في نور هذا المشهد الكوني

21-8-2018 | 01:31

 

لبيك اللهم لبيك..

هذا المشهد الكوني يُحس بالبصيرة قبل أن يُرى بالبصر.. ويخفق به القلب قبل القالب.. وتتناغم معه الروح وتتوحد وتتحد.. وتتألف فيه المشاعر بالشعائر.. ذلكم مشهد الحج الأكبر.. الذي يطوف الكون معه في موكب التسبيح والتكبير والتهليل.. في منظومة من جلال التوحيد وجمال التفريد وكمال التجريد..

لبيك اللهم لبيك..

تتابع النفس الأمارة بالحب الأكبر.. وتستدعي الذكريات الثاوية في تلافيف الوجدان.. تلك المتمازجة باللحظة الراهنة.. والذاكرة تختزن وتستنسخ.. وتعيد إنتاج الحدث الجليل بالإضافة والإضفاء.. بكثافة الأحاسيس وسعة المشاعر.. وعذوبة الخواطر.. فإذا هي تلتحم ولا وجود إلا للزمن النفسي وهو الأطول عمرًا والأغزر فكرًا والأبقى أثرًا..

لبيك اللهم لبيك..

تلك أيام بل لحظات لا تحسب من العمر ولا تحتسب بالعمر.. الأحاسيس خارج دائرة المقاييس المألوفة.. المشاعر خارجة عن التحديد.. والتأطير.. والتنظير.. والتفكير البشري المحدود.. وحتى الممدود.. وإذا كانت أهم خاصية للعبادات في سقوط العقل فيها.. فهذا "السقوط" هو "نجاح" للعقل، هو ارتفاع له وتشريف.. لماذا ؟ لأن مسائل العبادات تجيء وبها المقدمات والنتائج معا، وبالتالي بل بالضرورة يسقط العقل العلمي.. ولا بد أن يسقط.. فلا أحتاج إليه ولا أحتج به !!

لبيك اللهم لبيك..

رموز.. وترميز.. فإن سعيت إلى فك هذه الرموز سينفتح أمامك مالم يكن يخطر على قلبك لا بد أن (تتخلي) و(تتحلى) لـ (تتجلى) عليك أشياء وأشياء تحاول أن تلملمها.. لكن كمن يمسك النور بيديه !!.

( وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار) هذا المعنى يتكامل في رحلة النور إذا أضفت كلمة "فقط" إلى "الديار" في الشطر الأول من البيت.. نعم الأهم "حب من سكن الديار" فالكعبة مجموعة أحجار والبيت جدران من أحجار وجبلا الصفا والمروة مجموعة أحجار وعرفات أحجار.. والمزدلفة أحجار، والرجم بالأحجار على الأحجار، والحجر الأسود أيضًا! كل شيء رمز.. رموز غامضة غموضًا شفافًا.. فالمهم ما وراء الرمز.. السر الكامن في كل رمز.. بل الأسرار في كل رمز ورموز.

لبيك اللهم لبيك..
ذهبت إلى بيت الله الحرام في صحبة ليس كمثلها صحبة.. كان نورها: كلمة نبوية شريفة.. ورجل أهداه الله للإسلام والمسلمين فكان حجة.. ومصباح من نور لا أعرف هويته وبعض زيت أهداه لي شيخ عريق.. ورحيق حريق من شيخ معاصر جدًا.. فأما الكلمة النبوية فهي لرسول الله صلى الله عليه وملائكته :(خذوا عني مناسككم.. وأما الرجل الهدية والحجة فهو: الإمام أبو حامد الغزالي.. وأما المصباح فلا يزال غامضًا في نوره وناره.. وقد أحسست أن الإمام الغزالي لا يزال حيًا - منذ ألف عام أو يزيد - يأخذ بيدي يحادثني، تحدث معي من كتابه المروع "المنقذ من الضلال"  وكتابه الرائع "إحياء علوم الدين".

لبيك اللهم لبيك..
لحظة أن ارتديت ملابس الإحرام قال لي: تذكر الكفن وأنك ستلقي الله عز وجل ملفوفًا في ثياب الكفن لا محالة فكم لا يلقي بيت الله عز وجل إلا مخالفًا عادته في الزي والهيئة فلا يلقى الله عز وجل بعد الموت إلا في زي مخالف لزى الدنيا وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب الذي ليس فيه مخيط كما في الكفن.

ولحظة أن بدأت "التلبية" قال لي: إنها إجابة نداء الله عز وجل فأرجو أن تكون مقبولًا، وكن بين الرجاء والخوف مترددًا، وعن حولك وقوتك متبرئًا، وأما لحظة وقوع البصر على البيت فينبغي أن تحضر عندك عظمة البيت في القلب..

وقال لي عند الطواف: اللهم إنه صلاة فأحضر في قلبك فيه التعظيم والخوف والرجاء والمحبة، واعلم أنك بالطواف تتشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش، الطائفين حوله، واعلم أن الطواف هو طواف القلب بحضرة الربونية.

