دفتر أحوال الجامعة المصرية (17) د. مصطفى الضبع يكتب: التقييم: الفريضة الغائبة

17-7-2018 | 18:22

د.مصطفى الضبع

 

د.محمود الضبع

يظل عمل الإنسان في حالة بحث دائم عن الكمال، ولما لا يصل إليه، فإن البديل الأنسب هو البحث الدائم والدائب عن تطوير العمل، ذلك التطوير الذي لا غنى عنه إلا بتقييم الأداء بوصفه الطريق الأساسي للتطوير، وهو ما يجعل جامعات العالم جميعها تحرص على نشر ثقافة التقييم والعمل بها.

والتقييم هنا ليس خاصًا بالطالب، وإنما هو عملية تخص عضو هيئة التدريس بوصفه إنسانا تسري عليه صفة النقص الإنساني، وبوصفه يعمل في مجال لا حدود له، ولا يتوقف عن تقديم الجديد في زمن لم يعد هناك علم يقف عند حد، حتى العلوم الإنسانية لا تتوقف عن التدفق، ولا عن تقديم الجديد في كل يوم، خلافا لما يتوهمه البعض من أن العلوم الإنسانية حكر على أمة أو ثقافة أو لغة، فاللغة والأدب والتاريخ وغيرها مما تحكمه نظريات وفلسفات لا تفتأ تقدم المزيد، فاتحة للإنسان آفاقًا لا حدود لها.

والحال هكذا، تعتمد الجامعات على تقييم عضو هيئة التدريس، ليس من رؤسائه أو من إدارة المؤسسة الأكاديمية فقط، وإنما تشرك الطالب في عملية التقييم بوصفه المتلقي الحقيقي، والمتأثر الأول من مستوى أداء الأستاذ، ووفق نظام محدد، واستبيان قائم على أسس علمية يشارك الطالب في تقييم الأستاذ حسب بنود محددة وواضحة.

منها على سبيل: الالتزام بوقت المحاضرة – قدرة الأستاذ على لفت الانتباه للأفكار – استخدامه الوسائل السمعية والبصرية في التدريس – تشجيعه على معرفة المزيد – التفاعل بشكل إيجابي مع الطلاب واستفساراتهم- القدرة على التوصيل والتواصل – القدرة على تحقيق بيئة علمية صالحة للتعليم والتعلم، وجميعها أمور مطلوبة للأستاذ، وإن تفاوت البعض في تحقيقها، ولكنها أساسية، كما أنها منطقية التحقق في الأستاذ بشكل خاص وفي المعلم بشكل عام.

ولا يقف الحد عند التقييم، وإنما هو عملية مرحلية، إذ يكون على الأستاذ الرد على التقييم والوقوف على نقاط القوة ونقاط الضعف، كما يكون عليه أن يقدم خطته لتطوير عمله، وتجاوز نقاط الضعف لاحقًا، مما يعني كونه داخلًا في حالة من التطوير الدائم.

التقييم عملية يساعدك فيها الآخرون باكتشاف مالا تراه في نفسك، فإذا ما أدركت التفاصيل يكون عليك أن تنتقل إلى المرحلة التي لا بديل عنها: التقويم الذاتي حين تخطط لتجاوز نقاط ضعفك تحقيقًا لما هو أسمى: التطوير الذي هو غاية في ذاته، غاية تصل إليها على جسر أوله التقييم وآخره التقويم.

وفيما تهتم جامعات العالم بكل أشكال التطوير، مؤمنة أن الأستاذ هو الأساس في العملية التعليمية، وهو ما يعني ألا تطوير دون البدء منه، وألا تقدم دون البدء به، وأن عمليات التطوير وبرامجه لابد أن تستهدفه فيما تستهدف، فيما يحدث هذا فيكون دستورًا لكل الجامعات تقف جامعاتنا ضد التيار حين تغيب هذه ال ثقافة ، ولا تسعى الجامعات لتدارك الأمر، إسأل عضو هيئة التدريس عن تقييم الطلاب له حينها سيواجهك بشموخ غير مبرر وكبرياء لا محل له من الإعراب، رافضًا تمام الرفض أن يكون محل تقييم، وقد يتهمك بتجاوز الأعراف والقوانين والشرائع والدساتير لأنك تطرح ما لا يقبله عقل ولا يستوعبه منطق ولا يحض عليه علم.

هذا على المستوى الخاص، مستوى عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس ممن يرفضون العملية، ويشكلون قاعدة عريضة ترفضها شكلًا ومضمونًا، (الغريب أن كل أعضاء هيئة التدريس الذين يعملون بجامعات عربية خارج مصر يتقبلون الأمر، ويعملون به، ويخضعون لنتائجه، ويجتهدون في التحسين، ولكنهم حين يعودون لجامعاتهم المصرية يتجاهلونه تمامًا دون محاولة لاختراق جدار الرفض أو نقل خبراتهم إلى جامعاتهم).

على المستوى العام، مستوى وزارة التعليم العالي، أو مستوى المجلس الأعلى للجامعات، أو مستوى الجامعات نفسها، تصبح عملية التقييم – كغيرها من عمليات التطوير – تصبح فريضة غائبة خارج نطاق تفكير هذه المؤسسات، وخارج نطاق العصر ومتطلباته أو العلم ومنطقه أو الإنسانية وحقوقها.

والحال هكذا، تصبح عملية التقييم وتوابعها، وما ينتج عنها، مجرد أحلام لدى أفراد ليس بإمكانهم إحداث تغيير يذكر، وهو ما يفتح الباب لأسئلة مصيرية عن حال جامعاتنا، قد يكون أولها: متى ستتنبه المؤسسات لدورها للخروج بالجامعات من كبوتها (هذا إذا كانت المؤسسة الأكاديمية تدرك الكبوة أو تدرك الموقف وأبعاده المختلفة)، ولكن ليس آخرها: لماذا نصر على إبقاء أوضاع لم تعد صالحة لجامعات الألفية الثالثة ؟

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]