تحقيقات

"رقصة كيكي" تفضح الوعي الثقافي.. خبراء: الدونية وقلة الذات وراء تقليدها

29-7-2018 | 19:59

رقصة كيكي

داليا عطية

شهدت الأيام الماضية أغنية In My Feelings للنجم الكندي دريك التي ارتبطت برقصة معينه حيث يقوم الشخص بتسجيل فيديو أثناء استقلال سيارته الخاصة ثم النزول منها أثناء سيرها والرقص بجانبها علي نغمات الأغنية ليصبح بذلك تحدي "رقصة كيكي" الذي قام الكثير بتقليده في جميع أنحاء العالم ونشر الفيديو لهذا التحدي عبر صفحات "فيسبوك".

لم يكن "تحدي رقصة كيكي" هو الأول إذ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي انتشار "ميوزيكلي" حيث يقوم الشخص بتقديم مشاهد كوميدية من خلال فيديو يتم تسجيله على أنغام الأغاني الشعبية أو مقاطع صوتية من الأفلام والمسلسلات وما يساعد في انتشار مثل هذه المستجدات هو مشاركة المشاهير حيث شهدت "ميوزيكلي" مشاركة عصام الحضري ونجلته شدوى وجيهان خليل وأماني كمال وشهدت "رقصة كيكي" مشاركة الفنان العالمي ويل سميث والفنانة دينا الشربيني ودرة وياسمين رئيس .

قد يبدو الأمر عاديًا أو يأخذ طابعًا ترفيهيًا لكن إذا ما دققنا النظر حوله سنجد أنفسنا أما مشكلة كبيرة قد تحمل أضرارًا للمجتمع وهي "التقليد الأعمي" خاصة أن عددًا كبيرًا من الشباب قام بتقليد "تحدي كيكي" بالرغم من عدم إداركه لكلمات الأغنية وما تعنيه وهو ما يستدعي الوقوف .. هل كل ما يفعله الغرب نُقدم عليه دون تفكير أو إدراك ؟
في السطور التالية تتساءل "بوابة الأهرام" حول ظاهرة "التقليد الأعمي" أسباب وتداعيات وجودها وكيف لاقت قبولًا كبيرًا في المجتمع ولماذا استقبلها الشباب بهذا القدر من السِعة والترحيب ؟

نفسيًا .. لماذا نُقّلد الغرب ؟
يقول الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" أن تقليد الشخص لغيره أو لشيء مستجد دون التساؤل حول ما هو هذا الشيء وإلى ماذا يهدف؟ يُعد تقليدًا أعمى يقوم به من يشعر بالدونية وقلة الذات فيجد في تقليده للآخرين القيمة التي لا يجدها في نفسه، خاصة أنه يظل متمسكا بهذا الفعل ويكرره كثيرا: "يقف عنده ولا يمرره".

عقدة الخواجة
ويضيف أن هناك عاملًا أساسيًا لوجود "التقليد الأعمي" وهو الفراغ الثقافي لافتًا في ذلك إلي "رقصة كيكي" التي انتشرت عبر "فيسبوك" فيقول إذا ما أطلنا النظر إلي الماضي سنجدها في فيلم غرام في الكرنك ولكن نحن نعاني الفراغ الثقافي ولو كانت لدينا ثقافة كنا سندرك أن هذه الرقصة شهدتها أعمالنا الفنية منذ سنوات مضت وما كنا انبهرنا بها لهذا الحد المُبالغ فيه .

ويلفت إلي سلوك البعض فيقول إن نسبة كبيرة من أفراد المجتمع يعانون "عقدة الخواجة" ودائمًا ما يُفضّلون المنتجات الأجنبية وينجذبون نحو الغرب مستشهدًا في ذلك بأن كثيرًا من التقارير والدراسات العلمية تفيد أن الأطباء المصريين من أفضل الأطباء على مستوي العالم، وبالرغم من ذلك نجد من يريد السفر للعلاج في الخارج وكأن تأصلت في أذهاننا كمصريين أن كل ما هو غربي أفضل وأكثر جودة قائلا :" نحن شعب يقلل من قيمة نفسه دائمًا".

