إمبراطورية بدأت بحلم

18-7-2018 | 23:54

 

قبل 50 عامًا كانت كوريا تصنف كدولة من العالم الثالث، بل وواحدة من أفقر دوله، فحصيلة الاستعمار الياباني الذي دام 35 عامًا، والذى بدأ فى 29 أغسطس سنة 1910م، انتهي فى 15 أغسطس عام 1945م بعد استسلام الإمبراطورية اليابانية لقوات الحلفاء، لم تكن سهلة على الشعب الكوري الذي رأى وحدته تنقسم إلى دولتين جنوبية "رأسمالية"، وأخرى شمالية "شيوعية"، وصاحب ذلك إرث من العداء، ما يلبث أن يهدأ حتى يثور من جديد، وربما يكون التقارب الذى بدأ بينهما مؤخرًا بداية طريق الألف ميل نحو مزيد من التهدئة والتعاون..

المهم، أنه بعد جلاء الغازي الياباني، عانى الكوريون الأمرين، حتى قرر الكثيرون منهم الهجرة إلى اليابان بحثًا عن حياة أفضل هربًا من شظف العيش في بلدهم المثخن بالجراح.

وفي ظل كل هذا، بدأت قصة لي بيونج شول، الذي لم يترك بلده مثلما فعل الكثيرون، بل أنشأ في الأول من شهر مارس 1938 "أثناء الاستعمار الياباني" مؤسسة صغيرة للأرز والسكر، أطلق عليها اسم سام- سونج أو Samsung، والتي تعني ثلاث نجوم باللغة الكورية، "النجوم الثلاثة"، والتي قصد بها بيونج المبادئ الرئيسية التي أنشأ شركته من أجلها:

- أن تكون كبيرة.

- أن تكون قوية.

- أن تبقى للأبد.

وكأن هذا الرجل، لم يتنبأ بمستقبل بلاده فقط، بل كان مُصرًا على أن يكون شريكًا فى صنعه، حينما وضع مبادئ لشركته التى لا تبيع سوى الأرز والسكر، مفادها أن تكون كبيرة وقوية وباقية للأبد، وانتقل بها إلى صناعة مستقبل كوريا الجنوبية، وبالفعل حين تحول العالم إلى التكنولوجيا الاستهلاكية دخل فيها لي بيونج شول بقوة، تاركاً الأرز والسكر، فبدأت سامسونج عام 1969 في صناعة أجهزة التلفاز والغسالات والثلاجات والهواتف المحمولة وغيرها، واستطاعت أن تغزو العالم كله بصناعاتها تلك..

وبمثل ما صنعه لي بيونج شول وغيره خلال هذه الفترة الوجيزة، حجزت بلدهم كوريا الجنوبية لنفسها مكانًا في المرتبة الثالثة عشرة عالميًا مع الدول الأكثر تطورًا، حتى أصبحت بلدًا يتنفس تقنية، وهو بالمناسبة البلد الأكثر اتصالا بالإنترنت في المترو والشارع وصولًا إلى القطارات، حيث إن 95 % من السكان يملكون اتصالًا ذي تدفق عالٍ، مقارنة بنسبة 60 % فى الولايات المتحدة، ليس هذا فحسب، بل هى أيضًا موطن أكبر الشركات التقنية كـ LG وسامسونج، وهذه الأخيرة تعد اليوم الرقم واحد في العالم في مجال التكنولوجيا، وتفوق أرباحها تلك التي تحققها كل من شركات آبل، ومايكروسوفت وجوجل مجتمعة.

نحن إذن أمام إمبراطورية إلكترونية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث يبلغ عدد العاملين فيها اليوم أكثر من 344 ألف شخص، وأن أرباحها تفوق الـ 200 مليار دولار سنويا!! ..

وإذا اعتبرنا سامسونج دولة، سيكون ترتيبها رقم 35 في أكبر اقتصاديات العالم، فلديها جيش من الباحثين، وتفوق أصولها 343 مليار دولار!.

هل تعلم أن شركة سامسونج وحدها تضم 50 ألف باحث؟.. أي ما يساوي مجموع عدد الباحثين في مصر في كل المجالات وضعف عدد الباحثين في الأردن و4 أضعاف عدد الباحثين في السعودية!

يعمل باحثو سامسونج في مبان تعادل سريتها وإجراءاتها الأمنية ما يحدث في أعتى المؤسسات العسكرية من سرية ودقة، ولا يمكن لأي شخص غريب كائناً من كان أن يرى ما يحدث داخل هذه المراكز، حرصًا على الأسرار الصناعية التي تساوي المليارات.

وهذه الإمبراطورية ليست ككل شركات العالم الضخمة، التى تملك مباني ضخمة، بل لا توجد مقرات لها في مبنى أو عدة مبانٍ، بل في مدنٍ كاملة، إذ تملك سامسونج ثماني مدن في كوريا الجنوبية باسم "مدن سامسونج الرقمية"، وهي مدن متكاملة يعمل فيها موظفو الشركة، وتحوي بنوكاً ومستشفيات وعيادات وملاعب ومطاعم!!

أما عن الدخول والخروج من هذه المدينة، فيشبه المرور بالنقطة الحدودية بين الكوريتين حاليًا! فالسيارات يتم تفتيشها، والحقائب تمر عبر أجهزة الكشف الأمنية، ولا يمكنك إخراج أي أجهزة إلكترونية خاصة من الشركة كجهاز موبايل أو كاميرا أو لاب توب أو بطاقة ذاكرة!!

ما لفت انتباهي في قصة هذه الشركة، بجانب كل هذه الأرقام والحقائق المدهشة، هي الطريقة التي بدأت بها، فلم يحتج هذا البناء المدهش لأكثر من شخص آمن أنه يستطيع تغيير العالم، فبدأ ببيع الأرز والسكر!

قصة نجاح سامسونج هي قصة نجاح شخص اسمه بيونج شول لي، قد لا يعرفه الكثيرون منا، لكن بصمته توجد في منازل مئات الملايين حول العالم!

ما دفعنى للكتابة عن هذا الإمبراطور اليوم، ليس سردًا لقصة نجاح، بقدر ما هي رغبة قوية فى أن يتكرر مثل هذا الحلم في بلدى مصر، فهل يكون لدينا يومًا ما لي بيونج شول المصري، الذى لن يتوقف عند بيع الأرز والسكر؛ بل يصبح صانعًا لمستقبل واعد لهذا البلد..

حلم نتمناه وعسى أن يكون قريبًا...

مقالات اخري للكاتب

وصفة الموت!

وصفة الموت!

غزو البطون وتأميم العقول!

غزو البطون وتأميم العقول!

زمن أولاد "صوفيا"!

الحديث عن عالم الروبوتات، لا ينبغي أن نحسبه كله شرًا مستطيرًا، بل فيه من الخير الكثير، صحيح أن البشرية ستدفع كثيرًا من إنسانيتها نظير إفساح المجال للاستعانة بها في شتى مجالات الحياة، ولا جدال أن الفاتورة ستكون أكثر كلفة في حال انحرفت هذه الروبوتات عن أهدافها السلمية..

يا ليتني كنت "روبوت"!!

فى عالم الغد، ربما يصل الإنسان إلى مرحلة تمنى أنه لو كان "روبوت"!!

من مفاجآت المستقبل؟!

بعيدًا عن كل الأخبار المأساوية التي تتصدر غالبًا نشرات الأخبار في كل دول العالم، من قتل ودمار، هناك عالم تكنولوجي متسارع لا تكاد تلتقط أنفاسك من كثرة عجائبه وغرائبه ومفاجآته..