بعد جريمة المريوطية.. "بوابة الأهرام" تحقق في مصير أبناء الزواج العرفي.. وخبراء: نصفهم يصابون باضطرابات نفسية

23-7-2018 | 17:40

 

داليا عطية

فتح حادث "أطفال المريوطية" الذي شغل الرأي العام ملف الزواج العرفي وتوابعه علي المجتمع فقد راح ضحية هذه الواقعية 3 أطفال حرقا تبين من التحقيقات أنهم  أبناء لأم تزوجت عرفيا من 3 أزواج.. ولم تكن تلك الواقعة هي الأولي ولن تكون الأخيرة فى ظل تزايد معدلات الزواج العرفي فى المجتمع.. "بوابة الأهرام" تفتح ملف "أبناء الزواج العرفي" الذين غالبا ما يكونون هم ضحايا هذا الزواج حيث يتنصل آباؤهم من نسبهم ويكون مصيرهم مجهولا وعرضة للوقوع فريسة للجريمة.

وفي التحقيق التالى تطرح "بوابة الأهرام" العديد من التساؤلات عن مصير أبناء هذا الزواج وهل التشريعات الحالية كافية للحد من الزواج العرفي ومخاطره؟


أسباب الزواج
عن الأسباب التي تدفع المرأة للزواج العرفي يقول الدكتور محمد هاني استشاري الصحة النفسية في تصريحات لـ "بوابة الأهرام" إنها عدة منها التفكك الأسري والاحتياج العاطفي وهذا النوع منتشر بكثرة بين شباب الجامعات ومنها الاحتياج المادي حيث نساء كثيرات لا يمتلكن مؤهلات عليا وربما لم يخضعن للتعليم ونتيجة لظروف أسرية اضطررن إلي ترك المنزل والبحث عن مصدر للإنفاق علي حاجتهم الشخصية فيتعرضن للاستغلال من قِبَل الطامعين مقابل الإنفاق عليهن فتضطر إلي هذا الزواج ومنها البيئة المحيطة حيث العشوائيات التي تمتلئ بالانحرافات الفكرية والأخلاقية وهو ما يجعل أشياء كثيرة مباحة في هذه البيئة وليس الزواج العرفي فقط إذ يُعد هذا المجتمع "العشوائيات" عالما مفتوحا لممارسة الانفلات الأخلاقي وارتكاب الجرائم دون رقيب أو وازع ديني كما أن الزواج العرفي لا يقتصر وجوده علي الطبقة الفقيرة فحسب وإنما أيضا الطبقة الراقية؛ حيث تلجأ بعض الشخصيات العامة لهذا النوع من الزواج لعدم قدرتهم علي مواجهة الحياة الخاصة بوجود زوجة ثانية وفي المقابل تقبل المرأة بالزواج العرفي مقابل أموال الزوج التي تحيطها وهداياه الثمينة التي تملأ خزانتها، كما أن هناك سيدات يلجأن لهذا الزواج بسبب المصلحة؛ حيث تتقاضي معاشًا عن والدها وفي حالة زواجها رسميًا سينقطع هذا المعاش وهنا تحايل علي القانون فضلا عن أن هناك سببا آخر وأساسيا لحدوث هذا الزواج وهو غياب الوازع الديني.

أضرار نفسية
ويضيف استشاري الصحة النفسية أن هذا الزواج تعاني فيه المرأة اضطرابات نفسية وتوتر وتشتت؛ حيث القلق والحرص الشديد علي إخفائه والخوف من أن يعلم أحد به لأنه يحدث في السر وكل ما كان خفيًا في الظلام يسبب قلقًا شديدًا لصاحبه فضلا عن أنه يشعره وكأنه لص هارب طول الوقت، وهو ما يسلب الحياة الزوجية قيمتها فيذهب شعور الأمان والاطمئنان ويأتي محله شعور الخوف والقلق الذي تنتج عنه اضطرابات نفسية تؤثر سلبًا علي الشخصية وعلي الجسد؛ حيث تصاحبها آلام في العظام والمفاصل وارتفاع ضغط الدم والسكر قائلا: "إن المرأة التي تقبل بالزواج العرفي ستعيش حياة غير مستقرة وغير مُتّزنة نفسيًا وتعاني القلق والخوف وتُحرم الأمان العاطفي وهو ما يؤثر علي صحتها النفسية بالسلب والجسدية بالمرض والوهن".