حرب إلكترونية
يقول استشاري الطب النفسي في تصريحاته إن فيسبوك أصبح أحد أخطر العوامل المؤثرة في المجتمع بالسلب والتي من شأنها شن حروبًا نفسية ضد أفراده وخاصة فئة الشباب؛ حيث اللجان الإلكترونية التي تقوم بتصدير الشائعات لمحاربة المجتمع، وكذلك عرض طبيعة الحياة الخاصة للمشاهير أو غيرهم مما يُشعر غير القادرين من الشباب بالدونية والنقص بسبب قلة الإمكانيات وضعف الحالة المادية فتصيبه حالة من الإحباط الشديد والاكتئاب الذي قد يؤدي إلى انتحار أصحاب النفوس الضعيفة وفقيري الإيمان .

عوامل مساعدة
وعن مشاركة عدد من المشاهير في التقليد لما هو جديد كما فعل "ويل سميث" و"الحضري" وغيرهم من النجوم عندما قاموا بـ "تحدي كيكي" يقول استشاري الطب النفسي إن "سميث" يتعايش بذلك مع مجتمعه أما "الحضري" فأراد أن يوجه رسالة من هذا التقليد لجمهوره وهي أنه لازال شابًا يتمتع بصحة جيدة ولم يفقد لياقته البدنية إلا أن أغلب المجتمع لم يتفهم هذه الرسالة وانهالت عليه الانتقادات وهنا تأتي خطورة أخرى لفيسبوك إذ أصبح حقًا مكتسبًا للجميع أن يصدرون أحكامًا علي الغير وينتقدون أفعال البعض ويشنون حروبًا لفظية تتسبب في الإيذاء النفسي لا شك وهو ما يؤثر علي الأفراد بالسلب والإحباط .

استغلال إيجابي
ديسباسيتو أغنية إسبانية غناها دادى يانكى ولويس فونسى اللذان استطاعا وضع بصمة عالمية تقدر بمئات المليارات بعد النقلة الاقتصادية والثقافية التى استطاعت أن تفعلها هذه الأغنية لبلدها "بورتريكو".

وبورتريكو بلدة متواجدة على البحر الكاريبى غرب الولايات المتحدة الأمريكية وتعانى من الفقر الشديد لتأتى أغنية ديسباسيتو وتنشلها من هذا الضياع الاقتصادى بعدما استطاعت زيادة نسبة التدفق السياحى فيها بمعدل وصل إلى 45% حيث تضمن كليب الأغنية مشاهد ومعالم طبيعية وسياحية فى بورتوريكو شجعت الكثير حول العالم لزيارة هذا المكان البسيط لتتحول بورتريكو من بعدها إلى وجهة سياحية عالمية.


وفي هذا السياق يقترح استشاري الطب النفسي في تصريحاته باستغلال حدث "رقصة كيكي" لصالح المجتمع بإنتاج أغنية تقوم بدعم السياحة في مصر والترويج لها كتصويرها في محيط منطقة الأهرامات أو القلعة أو الحسين؛ معتمدًا في ذلك علي تفاعل الناس مع هذا النوع من الفنون قائلا :" أغنية ديسباسيتو رفعت الدخل القومي لبلدة بورتريكو " .

تقليد أعمي

تقول الدكتورة هالة يسري أستاذ علم الاجتماع في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" إن الشباب يبحث عن الجديد وهذا ليس عيبًا إنما العيب هو "التقليد الأعمى" دون إعمال العقل وطرح تساؤلات قبل هذا التقليد عن الهدف منه وماذا تعني هذه الفعلة.


وتضيف أن الثقافة لم تأخذ دورها الكافي في االمجتمع وأيضا التعليم؛ لذا فإن عقول الشباب فارغة تفتقد الفكر الثري والتثقيف وأن "التقليد الأعمي" ما هو إلا نتاج هذا الفراغ والخواء الذهني ولو أعطى الشباب أنفسهم قليلا من الوقت للتفكير والتدبر حول "رقصة كيكي" التي تسارعوا علي تقليدها ما ظهرت مثل هذه الأفعال التي تنم علي سطحية الفكر وهشاشة الوضع العام .

ضياع فكري
تتابع في أسف أن "التقليد الأعمي" يضر بالمجتمع ويفضح ثقافته إذ لا يدل إلا على فراغ ثقافي وتعليمي وفقدان للهوية ومحاولة للتشبث بالجديد دون النظر للمحتوي والتوجهات والهدف منه مؤكدة أن الذين يؤدون "رقصة كيكي" في الشوارع يفضحون ثقافة المجتمع وينزعون الغطاء لتتكشف حالة الفراغ الثقافي والضياع الفكري مطالبة الإعلام أن يرتقي بالمجتمع والفكر ويسلط الضوء علي نماذج ناجحة في كافة المجالات وألا يقتصر علي لاعبي الكرة أو المشاهير فقط؛ بل يتطلع إلي نماذج يمكنها أن تصبح قدوة للآخرين من خلال الفكر والثقافة والكفاح والعمل الجاد الذي يحمل خيرا لصاحبه وللمجتمع لتكون مثالا يُحتذي به للشباب فهذا هو التقليد الحميد .

فيروسات الغرب
تشدد أستاذ علم الاجتماع في تصريحاتها علي دور الثقافة في حماية العقول من فيروسات الغرب التي تنهال علي مجتمعنا في صورة أغنية أو مسلسل أو موضة خاصة بالأزياء أو قصة شعر أو عادة يقوم بها الأجانب فيقفز الشباب المصري لتقليدها تقليدًا أعمي تسبب فيه غياب الوعي الثقافي ودور التعليم فضلا عن حالة الفراغ الوقتي الذي يعانيه الشباب بسبب البطالة فجزء كبير من هؤلاء الشباب لا يسعون سعيًا حقيقيًا لإيجاد فرصة عمل والجزء الآخر لا يجد سبيلا لتفريغ طاقاته المكبوته إذ أن الدولة ومؤسساتها والمجتمع المدني عليهم رعاية هذه الطاقات وإتاحة الفرصة لاحتوائها من خلال مشروعات صغيرة وندوات تثقيفية لتكون حصنًا منيعًا يستطيع الشباب من خلاله التصدي لفيروسات الغرب التي تستهدف العقول الفارغة فتنضج فيها وتتكاثر ويعاني المجتمع أضرارها وتوابعها قائلة: "يجب أن يتحلى المصريون بالعقلية الناضجة التي تحاول فهم ما وراء الجديد وتفتح حوارات حوله وتناقشه وتستخلص ما يجب أن تتبناه .. نحن بحاجة إلي الفكر الناقد "مؤكدة أن بداية هذا الفكر الناقد هي المدرسة وأولى خطواته هي التخلي عن الإجابات النموذجية التي تُعلّم الأبناء الحفظ والتلقين وتلغي دور العقل ومن هنا يضيع جيل بأكمله .

ظاهرة عالمية
يقول الدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" إن التقليد ظاهرة عالمية ظهرت مع التوسع الإعلامي في الميديا منذ ظهور الراديو والتلفزيون وصولا بظهور فيسبوك الذي أصبح منبرًا إعلاميًا لقطاع كبير من المجتمع وهو الشباب .

ويبرهن على الظاهرة مستندًا إلى التاريخ فيقول إن فترة الخمسينيات شهدت موضة "الفرانكو آراب" وهي الأغاني التي تتضمن جزء باللغة العربية وجزء بالأجنبية وكانت أشهرها أغنية "يا مصطفى يا مصطفى" وفي أواخر الستينيات وبداية السبعينيات ظهرت موضة الفرق الموسيقية التي خرجت عن المألوف في هذه الفترة.

الإعلام ومواجهة الظاهرة
ويشير إلى الإعلام فيقول إنه الوسيلة للنجاة من "تقليد الغرب" دون إعمال لعقل؛ حيث الثقافة التي تملك إعلامًا قويًا تستطيع أن تفرض نفسها بقوة على غيرها من المجتمعات وحسب التاريخ؛ فإن الثقافة الأمريكية غزت اليابان بنسبة كبيرة جدًا بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية مؤكدا: "وجود إعلام قوي يساهم بقوة في نشر ثقافة المجتمع بل وفرضها ".


سياسة استخدام لـ"فيسبوك"
وعن "فيسبوك" كوسيلة إعلامية تنتقل من خلالها ثقافات الدول وعادات الشعوب الآخرى يقول أستاذ التاريخ إنه ليس بإمكاننا منع هذا التطبيق فشأنه شأن وسائل الإعلام الناشئة جديدًا كالراديو في بداية ظهوره والتليفزيون وحتى السينما والتي شهدت تخوفًا في بداياتها وهذا طبيعي فكل ما هو جديد يحمل معه إيجابيات وسلبيات، مؤكدا أن المنع ليس حلًا وإنما علينا التوجيه للاستخدام الصحيح لهذه الوسيلة الإعلامية مضيفًا: "فيسبوك وسيلة إعلامية تحتاج رؤية وسياسة للاستخدام".

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة