خطورة النجوم اللامعة…!

28-8-2018 | 00:06

 

أشفق كثيرًا عليهم.. وأرثي لحالهم.. وأتعاطف مع دموعهم التي تنز مثل أرواحهم التي تئز وهم يسابقون الريح.. حتى ولو على طريقة طواحين الهواء.. أولئك الباحثون عن النجومية في الإعلام والثقافة والمجتمع والناس.. والباحثون عن الزعامة السياسية والدولية.. والساعون إلى الشهرة والمجد وإن كان وهميًا.. والمشتاقون إلى المناصب العامة.. والراكضون نحو اعتلاء القمم بلا مؤهلات علمية ولا عملية.. إنهم مذبذبون هم بين الطموح والتطلع، والبون بينهما شاسع، فالطموح مبني على مجاهدة شديدة لتحقق الهدف.. أما التطلع فهو مجرد التمني بلا وسيلة.. وتلك أمانيهم..

نعم.. نحن نحتاج نجومًا تضيء الظلام وتنير الإظلام بحق، وصولًا إلى حقيقة الرؤيا والرؤية.. فما أقسى التوهان في عصر الاستعارة.. نريد نجومًا ورموزًا، في كل مجال وفي كل ميدان وفي كل حقبة.. لكن لا تَعرض علينا صورًا شاهدناها من قبل آلاف المرات، ولا تسير بنا في طريق تعبنا من السير فيه.. تكسر القشور الصلدة في وجه التخلف.. وتفكر في اللا مفكَّـر فيه.. تخل بالتوازن وتعصف بالنظام الثابت للأشياء..

إن كل عصر يحتاج أبطاله، وقد يكون هؤلاء الأبطال من الأنبياء أو الكهنة، من الملوك أو المحاربين، من المستكشفين أو المحترفين، من الفلاسفة أو الشعراء، لكن كل عصر من العصور يحتاج إلى بعض الأفراد غير العاديين الذين يستطيع الناس جميعًا، رجالًا ونساء، أن يتطلعوا إليهم كمثال يحتذى أو حتى كظاهرة جديدة تجذب الاهتمام.

وكان أستاذنا الراحل محمد حسنين هيكل هو أول مَنْ استخدم هذا التَّعبير للتبشير بعصر مختلف وعالم جديد تختفي فيه الزَّعامات الكبرى والشَّخصيات الاستثنائية، وتبتعد عن المسرح السِّياسي الدولي الأسماء الكبيرة مثل «ماوتسي تونج» و«جواهر لال نهرو» و«عبدالناصر» و«شارل ديجول» و«جوزيف بروز تيتو» بعد أسماء أخرى ملأت الدنيا وشغلت النَّاس من أمثال «المهاتما غاندي» و«نيلسون مانديلا»، وأيضًا «ونستون تشرشل» فقد شبَّت الشُّعوب عن الطَّوْق، في منظور د. مصطفى الفقي، وأصبحت تخشى الكاريزما الكاسحة، وتُقدِّر الحكام الواقعيين الذين يمثلون شعوبهم بالوصول الدِّيمقراطي من خلال الانتخابات العامة؛ إذ إن كاريزما الحاكم تعمي الأبصار وتجعله فوق الحساب، كما أنها تضع الشُّعوب أمام مفترق الطُّرق بعد رحيل النَّجم السَّاطع الذي عشقته الجماهير وابتلعت منه وغفرت له كلَّ أخطائه؛ لأنه نجمها المُفضل وزعيمها الخالد.

ولا شك أن ذلك التَّطور قد غيَّر من شكل الحكم ووضعنا أمام عصر مختلف تمامًا تقلق فيه الدول من الزُّعماء أصحاب الشَّعبية الكاسحة والتَّأثير الذي لا يُبارى، ويبدو كأنه مُخدِّر عصري تستكين أمامه قوى المعارضة وتُسلِّم له التَّيارات السِّياسية المختلفة، لكن المشكلة - في رأي أستاذنا هيكل - بالنسبة للنجوم اللامعة في العصر الحديث، أنهم مثل راكبي الدراجات، عليهم أن يواصلوا الحركة باستمرار، وألا يتعرضوا للسقوط على الأرض، بل إن عليهم باستمرار أن يتحركوا أسرع ثم أسرع، لأن طريق السباق فيما بينهم على الأضواء، طريق يتصل ارتفاعه لأنه صعود جبل.

