هند سعيد صالح تتحدث عن والدها فى ذكرى ميلاده وقصة أول خطاب أرسلته له في سجنه

31-7-2018 | 20:08

سعيد صالح

 

سارة نعمة الله

بين التفرد في الأداء والتلقائية الواضحة التي بدت في أغلب أعماله ممزوجة بأداء جاذب وخفة ظل صنع سعيد صالح نجوميته وعالمه الخاص الذي تربع فوق قمته دون وجود منافس له ليقلب الموازين منذ بداية انطلاقته في فترة  الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي والتي بدأها بمسرحيته الشهيرة "هالو شلبي" ليصبح أحد نجوم الجيل الجديد الذين يتولون راية الكوميديا بعد جيل من عمالقة هذا الفن ومنهم فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وآخرون.


ولأن سعيد صالح كان نموذجًا للفنان الذي لا تنحصر موهبته على تقديم الأعمال الكوميدية فقط حيث أمتلأت رحلته بالعديد من الأدوار التراجيدية كانت اللحظات الأخيرة في حياة الراحل مزيج بين الفرحة والدموع، فالمفارقة الحقيقة في حياة الراحل تكمن في أن يكون عيد مولده في الحادي والثلاثين من يوليو هو استعداد للرحيل الذي حدث في الأول من أغسطس لعام ٢٠١٤.

في السطور القادمة تتحدث هند سعيد صالح ابنة الراحل لـ "بوابة الأهرام" عن هذه المفارقة بين ذكرى ميلاد ورحيل والدها وتسرد بعضًا من الجانب الآخر في شخصية الراحل وكيف كان علاقته بجمهوره من البسطاء وغيرها من التفاصيل التي أكدت فيها إرتباطها بوالدها رغم إنفصاله عن والدتها في مرحلة عمرية في حياتها، وقصة الخطاب الذي بعثته إليه خلال فترة سجنه حينما رفض مقابلتها في المرة الأولى والهدية التي منحها لها من خلال تواجده بالسجن.

تتذكر هند في مطلع حديثها ليلة وفاة والدها التي تتزامن مع ذكرى الاحتفال بمولده، حينها ذهبت إليه بالمستشفى التي كان يمكث به ووجدته في غيبوبة تامة بعد إنهيار وضعه الصحي حيث كان يعاني كثير من الأمراض من بينها وجود عدد من الجلطات بالمخ بخلاف مجموعة من الأورام الذي نتج عن وجود ورم رئيسي بجسده لم يحدد موقعه بالتحديد بالإضافة إلى إصابته بالزهايمر، هنا تحدث الطبيب للابنة وأخبرها أنهم قاموا بكل ما يستطيعون فعله في الطب لإنقاذه وأن دورهم الآن أصبح مقتصرًا على تسكين الآلام.

تروي هند أنها كانت تعلم أن والدها في غيبوبة لكنها لم تكن قادرة على تقبل الفكرة وأوهمت ذاتها بكونه في غفلة عميقة نتيجة حصيلة العقاقير الطبية التي كان يمنحها الأطباء له، ولأن قلب الابنة الأكثر قربًا من والدها كانت تشعر بأن النهاية قادمة لا محال لها وتركت تليفونها ليلتها مفتوحًا لأول مرة في حياتها إلى أن تلقت الصدمة في الصباح الباكر الذي مكثت كثيرًا لحين استيعابه.

تعود هند بذاكرتها إلى يوم الاحتفال بعيد ميلاد الراحل وتؤكد أنها لم تقم أبدًا بالاحتفاء به نظرًا لعدم تواجده بالقاهرة، وتقول: بابا مان دائمًا يحتفل بعيد ميلاده في الإسكندرية بسبب قدوم عيد ميلاده في الصيف الذي كان يحرص فيه دائمًا على تقديم عروض مسرحية لجمهوره وكان جميع العاملين بالمسرح ومحبيه هناك يقومون بالاحتفال به ولم يكن هناك طقوس معينة يحرص على القيام بها في هذا اليوم لكن كان هناك شخص كان صاحب الحضور الدائم في يوم ميلاده وهو المنتج سمير خفاجة الذي بدأ معه مشواره المسرحي منذ مسرحية "مدرسة المشاغبين".

تتحدث هند عن علاقتها بوالدها الذي لم تنفصل عنه حتى بعد انفصاله هو عن والدتها حيث أكدت أنها ظلت تعيش معه وكانت والدتها تعيش في شقة بنفس العمارة التي يسكنون فيها منوهة أنهم أصبحوا أصدقاء بصورة أكبر بعد الانفصال لأنهم بالأساس لم يكن بينهم أي مشاكل بل انفصلوا فقط بعد أن وجدوا أن حياتهم كزوجين فقط توقفت لكن بقيت الصداقة متواصلة بين الطرفين حتى إن الراحل كان يأخذ رأي والدتها في تفاصيل عمله.

