هويتنا المسلوبة

7-8-2018 | 14:04

 

ألاحظ أننا في عراك مستمر، وحراك مستعر على مدار السنوات السبع الماضية، وتحديدًا منذ هلت نسائم/زعابيب الربيع/الخريف العربي في يناير 2011.

ولندع إسقاط أنظمة وإقامة أخرى، ومطالبات شعبية بعيش وحرية وعدالة اجتماعية، في مقابل دعوات خارجية للديمقراطية، ولو كانت حياة الشعوب ثمنها، ومعهما اقتتالات فكرية وأخرى فايسبوكية حول إذا ما كانت أنظمة الغرب هي المثال الذي يجب أن يحتذى أم لنا في أنظمة الشرق قدوة أنسب.

ولننظر إلى هذا السجال المزمن الدائرة رحاه بأشكال مختلفة وطرق متراوحة بين فرق متناحرة يحاول كل منها أن يلقي بكرة الاتهام في ملعب الآخر لتبرئة نفسه وانتظار الفرج يأتي من حيث لا يحتسب.

ويبدو أن من ضمن سماتنا الثقافية أو ربما هي تقاليد مصرية، نرفض أو ننفي أو نتجاهل حتمية مراجعة الذات وإعادة تقييم الحسابات، فكل ما نفعله هو أننا نتفرغ لحساب بعضنا بعضًا وكأن كلاً منا عن الأخطاء منزه، وعن الانحرافات محصن.

حصن الشعوب يكمن في تمسكها بهوياتها، وضمانها لا ينبع إلا من ثقتها في قدراتها وإيمانها بإمكاناتها، والقدرات ليست نفطًا فقط، أو ثورة تكنولوجية فقط، أو طفرة صناعية فقط، أو تمكنًا من مناجم ذهب أو خزائن مال أو أشولة ماس، والإمكانات لا تقتصر على الإمكانات المادية أو الظروف الجغرافية أو العوامل الإستراتيجية.

قدرات الشعوب وإمكاناتها تنبع من ثقة في هويتها كاملة متكاملة لا تحتاج إلى اعتناق لهوية مستوردة أو تستند إلى تحسين عبر ثقافة مهجنة.

صحيح أن الشعوب تحتاج الخضوع لعمليات تحديث مستمرة، ومنظومات تدريب ومواءمة وجهود استشراف للمستقبل؛ لتكون جاهزة لمتطلباته لا متأخرة في التأقلم مع مستجداته، لكن كل ما سبق يجب أن يرتكز على ثقة في الهوية دون طنطنة كاذبة أو مبالغة فاضحة.

لكن الفضيحة الحقيقية هي أن يعتنق شعب ما ثقافة شعوب أخرى، وينتهج أسلوب معيشة مجتمعات أخرى، فالنهج المصري الذي ظل حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي، وقدر من الثمانينيات نهجًا ينظر إليه الآخرون باعتباره مثالاً يحتذى ونموذجًا يرقى للقدوة تنازل طواعية عن نقاط قوته ومكامن عزته.

فمن ثقافة ومثقفين أناروا طرقات العالم العربي، إلى دراما وفنانين وفنانات صنعوا علامات فارقة في السينما والمسرح والتليفزيون، إلى أعمال غنائية وموسيقية ودروب ثقافية أخرى من نحت ورسم وغيرهما كان المصريون نبراسًا على طريق الحضارة الحديثة. وبالطبع هناك من عمل في التدريس والهندسة والمحاسبة والقانون والإعلام وغيرها من المجالات ممن ساهموا بقدر هائل في بناء وتدعيم نهضة دول صديقة عدة.

ونعود إلى العراك المستمر المشار إليه أعلاه، وهو الذي تفجر ضمن ما تفجر من آثار جانبية وعوارض عكسية (بعضها ثبتت إيجابيته) ناجمة عن أحداث يناير 2011، فقد دفعت الأحداث الملايين من المصريين إلى النظر لأنفسهم بعين صادقة في المرآة، فرأوا شعبًا غير الشعب شكلاً وموضوعًا، وثقافة باتت مسخًا دون مبالغة فلا هي مصرية ولا هي عربية ولا هي إسلامية؛ بل مزيج غير متناغم لا يمت للأرض بصلة، وأسلوب حياة ظل عقودًا يتكون ويتوسع ويتمدد لا يمكن وصفه إلا بالعشوائي القبيح.

كما وجدوا الشعب وقد انقسم بين معتنق لثقافات واردة ويؤمن بفوقيته، ومنتهج لنهج العشوائية التي تتخذ من ضيق ذات اليد حجة، ومستمسك بتلابيب مصريته في زمن أصبح فيه قلة.

ومنذ اكتشف المصريون ذلك عقب الهزات المتتالية ليناير 2011، وهم يدورون في دوائر مفرغة أشبه بتلك التي حاول فيها الأقدمون الوصول لنتيجة حتمية لمسألة وجودية ألا وهي أيهما جاء أولاً: البيضة أم الفرخة؟!

وسواء جاءت البيضة إلى الكوكب قبل الفرخة، أو سبقت الفرخة البيضة، تبقى النتيجة واحدة، ألا وهي حاجتنا الماسة لاستعادة هويتنا حتى يكون البناء على مياه بيضاء، أما الانغماس حتى الثمالة في محاولات عقيمة عتيقة للوصول إلى من كان السبب في الوصول إلى ما وصلنا إليه من مسخ ثقافي وعيش عشوائي وتبدد لقوانا الناعمة فقد استهلك الكثير من الوقت والجهد.

الوقت والجهد في المرحلة المقبلة يجب أن يخصصا لاستعادة ما تم استلابه: هويتنا المصرية، فمن أين نبدأ؟ مع العلم أن الحفاظ على الهوية لا يتناقض والاندماج في النظام الدولي، ولا يتعارض والإبقاء على علاقات الجيرة والأخوة، ولا يتنافى والمسائل العقائدية.

مقالات اخري للكاتب

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

مادة إعلانية