"الساعة الأخيرة"... وعالمية المسرح المصري المفقودة

23-8-2018 | 23:27

 

كل العوامل تجمعت لتجعل منها مسرحية مختلفة: قاعة العرض الحميمة بمسرح الغد التابع لوزارة الثقافة، الحس الإنساني في الموضوع، الاسم الكبير للمخرج، السهل الممتنع لطاقم التمثيل برغم ما يبدو من بساطة في الإمكانات المادية.

إنها مسرحية "الساعة الأخيرة" التي صاغ فيها المؤلف عيسى جمال الدين رؤية مصرية لحدث عالمي، ووضعت فيه المخرجة المنفذة "داليا حافظ" لمساتها الخاصة ليتحول النص إلى حركة ديناميكية على خشبة المسرح تتسم بالتشويق وتصاعد الأحداث، على نحو لا يعرف البطء أو الرتابة.

لكني هنا أود أن أركز على عالمية هذا العمل الفني، بمعنى خروج مسرحنا من ضيق الموضوعات المحلية إلى رحابة القضايا المطروحة على الساحة الدولية من خلال حس إنساني يشكل قاسمًا مشتركًا بين جميع البشر.

أعرف أنك سرعان ما ستعترض قائلاً إن الإغراق في المحلية طريقنا للعالمية، ومع احترامي لهذه المقولة التقليدية فإنني لا أقصد هنا أن يصفق لك العالم كله في وقت واحد فهذا موضوع دونه الكثير من التفاصيل، ولكني أقصد على الأقل أن نتناول بين الحين والآخر موضوعًا يمس الوجدان الإنساني ككل .

على سبيل المثال، في السادس من أغسطس عام 1945، وبينما الأجواء مشمسة ونسمات عليلة تصافح بحنو الوجوه المستبشرة، كانت البشرية على موعد مع العار الأكبر في تاريخها: قنبلة ذرية تزن ثلاثة أطنان يتم إسقاطها من طائرة "بي 29 " لتحصد على الفور أرواح 66 ألفًا من المواطنين المدنيين الأبرياء وتصيب 69 ألفًا آخرين بإصابات خطيرة تجعلهم يعيشون حالة من الموت البطيء.

المجزرة الأكثر توثيقًا كتبت بالدم نهاية الحرب العالمية الثانية ، ومنحت الولايات المتحدة انتصارًا يندى له الجبين؛ بينما حطمت روح العناد الأسطوري لدى اليابانيين بعد أن أعقبها بثلاثة أيام إلقاء قنبلة مماثلة، ليصبح مجرد ذكر مدينتي هيروشيما ونجازاكي كفيلاً بأن تقشعر له الأبدان.

من هذه الواقعة التي لا يمكن للضمير الإنساني تجاوزها، تتخذ مسرحية "الساعة الأخيرة" للمخرج المخضرم ناصر عبدالمنعم - المعروف بقدرته على صنع مسرح جاد دون تنازل عن متعة الفرجة - حبكته الدرامية عبر تجسيد اللحظات الأخيرة في حياة الطيار الأمريكي الذي ألقى القنبلة.

إنه شيخ عجوز يجسد دوره شريف صبحي، انحنى ظهره واشتعلت لحيته الكثة شيبًا، تحاصره أمراض الشيخوخة من سعال لا يهدأ وجسد هش ومنهك . لكن الألم الأكبر في حياته يتمثل في الذكريات الموجعة التي تنهش ضميره وتعذبه.

صرخات الضحايا تكاد تصك مسامعه، وكلما فكر كيف تحولت أجسادهم إلى رماد في ثوانٍ معدودة هرب النوم من عينيه، زوجته هجرته منذ زمن بعيد، مصطحبة ابنه الوحيد؛ لأنها لم تحتمل الحياة مع قاتل، حياته باردة، موحشة، ولا أحد يسأل عنه سوى عامل الحديقة الذي يطرق بابه كل عدة أيام.

إنها مفارقة مدهشة عنوانها: الجزاء من جنس العمل، ولعنة الضحايا ستطارد القتلة عبر كل زمان ومكان، فالعدالة تتخذ أشكالاً عديدة قد لا ندركها نحن البشر في حينها، و القصاص قادم لا محالة.

