور علي ابنته إلا أنه فوجئ بأمين الشرطة يخبره بعدم إمكانه تحرير محضر بالغياب إلا بعد مرور 24 ساعة :" قاللي تعالي بكره اعمل المحضر"


يتابع في حديثة لـ"بوابة الأهرام" فيقول بنبره حزينة :" انا جبت واسطه عشان أعمل المحضر وأقابل رئيس المباحث وفي الآخر لقيناها جثة " مطالبًا بسرعة التفاعل من قِبًل أقسام الشرطة مع بلاغات الغياب وعدم التمسك بمرور 24 ساعة لأن في تحركهم الفوري أملا ولو 1% في إنقاذ حياة مواطن من الخطر .

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة