خروف ببدلة ومعايدات مليونية

21-8-2018 | 17:06

 

ما عدد الرسائل النصية القصيرة التي تلقيتها على هاتفك المحمول؟ وما عدد بطاقات "عيد أضحى مبارك" الراقص منها والصامت، الناطق منها بالقرآن، والمنشد بأسطورة صفاء أبو السعود "أهلاً بالعيد"؟

وما عدد الـGIF  التي تلقيتها عبر "واتس آب" أو "خاص" "فايسبوك" أو عام تويتر، أو حتى عبر "فايبر" عبارة عن فيلم كرتوني أو رسم كاريكاتيري لخروف ضاحك أو آخر عابس أو ثالث يرتدي بدلة الكريسماس الخاصة ببابا نويل (للعجب) تتمنى لك أضحى سعيدًا؟ أغلب الظن أن العدد يقدر بالمئات، وفي أقوال أخرى بالآلاف.

سؤال آخر: هل لك أن تصف لنا شعورك وأنت تفتح كل رسالة، وتقرأ كل معايدة، وتشاهد كل خروف ضاحك أو عابس أو متنكر في هيئة "بابا نويل"؟ فرحة غامرة؟ سعادة بالغة؟ دفء إنساني طاغ؟ لا أظن!

طيب هل شعرت بأنك مميز لدى أحمد الذي أرسل الرسالة النصية، أو أنك ذو مكانة خاصة لدى من التي أرسلت خروفها "الكيوت" ذا ربطة العنق وصديري البدلة مُمئمئًا "عيد سعيد"؟ هل انتابك شك ولو واحد في المائة أن أيًا ممن شاركوا في هذا الطوفان الجراف والسيل العارم من المعايدات فكر فيك بصفة شخصية بينما يدق على زر "إرسال"؟ أغلب الظن أن الإجابة "لا"!

سؤال ثالث: في حال وجدت في بريدك الإلكتروني أو "إنبوكسك" العنكبوتي أو حتى رسائلك الخاصة عبر "تويتر" رسالة تقول "كل عام وأنت طيب يا أحمد وإن شاء الله السنة الجاية تشوف بناتك هنا وجنى في أحسن مكان. وسلامي لمدام عبلة"، أو أخرى نصها: "أردت أن أعيد عليك مدام نهلة. وحشتيني ويارب تكوني سعيدة في عملك الجديد. كل سنة وأنت والأستاذ فتحي بألف خير"، أو ما شابه، وذلك دون خرفان ترتدي فساتين، أو بطاقات تدندن ألحانًا أو عبارات مصممة للاستهلاك الأممي، بماذا ستشعر؟

هل هو الشعور ذاته في حال استقبالك مئات أو آلاف المعايدات التي يتم إرسالها لقوائم الأصدقاء والمعارف والجيران، ولا ينقصها سوى عبارة تذيلها يقول نصها: "أظن عملت إللي علي".

والأدهى والأمر والأسخف من تلك المعايدات المؤتمتة (الأوتوماتيكية) منزوعة المشاعر الخالية من الإنسانية الغارقة في " عبيله وإديله " هو أولئك الأصدقاء الذين يهدرون بعد ذلك الساعات في مراجعة من رد التهنئة بأخرى، ومن شكر الرب وتضرع إلى السماء حمدًا لأن اسمه ورد ضمن قوائم المبشرين بالتهنئة، فإذ به يجهز قائمة سوداء بأولئك الذين لم يشكروه على المعايدة السخيفة أو يردوا عليه امتنانًا بالتهنئة البغيضة.
لكن هل الأبغض أن يمضي العيد قدمًا دون تبادل التهاني من الأصل؟ دخل بعض الأصدقاء والصديقات في نقاش معمق حول أيهما أرحم: عدم تلقي مثل هذه التهاني الصماء البلهاء؟ أم عدم تلقي تهنئة من الأصل؟ وذلك بعد استبعاد الوضع المثالي ألا وهو تبدل التهنئة شخصيًا عبر زيارة أو مكالمة هاتفية أو حتى رسالة مكتوبة خصيصًا ومشخصنة!
وبغض النظر عن أيهما أفضل أو أحن على المشاعر الإنسانية والعلاقات الاجتماعية في العام الـ18 من الألفية الثالثة، تبقى المعايدات الإلكترونية، وتلك المدرجة ضمن قوائم المعارف علامة من علامات زمن رديء.

رداء المشاعر تبدأ بجمودها وتحجرها، منها ما يتحول إلى عدم وكأن لا وجود لها، ومنها ما يصبح مسخًا، وهو المعني بالمعايدات الإلكترونية سابقة التجهيز والتعليب، فأن تشعر بأنك واحد ضمن قائمة لا تعني الكثير لمرسلها، فهذا سيء، وأن ينتابك إحساس بأن أحدهم أرسل لك خروفًا يرتدي بدلة لسد خانة في العلاقات الاجتماعية، وتحميلك جميلاً وكأنك كنت تنتظر خروفه بفارغ الصبر فهذا أمر مستفز.

وبالطبع يبقى الاستفزاز الأكبر والهطل الأعمق كامنًا في تلك الرسائل المنتمية للعصور الوسطى، حيث أدعية دينية وتضرعات سماوية مذيلة بجملة سمجة قوامها "إن لم ترسلها لعشرة أصدقاء وأنا منهم، فاعلم أن الشيطان منعك، أو أن إبليس عطلك، أو أن دنياك طغت على آخرتك".

مثل هذه الرسائل السمجة المتطفلة السطحية السخيفة تؤثر في كثيرين، وتظل تجوب أثير الشبكة العنكبوتية ملايين المرات، وتأتيك أحيانًا من أشخاص كنت تظنهم عقلاء حكماء وعلى قدر من التعقل.

والأعجب والأغرب هو أن يرسل لك أحدهم هذه الرسالة المطالبة بإعادة إرسالها له شخصيًا، ولكن مذيلة بتهديد ووعيد بأنك لو لم ترسلها فاعلم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خصيمك، أو أن ضررًا ما سيلحق بك أو بلاء ما سيقع بأحبابك.

ولا تتوقف المهزلة والسخافة عند هذا الحد، بل تصل إلى حد مطاردتك برسالة على "إنبوكس" تؤكد عليك أهمية إعادة إرسال سخافاته خوفًا من العواقب الوخيمة.

عمومًا، وقانا الله وإياكم سخافة الرسائل سابقة التجهيز، وقمائة التهاني المعدة للتسويق الأممي، ورذالة الخرفان المرتدية بدلة بابا نويل أو شريطة باربي أو طاقية بكار. عيد أضحي سعيد شخصي لكل منكم.

مقالات اخري للكاتب

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد