الإعلام والثقافة الاستهلاكية!

19-7-2018 | 23:22

 

مشكلة المشكلات في حياتنا الآنية؛ هي ارتفاع الأصوات القادمة من أعماق آبار خوارج التاريخ ذات المياه الآسنة العفنة؛ والتي امتلأت بكل طحالب الأفكار الرجعية المتخلفة؛ ويظن سدنتها أن البشر الذين يعيشون داخل المجتمعات؛ لا بد أن يكونوا في حالة "تجهُّم وعبوسٍ" كاملين؛ بل يقيمون " الحدود الشرعية " ـ من وجهة نظرهم التراثية العقيم ـ على الإبداع بكل روافده في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء؛ بل امتدت سطوتهم إلى محاولة الاستيلاء

والسيطرة على توجهات صفحات التواصل الاجتماعي ؛ بلجانهم الإلكترونية وشبكاتها العنكبوتية.

وعملاً بمبدأ عدم الحجر على رأي هؤلاء المغيبين عن الواقع وتطوراته المتلاحقة؛ يتسع الصدر للمناقشة العاقلة المتأنية؛ لنطرح سؤالاً منطقيًا لنجيب عليه دون انتظار لهرطقات المهرطقين أتباع قانون التجهُّم والعبُوس في وجه البشر: هل الإعلام وسيلة "ترفيه" لإزجاء الوقت في الفراغ؛ أم "توجيه" لتعديل مسار المجتمع على درب التقدم والازدهار؟

قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى صعبة على من لا يدرك حقيقة أهمية " الترفيه " للتجمعات البشرية في شتى أنحاء الوطن؛ ولكن أي ترفيه هذا الذي نقصده؟ بالتأكيد.. هو الترفيه الذي يحارب كل مظاهر القُبح والتدنَّي في سلوكيات البشر داخل المجتمع، ويجب أن يقوم على ترسية قواعده وترسيخها الأساتذة والخبراء من جميع التخصصات الفنية؛ وعلماء الاجتماع، ويكون هذا " الترفيه " المقنن؛ هو " التوجيه " الأمثل للمجتمع، ورأس السهم النوراني الذي يضيء آفاق الظلمة في الوقت نفسه.

وتأتي هذه الثنائية: ترفيهًا وتوجيهًا ـ كوجهي العُملة ـ لأهمية الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في التنوير والتثقيف المجتمعي، ومن حرص واهتمام السلطة الحاكمة ومنظمات المجتمع المدني؛ على تخصيص الأقسام والدوائر التي تعني بالتعريف والإعلام بما يدور في جنبات المجتمع؛ إلا إيمانًا بأهمية هذا الدور في تشكيل وجدان الأمة؛ عن طريق التعريف بكل الأحداث والوقائع التي تتوافق مع المفاهيم السياسية للدولة داخليًا وخارجيًا؛ وكذا شرح التحولات الاقتصادية التي تمس عصب الدخل المادي وتأثيره على أسلوب معيشة المواطن.

إنني أؤمن أشد الإيمان؛ بأن نظرية "الترف للترف" في أجهزة الإعلام ـ في ظل الأخطار المُحدقة بنا من كل جانب ـ هي ثقافة استهلاكية و"فانتازيا" لا نملُكها ـ ولا يجب أن نملُكها ـ حتى نجتاز عثرات التحولات السياسية والاقتصادية؛ والعمل بجد واجتهاد للارتقاء بالصحة البدنية والنفسية والاجتماعية والثقافية لكل فرد في المجتمع، وهذا الارتقاء لا يتأتى إلا ببناء الكوادر الإنسانية المؤمنة بوظيفة "الإعلام" الحقيقية؛ ودوره الفاعل في مسيرة التنوير.

وليس معنى قولي هذا إنكاري حق الإنسان الأساسي في الترويح النفسي والذهني؛ كوسيلة من وسائل التخفيف عن كاهله من أعباء المعاناة الحياتية، ولكن يجب أن تكون هذه الثقافة الترفيه ية محكومة بمعايير أخلاقية؛ لا تخدش أو تشوه الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع، لمحاربة كل التدخلات التي صنعتها "العولمة" في تمييع الهويَّة الثقافية وتهميشها، ولو أن هذا ـ ربما ـ قد يكون مقبولاً في "العولمة الاقتصادية" التي تتحكم فيها المؤسسات البنكية في العالم؛ وبخاصة صندوق البنك الدولي التابع لما يسمَّى صندوق النقد الدولي ؛ ولكنه لن يكون مقبولاً في مواجهته للحفاظ على الانتماء الحقيقي للوطن وأهدافه الإستراتيجية العليا.