أبناء الزواج العرفي .. ما المصير المُنتظر؟
تقول الدكتورة أسماء عبد العظيم، استشاري العلاقات الأسرية في تصريحات لـ"بوابة الأهرام": إن الزواج العرفي الذي يتم في السرية والظلام إذا نتج عنه أبناء سيكون مصيرهم مُظلما أيضا لا تضيئه شمس النهار وبالتالي يسير أبناء هذا الزواج في طريق غير مستو يتخبطهم المجتمع الذي ينبذهم ويرفض مشاركتهم وتلحق بهم نظرة "العار" التي تسببت فيها الأم حين ارتضت بالظلام في إقامة علاقة تنازلت فيها عن حقوقها الشرعية والقانونية وحقوق هؤلاء الأبناء.

أشخاص "سيكوباتيه" ضد المجتمع والقانون

وتضيف استشاري العلاقات الأسرية أن بعض أبناء الزواج العرفي يعانون اضطرابات نفسية تولد لدى بعضهم نوعين أولهما أطفال تتحول لأشخاص حاقدة علي المجتمع وتتحول بعد ذلك لأشخاص "سيكوباتيه" معادية للمجتمع ومُخربة لمؤسساته وعدوانية وخارجة عن القانون لأن المجتمع قهرهم وأشعرهم بالذل وبالتالي هم أشخاص لا يستشعرون داخلهم الانتماء لهذا المجتمع فيتمردون عليه وعلي قواعده وضوابطه، والنوع الثاني هم أطفال تتحول لأشخاص انسحابية لا هدف لها في الحياة ولا دور محدد، فأين الأسرة التي من شأنها توظيف قدرات الأبناء ودعمها وتنميتها وتطويرها؟ لذا فإن هذا النوع يأتي بأشخاص غير منتجة نظرا لفقدها الهدف والغاية، وبالتالي تصبح عبئا علي المجتمع قائلة: "المجتمع هو المتضرر الأول من الزواج العرفي وليست المرأة لأن أبناء هذا الزواج هم قوة منتجة يعجز المجتمع عن استثمارها لأن نصفهم "سيكوباتي" معاد للمجتمع متمرد علي قواعده وقوانينه وأفراده والنصف الآخر انسحابي يعاني اضطرابات نفسيه وانعزالا يؤدي إلي إحباط قد يؤدي إلي الانتحار أو تعاطي المخدرات وفي الحالتين سيعاني المجتمع نفسيًا وصحيًا وأمنيًا من أبناء الزواج العرفي".

من هو الشخص السيكوباتي؟
الشخصية السيكوباتية هي شخصية مركبة من عنصرين أساسيين هما "حب السيطرة والعدوانية" والشخص السيكوباتي هو شخص منعدم الضمير تماما يمكن أن يضحي بكل شيء من أجل إيذاء الآخرين حتي يمكنه أن يضحي بوالدته لأن هناك مصلحة من ورائها؛ حيث تخلو الرحمة من قلوب الشخصيات السيكوباتية لذلك يغلب عليهم سلوك التطرف فنجدهم يسرقون ويخدعون ويكذبون ويقتلون ولديهم ذكاء شديد جدا في القيام بخطط عدوانية من أجل إيذاء الآخرين.