إن الأضواء تستطيع أن تخفض ملامح الضعف، كما أن ألوان الماكياج تحت وهج الأضواء تستطيع أن تبهر الآخرين، لكن اللحظة سوف تجيء حين يتباطأ الإيقاع ويتحوّل الاهتمام، ربما بسبب ظهور نجم لامع جديد في نفس المجال، لكن أحدًا من النجوم اللامعة لا يستطيع أن يحتفظ بمكانته عن طريق صنع ما هو عادي، المنتظر منه دائمًا هو غير العادي، وغير المتوقع، بل وأحيانًا المخيف..!

لكن هل اختفى عصر النجوم اللامعة؟ وهل يحتاج العالم إلى هذه النجوم؟ والتي لا بد أن تكون لامعة؟ ولماذا تسعى بعض الدول إلى نجومها اللامعة؟

السؤال نصف الجواب.. والجواب يحتاج مشاركة.. والمشاركة تستدعي الحوار.. والحوار لا يمكن أن يكون أحاديًا..

لقد هرمنا من الأحادية وثقافة الأحادية.. والنجم الواحد.. والسياسي الواحد.. والفنان الواحد.. والكاتب الواحد..

والمفارقة أن الأحادية صارت من أمراضنا المزمنة التي انسحبت على كثير من سلوكياتنا ومظاهر حياتنا وطرائق تفكيرنا، والتي أدمناها ولا نريد الشفاء منها.. بل تسري في دمائنا مسري الدم... مرض «أفعل التفضيل».. هذا أفضل سياسي.. وذاك أعظم كاتب.. وأشجع مفكر.. وأجمل مطرب.. وأحسن فنان.. وأحسن اقتصادي.. وأفضل شيخ.. ومتحدث.. وداعية.. ومثقف.. وفقيه.. و.. و..! إنها.. لعنة «أفعل التفضيل»..!

الصوت الواحد لم يعد له وجود جوهري، لا بد من تعددية الأصوات.. التحاور التجاور.. والأخذ والعطاء.. الصوت والصوت الآخر.. الرأي والرأي المضاد.. الطريق يتسع للجميع.. لماذا نوقف حياتنا وسيرنا ومصيرنا بشخص بعينه لا نتجاوزه؟ لماذا نعتبر أن هذه الفترة أو تلك الحقبة هي العصر الذهبي.. لدينا ضحايا كثر في كل مرحلة وكل عصر.. في السياسة.. في الأدب.. في الفن.. في الاقتصاد.. في العلوم.

نحن ضحايانا.. لأننا نرتضي أن نكون حتى فتافيت احتراق النجوم اللامعة..!!.

مقالات اخري للكاتب

سلام على أبطال أكتوبر ٧٣

ليس فقط لأن الندوة كانت عن نصر أكتوبر العظيم.. وليس فقط لأن الحالة المجتمعية صار ت أكثر احتياجًا لاستلهام الروح الأكتوبرية..

اللعبة الخفية على رقعة الشطرنج

تتجلى حكمة إنسانية بواحدة من القيم التي يجب أن تلفح وجه كل من يفكر في دمار شعب، أو إزهاق الأرواح بالحروب التي يتفننون فيها تكنولوجيًا وإلكترونيًا، ويروعون بها خلق الله الأبرياء، وحتى غير الأبرياء.

الجوهرة السمراء تصفع القبعة البيضاء

أستعيد هذه الورقة السمراء المعبأة بالحكمة والتحدي والثقافة والتجربة والكبرياء من حياة الزعيم الإفريقي الراحل (نيلسون مانديلا)، في مواجهة الرجل الأبيض، الذي لا يزال يمارس الغطرسة بصورة أو بأخرى، والذي يستند إلى تراثه البغيض في امتصاص دماء الشعوب في خدعة ما يسمى وهما بــ (العالم الثالث..).

رغم الجدل بالتي هي أحسن

أراد كاتب مغمور أن يشتهر، مع أنه لا يملك مقومًا واحدًا من مقومات النجاح، فكتب مقالاً عنيفًا - حتى حد السب والشتم - في سعد زغلول باشا، في عز عنفوانه السياسي كزعيم للأمة في مطالع القرن الماضي..

في نور هذا المشهد الكوني

في نور هذا المشهد الكوني

لو عـرف الشباب.. لو قـدر المشيب!

لو عـرف الشباب.. قـدر المشيب!

مادة إعلانية