ولكن تظل الأمنيات والتطلعات العظيمة في وادٍ؛ والواقع الفعلي الذي يمارسه الإعلام الرسمي والخاص في وادٍ آخر! فالإعلام الرسمي والخاص؛ يداعب أحلام الفقراء ـ وشريحة كبيرة من الأغنياء أيضًا ـ بتأصيل غريزة التملك والاستحواذ والصراع ـ بميكافيللية ـ للحصول على أكبر عائد مادي؛ لاستهلاكه في أوقات الفراغ والاسترخاء، تنفيذًًا لما غرسته فيه المعلومات الهشة التي منحها له هذا الإعلام المسطَّح فكرياً ينطوي على الضحالة المعلوماتية؛ هذه الضحالة التي يتشبع بها غالبية المجتمع الذي تحكمه الأميَّة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتفت في عضده، وبهذا نكون قد أسلمنا واقعنا لمن يتحكم فيه على البعد من مخططات الغرب الذي لا يريد لنا التقدم والسلامة المجتمعية في أوطاننا.

نريد واقعًا جميلاً بحجم الأمنيات الطيبة؛ المتطلعة لمحاولة بلوغ غاية الكمال قدر الإمكان، وهذا ليس من الصعوبة بمكان، فلدينا الكوادر الشابة والعقليات المتفتحة القادرة على استيعاب التكنولوجيا والمعارف الحديثة، لاستغلال طاقاتها الحيوية في الإنتاج المثمر، بدلاً من هدر هذه الطاقات في الثقافة الاستهلاكية بكل فنونها؛ والتي لا تعود بالنفع.. لا على الأفراد، ولا على الوطن بأسره.

دورنا الفاعل؛ هو الإضاءة على ما نعتقده أماكن التقصير، ودور الدولة هو التنفيذ والتمويل لتنفيذ الأفلام التي تهتم بتعريف الأجيال الصاعدة بتاريخ العلماء والأبطال؛ أصحاب البصمات المؤثرة في مسيرة التقدم والازدهار، فهذا هو الدور المطلوب من الإعلام؛ وهو الاستثمار الأمثل لتنشيط ذاكرة الشعوب لتقوية جذور الانتماء في تربة الوطن، لتكون الأرواح المُحبة هي حائط الصد المنيع ضد كل الدخلاء والخونة في الداخل والخارج.

إنها مصر.. فلا تبخلوا عليها بكل ما يحقق لها الريادة والقيادة على طول الزمان.

مقالات اخري للكاتب

حب الوطن

مازال صوت موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب يداعب أذني وأتمايل معه طربًا حين أتذكر تغنيه بالوطن ناشدًا لحنه الرائع.. حب الوطن فرض عليا.. أفديه بروحي وعنيا..

الثقافة.. لُحمة في نسيج التنمية المستدامة!

بات لزامًا علينا نحن أهل اللغة المشتغلين بها، أن ننشغل بقضايا تطورها ككائن حي يتطور دومًا بملاحقة كل المستجدات في عالم التكنولوجيا، ومتابعة تعريب كل المصطلحات

ثقافة الطفل المصري.. وتكنولوجيا المعلومات

أعرف منذ البداية في الحديث عن عالم الطفل الآن، أنني أدخل إلى عالم سحري مليء بكل المتناقضات والمفارقات التي لا تخطرعلى بال أحد، فأطفال اليوم ذو طبيعة شديدة

منظومة المجتمع الأخلاقية .. وموقف القوة الناعمة المصرية

تتنازعني عدة اتجاهات عند ضرورة الحديث عن "الأخلاق" في المجتمع، وتغلب على كتاباتي الطبيعة الأكاديمية بحكم اشتغالي في مجال البحث في الأدب واللغة العربية، ولكني أجد أنه لزامًا على قلمي ألا يكتب عن نظريات الأخلاق عند "سقراط" أو "أفلاطون" وحلم المدينة الفاضلة، أو عند "كانط" في علم الجمال،

القوة الناعمة مغناطيس الجذب.. وحماية الأمن القومي المصري

يبدو أنه لا مفر من مجاراة لغة العصر ومستحدثاتها شئنا أم أبينا!

المذيعون الجدد و"فاترينة" العرض

لكل شيء في الحياة ضوابط ومعايير نتبعها لتسيير أمورنا الحياتية والعملية والعلمية والاجتماعية إلخ، ولا يصح غض الطرف عن أي خلل يعترضها بطبيعة الحال، وإلا