"وصمة عار"
عن الجانب الاجتماعي يقول الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" إن هذا النوع من الزواج لا يقبله المجتمع ولا يعترف به لما يحمله من خطورة علي الزوجة التي ترتضي بإقامة علاقة في الخفاء تحت مسمي "الزواج العرفي" وخطورة أيضا علي الأبناء الناتجين من هذا الزواج؛ حيث لا يعترف بهم الأب وتبدأ رحلة التنقل بين المحاكم لإثبات نسب الأطفال وفي الأخير إن تم إثبات النسب لن يرحمهم المجتمع ولن يقبلهم لأنه يرى هذا الزواج "وصمة عار" لحقت بالأم ومن ثم بأبنائها.

المجتمع لن يغفر
ويضيف أن أبناء هذا الزواج لن يرحمهم المجتمع ولن يعاملهم معاملة أبناء الزواج الرسمي وينظر إليهم نظرة مهينة فيها انتقاص للأخلاق والقيم فيظلون طيلة حياتهم يتجرعون آلالمًا نفسية لا حدود لها حيث يشعرون بالرفض الدائم فيقول: "أبناء الزواج العرفي هم أبناء الظلام لن يقبلهم المجتمع ولن ينسي ظروف نشأتهم وفي الأغلب تكون الشوارع وأرصفة الطرقات هي المأوي لهم".

إلغاء الزواج العرفي وتجريمه
وطالب أستاذ علم الاجتماع بوضع حلول لهذا النوع من الزواج لما فيه من خطورة علي المجتمع فأبناء الزواج العرفي وهم "أبناء الظلام" الذين يتنقلون مع الأم منذ ولادتهم بين المحاكم لإثبات نسبهم لأبيهم المتنصل منهم ويعانون الحصول علي شهادة ميلاد تثبت هويتهم سيسجل لهم التاريخ هذا العناء وهذه الذكرى السيئة ليواجههم بها في المستقبل فيجدون أنفسهم أفرادًا منبوذين من المجتمع فضلا عن أن الكثير من هؤلاء الأبناء في حال عدم تمكن الأم من إثبات نسبهم لأبيهم تتبرع بهم للشوارع وتتخلص بذلك من المسئولية وهنا تأتي قضية خطيرة وهي أطفال الشوارع؛ حيث يصبح هؤلاء الأبناء عرضة للاتجار بهم كاستخدامهم في التسول والشحاتة وسهولة انحرافهم أخلاقيا كتناولهم للمخدرات والتقاطهم السلوك السيئ والمنحرف أيضا وكيف لا يلتقطوا هذا السلوك وهم في قلب الشارع تتلقاهم أيدي الجهل والإهمال والمرض إضافة إلي سهولة انحراف هؤلاء الأبناء فكريًا مما يجعل سهولة في استخدامهم كأداة لمحاربة الدولة وهنا تكمن الخطورة قائلا: "أبناء الزواج العرفي هم نواة لأطفال الشوارع الذين يُشكّلون خطرًا أمنيًا علي المجتمع لذا وجب التصدي لمنع هذا النوع من الزواج وتجريمه".

الامتناع عن تبني قضايا إثبات النسب
ولفت أستاذ علم الاجتماع إلي القانونيين فقال: يجب امتناع المحامين عن تبني قضايا إثبات النسب لردع من يقوم بعلاقات تشبه الزواج ينتج عنها أطفال مهددون بالتشرد والضياع يظل المجتمع يعاني انحراف سلوكهم وأخلاقهم وفكرهم كما طالب مجلس النواب بتشريع جريء يمنع الزواج العرفي ويُجرّمه ويعاقب من يدافع عنه في المحاكم بإثبات نسب أبناء هذا الزواج لأنه بذلك يدعم ظاهرة أطفال الشوارع ويشجّع علي زيادتها.

