"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

28-8-2018 | 13:10

 
أتمنى من الجهات المسئولة والمؤسسات المعروفة والشخصيات المرموقة أن تأخذ نفسًا عميقًا وتنظر إلى المشهد الجاري بين "محمد صلاح" واتحاد الكرة.
وبعيدًا عن الكرة نفسها كرياضة – والتي لا وجود لها في المعركة الدائرة- فإنه يمكن القول أن ما يجري مع "صلاح" يشكل الخلطة السحرية والقوة الفعلية والوصفة بالعملية لتطفيش الكوادر المصرية الحقيقية والمواهب الوطنية الفذة بعيدًا عن أرض الوطن، إن لم يكن جغرافيًا فمعنويًا ونفسيًا وعصبيًا.

أعصاب ملايين المصريين المحروقة والمدهوسة والمهروسة تحت وطأة معاول الهدم النفسي الدائرة رحاها على رأس أيقونتهم الوحيدة المتبقية على "رف" الأيقونات كفيلة بأن تقول الكثير والكثير.

الغالبية لم تتوقف مليًا لتدقق في اللغة المستخدمة من اتحاد الكرة تجاه "صلاح"، لكن حدس هذه الغالبية يقول لها إنهم في صف محمد صلاح، وهذا الحدس ليس مبنيًا على عشق المحب الذي لا يرى في محبوبه إلا كل حق وخير وجمال، لكنه الحدس نفسه الذي هللنا له وباركنا لمحتواه، واحتار العالم في فهمه كثيرًا على مدى السنوات السبع الماضية.

هو نفس الحدس الذي جعل الملايين تتقهقر خطوة إلى الوراء بعد أسابيع من التجمعات الشعبية في ميدان التحرير، إذ بدأت مؤشرات وملامح ومظاهر تتضح في الأفق، لم تكن في حسبان الغضب الشعبي المشروع في البداية.

وهو نفس الحدس الذي دفع الملايين للتأكد من أن "جماعة الإخوان" ليست إلا كتلة إرهاب وفتنة وضغينة ومصالح تحمل الخراب لمصر. وهو نفس الحدس الذي جعل الملايين تمضي قدمًا في دعم جيشها والاحتماء به واستدعائه من أجل الخلاص.

وهو أيضًا نفس الحدس الذي يجعل هذه الملايين تتحمل مصاعب اقتصادية ما أنزل الله بها من سلطان، وتتعامل مع كم الشائعات المذهل، ومحاولات الهدم والفتنة والفرقة الرهيبة بكل حكمة وهدوء.

هدوء "صلاح" في مواجهة ما يتعرض له ربما يكون مكمنه معرفته اليقينية بأن الشعب المصري – دون أدنى مبالغة- يدعمه ويصدقه ويتعاطف معه، بل ويعتمد عليه في الحصول على جرعات طمأنة وثقة بين الحين والآخر بأن الأمل مازال موجودًا.

وجود "صلاح" في حياة المصريين لم يعد مجرد وجود لاعب كرة نابه، أو رياضي نابغ يحرز بطولات ويحقق انتصارات؛ وجوده طاقة نور وشعلة أمل في زمن عز فيه النور وضاق الأمل؛ لفرط ما تعرضت له مصر على مدى سبع سنوات مضت، وما يحيط بالمنطقة برمتها من تهديدات وتربصات وأخطار غير مسبوقة.

وقد سبق وأثبت "صلاح" بالحجة والبرهان أنه المصري الأصيل قبل أن تتراكم عليه أتربة الفساد، وغبار الفهلوة وفيروسات البلادة والكسل والمراوغة، ببساطة شديدة الناس يصدقونه ويدعمونه ويحبونه، ويناصبون من يحاولون إلحاق الضرر به العداء.

والعداء الشعبي لو تعلمون أشد وطأة وأعمق أثرًا من العداء الذي تناصبه الدول لبعضها البعض، وحين تستمع للبسطاء في الشارع يحللون ويتعمقون في أزمة صلاح، ستعرف أن المسألة لم تعد أزمة بين لاعب واتحاد، بل هي أزمة شعب يشعر أن هناك من يتعمد إفساد منابع الفرح وكسر دواعي الفخر لديه.

ولدى المصريين الكثير من الأدوات للتعبير؛ جولة سريعة على "فايسبوك" تجد صورتين متجاورتين للمنتخب المصري جالسًا في المقاعد الاقتصادية؛ بينما أعضاء الاتحاد على مقاعد "البيزنيس"، صحيح قد تكون الرحلتان مختلفتين، لكن الرسالة البليغة وصلت لمن يهمه الأمر، وتجد كذلك كمًا مذهلًا من التدوينات القصيرة التي تحمل سخرية بالغة وانتقادًا مذهلًا لمن يعتبرونهم "أعداء النجاح" و"معاول الهدم".

وعلى سيرة معاول الهدم، يمكننا الرجوع بالذاكرة إلى صيف 2016، وقت دورة الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو، هل تتذكرون البعثة المصرية؟ 120 لاعبًا ولاعبة ومثلهم إداريون!! بدل العرض تم توزيعها على اللاعبين في آخر لحظة قبل سفرهم ومقاساتها غير المناسبة حتى بدا البعض وكأنه يرتدي بيجاما، ناهيك عن سفر مدرب مع فريق رياضي لم يدرب أحدًا من أعضائه من قبل؛ وذلك لأن اتحاد هذه اللعبة يميل إليه. والقائمة طويلة جدًا.

قوائم الغلط كثيرة، وغالبيتها قابلة للعلاج. لكن ما ليس قابلاً للعلاج هو الدفاع الغلط، والميل له، وتقديمه باعتباره الأفضل لدينا، والكبس على أنفاس الموهوبين والمتميزين وصناع السعادة، وترك الآخرين يمضون قدمًا على حساب الملايين وآمالهم وأحلامهم.

هذه هي توليفة القوى الطاردة التي طالما شكونا منها. إضغط على الموهوبين والمتميزين والمبتكرين، كفرهم في عيشتهم، إقرفهم على قد ما تقدر إلى أن تتحقق إحدى نتيجتين: إما أن يهج من البلد ويتفوق ويتميز ويكرم في مكان آخر، أو أن يستسلم ويٌحبط، ويصبح مثله مثل غيره من أنصاف الموهوبين أو معدوميها، ويتدرب على أصول الفهلوة وقواعد "الكلشنكان".

مقالات اخري للكاتب

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد