البشر وطريق السويس

31-7-2018 | 15:04

 
أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد قطع الطريق، ولكنني أشاهد وأدقق وأحلل، حتى أشهر قريبة مضت، كنت أحفظ عن ظهر قلب مواقع الحٌفر، ومواقع المطبات، بالإضافة إلى الأماكن التي يختنق فيها الطريق يمينًا أو يسارًا، كل ما سبق كان معروفًا ومتوقعًا، باستثناء بالطبع ما كان يلحق بالطريق من حفر إضافية أو مطبات فجائية ناتجة عن ظروف طقس قاسية أو مرور سيارات نقل عاتية.

لكن الطريق يتغير وجهه تمامًا، ومن يعرف الطريق مثلي، يعرف أن العمل الجاري على قدم وساق جعل منه طريقًا غير الطريق، ومعالم غير المعالم، وأفقًا غير الأفق، صحيح أن الطريق لم ينته بعد؛ حيث يجري وضع اللمسات النهائية عليه في صراع واضح مع الزمن، إلا أن العينة بينة: هو طريق يرقى إلى تلك الطرق التي نراها وننبهر ونتحسر على أنفسنا في بلاد الغرب والشرق.

لكن، وآه من ولكن، العنصر البشري المتروك ليرتع على الطريق لم يتغير أو يتطور أو يخضع لإصلاح أو حتى تتم "صنفرته" وصقله بقليل من الالتزام وبعض من اتباع قواعد السير، المسألة تحولت من مجرد بعض السائقين غير الملتزمين الذين ينتهزون فرصة غياب الرقابة ليرتعوا يمينًا ويسارًا متسببين في حوادث قاتلة وخسائر مذهلة إلى سمة عادية على الطريق على مدار الساعة.

فمن يرغب في السير بسرعات تفوق بمراحل تلك المقررة يفعل، ومن يقرر اجتياز السيارات على يمين الطريق من أقصى اليمين يفعل، ومن يشعر برغبة في مشاهدة مقاطع يوتيوب أو قراءة ما كتبه الأصدقاء على فايسبوك أو الرد على الزملاء عبر تويتر والبريد الإلكتروني بينما يقود سيارته يفعل، ومن ينشغل بمتابعة ما يجري على جانب الطريق فتعوم منه السيارة يمينًا ويسارًا يفعل، ومن تعجبه فتاة تقود سيارتها على الطريق فيقرر أن يسير إلى جانبها يرهبها تارة ويرعبها تارة يفعل.

وضمن الفاعلين سيارات نقل عملاقة تسير في غير الأوقات المحددة لها، وهي لا تفعل ذلك على يمين الطريق وعلى استحياء، ولكنها تسير ثلاث وأربع منها جنبًا إلى جنب يتسامر قائدوها، ويضحكون، ويتركون من وراءهم يضربون رؤوسهم فيما تيسر من جدران. والطريق لا يستثني أحدًا في ممارسة ما يحب، كما لا يفرق بين غني يملك سيارة وعامل يعمل عليها وآخر فقير غلبان لا يملك سوى حمار.

فمن سيدة تقود عربة كارو بحمار ومعها بعض أفراد الأسرة يتسامرون ويضحكون بينما الحمار يقرر اللحظة الفارقة لينحرف يمينًا أو ينطلق يسارًا، لأخرى تركب جحشًا وتقرر أن تقطع طريق السويس السريع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لأطفال يقودون عربات كارو محملة بحديد خردة أو تلال قمامة أو غيرهما.

ولا داعي بالطبع لأسرد تجارب السيارات السوزوكي الصغيرة الطائرة على الطريق ومتكررة الانقلاب، والتروسيكل المترنح دائمًا وأبدًا، والسيارات الملاكي عير محددة المعالم حيث لوحات أرقام غائبة وزجاج أسود حالك، والقائمة طويلة.

ما سبق يدعو إلى طرح سؤال استفساري لا يخلو من جانب استنكاري، وفيه أيضًا قدر من الأمل والرجاء، إصلاح ما أفسدته سنوات من تجريف التعليم وتحقير التربية وتضئيل قيمة الأخلاق ومعنى السلوك و"طناش" كامل لربط الحصول على رخصة القيادة بمعرفة القيادة (التي هي بالمناسبة أعمق وأعقد من مجرد الضغط بالقدم على البنزين) سيستغرق سنوات مماثلة لإعادة البناء وإصلاح المقبل من الأجيال.

لكن هل يعني هذا أن تٌترك الأمور تضرب تقلب؟ وهل هناك تدابير تتخذ أو خطوات تتبع لضبط الإيقاع على الطريق؟ وهل يصح أن يكون الطريق بمواصفات عالمية والبشر عليه بمواصفات شديدة المحدودية؟ ربما أكون الوحيدة في مصر التي يتملكها الرعب ويطبق عليها الذعر كلما تم الإعلان عن توسعات في الطريق ليتسع لمزيد من الحارات.

ففي ظل ما أصبحنا عليه من انفلات وانتهاك للقواعد والسلوكيات، لا تعني الحارات الإضافية إلا قتلى أكثر ومصابين أكثر وخسائر أفدح، وإلى أن نصلح ما تشوه وأصابه العطب من سلوكيات وأخلاق، وضرب عرض الحائط بكل القيم والقواعد بما في ذلك قواعد السير، هل نأمل في تطبيق أي من قوانين المرور، فيما يختص بتعدي السرعات والقيادة التي تعرض النفس والغير للخطر، ونزع لوحات الأرقام والمركبات (والبهائم) غير المرخصة؟! ولو لم يكن فيها ثقالة أو رذالة، هل يمكن كذلك ضمان عدم عودة الخمسين جنيهًا المطبقة تحت الرخصة أو المائة جنيه المثنية خلف الوصل، وغيرها من السبل الملتوية والمحاولات المعوجة لتقويض القانون؟!

تحية واجبة لكل من فكر وخطط وأنجز وشارك في طريق القاهرة السويس، وعقبال البشر الذين يستخدمون الطريق.

مقالات اخري للكاتب

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

قليل من التدقيق لا يضر

في هذا المكان قبل سبعة أسابيع بالتمام والكمال، كتبت مقالاً عنوانه "إشاعات شائعة"، وبرغم أن الأجواء العنكبوتية والأحاديث الشارعية حينئذ لم تكن قد بلغت ما

سكان يسيرون على أربع

سكان يسيرون على أربع إنهم الكلاب والقطط والدواب

كثرة غثاء السيل

إنجاب الأبناء والبنات سمة من سمات البشرية، وتحديد العدد صفة من صفات العقلاء.

تعدية الشارع

"تعدية الشارع"! عبارة تبدو قصيرة وتقدم نفسها باعتبارها تحصيل حاصل، ليس هذا فقط، بل إن البعض يتعامل معها وكأنها سمة طبيعية من سمات الحياة اليومية، لكن كلا وألف كلا. "تعدية الشارع" أو "عبور الطريق" أبعد ما تكون عن كل ما سبق.

عن الكرة والشارع والرمز

الغضب والحزن والهري ستستمر أيامًا، ثم ما تلبث أن تذهب إلى حال سبيلها، ولن تعود إلا بحدوث موقف أو موقعة أو حادث مشابه لتعاود عملها بكامل عدتها.

الناس والدولة

​من ضمن ما خرجنا به من رمضان جرعة إعلانية ضخمة جديرة بالبحث والتقصي والدراسة والتحليل. وبعيدًا عن مستوى الإعلانات وقيمتها الإعلانية والإعلامية، ننظر إلى الفجوة الطبقية التي عبر عنها بكل اقتدار دون أن يدري محتوى الإعلانات وعناوينها.

مادة إعلانية

[x]