وتستكمل: كنت دلوعة بابا بما أني وحيدته وكان لديه حكمة كبيرة في الحياة فرغم هذا القدر من اللطف في معاملته لي والدلال الذي كنت أتلقاه منه لكنه كان حازمًا أيضًا وجادًا في تربيته لي التي ورث فيها منها كثير من الخلق الحسن كالتواضع والأمانة والتمسك بالرأي ووسط كل هذا لم يقم أبي برفع صوته علي يومًا ما أو قام بضربي، والحقيقة أنا كنت منبهرة بحالته الفنية وفي مرحلة عمرية معينة كنت أنوي أن أخطو طريق التمثيل لكنه لم يكن محبذا لذلك كثيرًا لأنه كان يخشى علي من شدة الإجهاد حيث يرى أن التمثيل مهنة شاقة للمرأة إلى أن تطور الأمر معي ودرست المونتاج في معهد السينما.

رحلة سعيد صالح في السجن والتي استمرت لمدة عام لم تكن سهلة عليه أو على ابنته هند وهو ما ترويه متذكرة تفاصيل الزيارة الأولى: ذهبت لزيارة أبي في السجن في عمر الخامسة عشرة حينها رفض مقابلتي لأن الموقف كان شديد الصعوبة عليه وجلس ينظر إلي من خلف الأسوار حينها فكرت في أن أبعث له بخطاب كتبت له فيه ما يلي:" يعني أنا أغيب من المدرسة وأجي من القاهرة إلى الإسكندرية علشان أشوفك ومتقابلنيش" وقلبت الخطاب هزار وسخرية حينها خصوصًا أنه كان لديه عبارة شهيرة يعمل بها طوال حياته "الأمم تُقاس بمواعيدها" وفي الزيارة التالية كانت نفسية والدي تحسنت كثيرًا ووجدته يلعب الكرة وكون صداقات مع عدد من المساجين، وأتذكر أنه أهداني هدية جميلة تعتبر الأهم في حياتي فخلال تواجده بالسجن يتعلم المساجين عددا من الحرف اليدوية وقام حينها بتصنيع "غطاء" لقلم جاف مشغول يدويًا.

كيف كان يستعد الراحل لعمله بالمسرح معشوقه الأول؟ تشير هند إلى أن والدها كان يذهب كأول فرد إلى المسرح ويجلس على كرسي فوق خشبته واضعًا رجل على آخرى ويكون في حالة صمت تام لا يتحدث مع أي شخص وذلك قبل العرض يوميًا وعندما سألته عن ذلك قال لي إنه يريد أن يأخذ على شكل الناس في مخيلته وعندما سألته "معقولة يابابا لِسَّه عندك رهبة من الناس بعد المشوار والنجاح ده" فكان يقول لي "كل يوم أصعد فيه إلى المسرح تغلب علي رهبة كبيرة لأن الجمهور يتغير كل يوم".

"بابا لم يكن لديه حالة تقمص معينة في أدواره فبالنسبة لأدواره الكوميدية هو بطبيعته لديه حس كوميدي وفكاهي كبير أما الأدوار التراجيدية فاحتكاكه بالبسطاء وتواضعه الدائم في التعامل مع الآخر جعله ملتحمًا بروحهم فمن يشاهد سعيد صالح في "مدرسة المشاغبين" لا يمكن أن يقارنه مثلًا بدوره في فيلم "المشبوه"وغيرها من نمط الشخصيات، وأتذكر أن أكثر الأماكن التي كان يحب والدي التردد عليها هي السيدة زينب.

تحكي هند عن أصدقاء والدها وتصف الفنان عهدي صادق وصبري عبد المنعم بأنهم أصدقاء وعشرة العمر والأقرب له طوال حياته بخلاف مجموعة أخرى من الفنانين مثل فاروق الفيشاوي وصلاح السعدني، وتشير الآبنة إلى أن الراحل كان يعتبر الفنان أحمد حلمي عشقه الأول كما كان يحب الفنان محمد هنيدي بخلاف أنه كان يعول كثيرًا على نجومية محمد سعد ويراه من أهم ممثلي  جيله لكنه كان حزينًا لإهدار طاقته في أدوار مستهلكة وكان يقول أنه لا يستطيع أن يقدم شخصية من أجل التواجد فقط.

تؤكد هند أن الراحل كان يحب مصر بقوة ويرى أن الفنان دوره أن يعبر عن أرائه من خلال عمله ورسالته الفنية وليس لمجرد السير في المظاهرات حتى أنه لم يشارك في حياته إلا بالسير في مسيرة شعبية واحدة كانت تخص دولة العراق ودائمًا كان يقول إن بلدنا هي أعظم دولة في العالم.

الأكثر قراءة