وأما استلام الحجر الأسود فاعتقد عنده أنك مبايع لله عز وجل على طاعته فصمم عزيمتك على الوفاء ببيعتك.
وأما السعي بين الصفا والمروة فإنه يضاهي تردد العبد بقناء دار الملك جائيًا وذاهبًا مرة بعد أخرى إظهارًا لخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الحرمة، ولتتذكر عند ترددك بين الصفا والمروة ترددك بين كفتي الميزان في عرضات القيامة.

وأما الوقوف بعرفة فاذكر بما ترى من ازدحام الخلق، وارتفاع الأصوات، واختلاف اللغات، واتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشعر اقتفاء لهم، وسيرًا بسيرهم، واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة، واقتفاء كل أمة نبيها، وإذا تذكرت ذلك فالزم قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل فتحشر في زمرة الفائزين وحقق رجاءك بالإجابة، فالموقف شريف والرحمة إنما تصل من حضرة الجلالة إلى كافة الخلق بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الأرض.

لبيك اللهم لبيك..
يترقرق في عينيك الشجن دموعا، دموع لا هي بالتي تتساقط ولا هي بالتي تعود الى محجرها.. فهي بين بين! تلزمك الصمت والسكون وتغشيك السكينة، والسكينة هي مفتاح شخصية "المدينة".. سكينة تتنزل على الفؤاد فيخشع وتلف الجوارح بحب صاحب المكان عليه الصلاة، عدد ما في علم الله صلاة دائمة بدوام ملك الله..
هدوء ينساب في أنفاسك.. في صلاتك في تسبيحك في سكونك في بكائك في سرورك في ارتعاشاتك في خفقاتك وما أجمل أن يرتعش ويخفق السمع والبصر والفؤاد وكل ما أنت عنه مسئول..

لبيك اللهم لبيك..
المدينة روح.. وأرواح.. أحاسيس ومشاعر، ولذلك ودون أن تدري، لا بد أن تمشي الهوينا وتخفف الوطء على أديم المدينة، وحتى إذا هرولت فالهرولة هادئة.. هنا قبر أو بيت الرجل الذي وصفه ربه بأنه على خلق عظيم.. هنا "محمد" هدية السماء إلى الأرض (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)، وكانت تحضرني في هذا السياق صيغة من أجمل صيغ الصلاة على نبينا الكريم للصوفي الشيخ عبد الفتاح القاضي "كل من دونك محب" وأنت حبيب الله.. وعلى واجهة قبر حبيب الله اقرأ على الجدار هذه الآية العظيمة "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين".

لبيك اللهم لبيك..
لحظات التحليق في أجواء مقام الرسول الكريم ليست محسوبة بالزمن، ولا ينبغي للحظات تشعر فيها بالعمق والتعميق والمد والتمديد والامتداد لا أزمنة الماضي في المستقبل في إحضار كل الأزمنة متداخلة متعاضلة متشابهة متشابكة، عشت هذه اللحظات كحزمة أعصاب متوهجة متدفقة، والأهم هو تدفق الشعور وغزارته ومهارته في التكثيف ومساحة اللطف والتلطيف.. اللسان يلهج ومن جماليات الموقف وتجلياته وتداعياته وخطواته، لا تدري ماذا تقول، ولا بماذا تدعو، ولا تستطيع أن ترتب ما أعددته من كلمات.. ولا نستطيع إلا أن تشعر بأنك تائه حائر في "الدائرة المحمدية" وفي ظلال "السراج المحمدي" وفي حديقة "النفحات المحمدية" وما أجمل التوهان في دائرة اليقين..
لبيك اللهم لبيك..

مقالات اخري للكاتب

اللعبة الخفية على رقعة الشطرنج

تتجلى حكمة إنسانية بواحدة من القيم التي يجب أن تلفح وجه كل من يفكر في دمار شعب، أو إزهاق الأرواح بالحروب التي يتفننون فيها تكنولوجيًا وإلكترونيًا، ويروعون بها خلق الله الأبرياء، وحتى غير الأبرياء.

الجوهرة السمراء تصفع القبعة البيضاء

أستعيد هذه الورقة السمراء المعبأة بالحكمة والتحدي والثقافة والتجربة والكبرياء من حياة الزعيم الإفريقي الراحل (نيلسون مانديلا)، في مواجهة الرجل الأبيض، الذي لا يزال يمارس الغطرسة بصورة أو بأخرى، والذي يستند إلى تراثه البغيض في امتصاص دماء الشعوب في خدعة ما يسمى وهما بــ (العالم الثالث..).

رغم الجدل بالتي هي أحسن

أراد كاتب مغمور أن يشتهر، مع أنه لا يملك مقومًا واحدًا من مقومات النجاح، فكتب مقالاً عنيفًا - حتى حد السب والشتم - في سعد زغلول باشا، في عز عنفوانه السياسي كزعيم للأمة في مطالع القرن الماضي..

خطورة النجوم اللامعة…!

خطورة النجوم اللامعة…!

في نور هذا المشهد الكوني

في نور هذا المشهد الكوني

لو عـرف الشباب.. لو قـدر المشيب!

لو عـرف الشباب.. قـدر المشيب!