مقالات اخري للكاتب

الممر.. واستعلاء المثقفين!

آثرت أن أتمهل قليلا قبل الدخول على خط الجدل الذي اشتعل – ولا يزال - في المجالس وكواليس السوشيال ميديا بسبب فيلم "الممر"، والتي انقسمت نخبتنا على أثره ما

ليلة بألف ليلة!

تصيبك قصص ألف ليلة بالنشوة.. تسحرك بعوالمها الغرائبية وشخصياتها المنذورة للمغامرة والخيال الجامح.. تقرأها في كتاب.. تشاهدها في مسلسل عربي.. حيث ذكاء شهرزاد يعزف على فضول شهريار.. أو فيلم أمريكي يلعب فيه ويل سميث دور الجني خادم المصباح.. لكننا بحاجة إلى نوع آخر من "الليالي" أيها السادة!

"أصداء" رحلة داخل عقل الشباب العربي

إليك حقيقة مشوقة ولافتة للانتباه : أكثر من ستين بالمائة من سكان العالم العربي ينتمون لفئة الشباب، بإجمالي مائتي مليون فتى وفتاة.

بينالي الشارقة.. قبلة على جبين الحداثة

حللت على بينالي الشارقة الدولي للفنون، فلم أكن أعرف أني على موعد مع كل هذا الجمال وسأشرب الدهشة من بئر عميقة! أعلم أن لتلك الإمارة الهادئة المشيدة على

'آرت دبي".. فن صناعة الدهشة

أكتب إليكم من مدينة "الجميرة" القلب النابض لإمارة لا تكف عن صناعة الدهشة تدعى دبي، بدعوة كريمة؛ حططت رحالي بمدينة كوزمبالتانية، - أي عالمية - تتعايش فيها جميع الجنسيات واللغات وألوان البشرة على نحو مدهش، كأنما هي صارت منتخب العالم للسلم والتسامح.

نيبو ودرش.. شكرا على حسن تعاونكما!

أكتب إليك منتشيًا - مثلك - بـ "الأوفر" الرائع الذي صنعه مو صلاح لساديو مانيه، فانتهى آخر حلم لبايرن بالعودة في مباراته مع ليفربول بعد إحراز الهدف الثالث ضمن دوري أبطال أوروبا.

حكاية عن الفيوضات الربانية

من أين أتت زميلتنا بهذه القدرة الرهيبة على التقاط ذبذبات الروح البعيدة، وإعادة صياغتها في نصوص مدهشة تختطف من عيونك الدهشة و الدموع معًا؟ بنت الأصول الراقية

كل هذا الجمال المدهش!

كلما سمعت المزيد من الكلام عن قوة مصر الناعمة، عرفت أنني على موعد جديد مع جعجعة بلا طحين! فنحن نتحدث كثيرًا ونفعل قليلًا، فكيف - بالله عليك - أصدق كل هذا

أشهر مطربي العالم.. ولا يهمنا!

مصر الكبيرة لا يليق بها إلا التعامل مع الكبار؛ فهي هوليوود الشرق وحاضرة إفريقيا وعاصمة الحضارة.

تاريخ مصر.. بين الراهب والمأذون!

أستغرب أحيانًا حين يطلقون على الهند بلد العجائب، فهذا اللقب نحن أحق به، حيث لا تنقضي عجائب مصر المحروسة ولا تنتهي غرائبها.

شعراؤك يا مصر

بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء، عاد الشعر ليتصدر المشهد الأدبي فيكِ يا مصر، شعراؤك الذين قاوموا تراجع معدلات القراءة وسخافات بعض الناشرين الذين يعرضون بجانبهم كلما سمعوا كلمة "ديوان" ها هم يصولون ويجولون بإبداعات مدهشة تشرح القلب الحزين.

فنانو "هرم سيتي".. ومصير تيتانك!

تجربة رائعة يخطط البعض للإجهاز عليها بهدوء؛ ليغتال كوكبة من أرقى مواهبنا ويدفن تحت تراب الفوضى رافدًا من روافد قوة مصر الناعمة.

[x]