المصير القانوني .. تنصل الزوج من المسئولية وإنكار النسب

يقول أستاذ القانون أحمد مهران في تصريحات لـ"بوابة الأهرام": إن أبناء الزواج العرفي عادة ما يتنصل آباؤهم من نسبهم وتنتقل الزوجة بهم بين المحاكم بعد رفعها دعوة إثبات نسب وفي الغالب يتمسك الزوج بالتنصل من المسئولية وإنكار نسب الطفل فتلجأ المحكمة إلي الخبير الطبي لإجراء التحليلات المعنية بإثبات النسب والمعروفة بتحليل الـ "DNA" وفي الغالب يمتنع الزوج عن الحضور للتحليل مما يطيل أمد النزاع بالسنين داخل المحاكم.


تشرد وتسول وتجارة أعضاء
ويضيف مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية في تصريحاته أن الدراسات تؤكد أن معظم أطفال الشوارع هم نتاج لهذه النوعية من الزيجات وأن هؤلاء الأطفال يشكلون خطرا علي المجتمع نظرا لكونهم أرضا خصبة للتشكيل أو توجيه عقولهم نحو الانحراف الفكري والأخلاقي واستخدامهم في جرائم العنف والمخدرات والجنس والاتجار بالبشر وحسب تصريحات مسئولي المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية فإن عدد أطفال الشوارع في مصر بلغ نحو 16 ألف طفل فضلا عن عدد الأطفال مجهولي النسب.


ارتفاع معدلات الجريمة وتشويه سمعة الدولة
ويتابع أستاذ القانون أن أبناء الزواج العرفي حتي وإن تم إثبات نسبهم فإن المجتمع يراهم أطفال شوارع ولا يستوون في نظرته بسائر الأفراد أما الذين تعجز الزوجة في إثبات نسبهم يصبحون "لقطاء" ولا يستطيعون مواجهة المجتمع أو الاندماج فيه وهو ما يحرمهم حقوقهم الاجتماعية والإنسانية ويحيطهم شعور الرفض من الأهل منذ ولادتهم ومن المجتمع طيلة وجودهم فيه فتبدأ رحلة وجودهم في الشارع وهنا يدفع المجتمع الضريبة من الخوف والترهيب والتخريب وارتفاع معدلات الجرائم نظرا لأن الشارع سيكون هو المصير المنتظر لأبناء الزواج العرفي الذين تنصل أبائهم من نسبهم بالإضافة إلي إيذاء سمعة الدولة أمام المجتمع الدولة لافتا إلي أعباء مادية؛ حيث تتحمل الدولة حينها الإنفاق علي هؤلاء الأطفال من خلال بنك ناصر أو إيداعهم في إحدى دور الرعاية التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي.

زواج الضياع
تقول الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، عضو مجلس النواب في تصريحات لـ"بوابة الأهرام": إن الزواج العرفي تسقط فيه حقوق المرأة ويضيع فيه الاستقرار الأسري الذي هو غاية الزواج ومقصده الشرعي وفي حالة وجود أطفال من هذا الزواج يصبحون بلا أي ضمانات؛ حيث يتنصل الأب منهم وينكر نسبهم فلا يجدون أسرة ولا إنفاقًا ويفتقدون كل أنواع الرعاية النفسية والجسدية والصحية والمادية واصفة هذا الزواج بـ "زواج الضياع".

الشرع يُحذّر
وفيما يخص الجانب الشرعي قالت "نصير": إن الإسلام يُحذّر من أن تُقدم المرأة علي أي عمل لا يحمل لها الضمان والاستقرار لذلك أكد الإسلام أن الزواج لا بد أن يكون تحت ميثاق غليظ كما جاء في قول الله تعالى: "وأخذنا منكم ميثاقًا غليظًا" فالميثاق الذي جعله الله بين الرجل والمرأة عند الإقدام على الزواج له معنى ومضمون وبُعد نفسي وأخلاقي وأيضا حماية مستقبلية كما حمّلت المرأة مسئولية ضياع أبناء هذا الزواج ووجهت برسالة تقول: "لا تضحي بسمعتك وحقوقك ومستقبل أولادك تحت أي بريق.. لا تلقي بنفسك في التهلكة".

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]