سكان يسيرون على أربع

17-7-2018 | 10:41

 

علاقة المصريين بالحيوانات علاقة ملتبسة. جزء كبير منها يقدم على طبق مجمل محسن مزين ظاهره رحمة وإنسانية، لكن واقعه يحمل نظرة قاصرة إلى كل ما يسير على أربع.

تجد الفلاحين – أو من تبقى منهم في عمل الفلاحة والزراعة- يتحدثون عن الحيوانات وكأنها فرد من أفراد الأسرة. فهي السند والظهر ورأس المال المتجدد. لكن منهم من يهري حماره ضربًا، ومنهم من لا يجد وسيلة للتخلص من هذا الفرد من أفراد أسرته – إن نفق- إلا بإلقائه على جانب الطريق أو التخلص منه في مصرف أو ترعة.

وتسمع الخطيب يعظ بضرورة الرحمة وحتمية الإنسانية في التعامل مع بني الحيوان، لكن المشهد التطبيقي على باب دار العبادة يبدو مغايرًا. فبين تسميم متعمد للحيوانات الضالة، وركل بالأرجل، وقذف بالطوب، ولا مانع أبدًا من غض الطرف التام وتجاهل المشهد برمته لمجموعات الصبية التي تتخذ من "جرو" وسيلة للتنفيس عن جرعة العدوانية التي تشبعت بها عبر مشاهدة أفلام العنف والقتل والسحل، أو "العربجي" الذي يدشدش عظام حماره أو بغله أو حصانه لأن المسكين لا يقوى على جر حضرته وحمولة عربته.

وتستمر هذه العلاقة الملتبسة المتلفحة حينًا برداء "الرحمة التي حثنا الله عليها في التعامل مع الحيوانات" حيث تظهر فجأة علامات الورع والتقوى على وجه المتحدث وهو يحكي بطريقته حديث "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت". وينتهي سرد الحديث بتصرف، ثم يمضي كل في طريق لا تهتز له شعرة لحملة تسميم قطط الشارع وكلابها، أو تعذيبها على سبيل اللهو، أو ركلها من باب درء خطر "النجاسة".

وعلى سيرة "النجاسة" أحكي عن حرب اجتماعية ثقافية ما أنزل الله بها من سلطان تدور في مجتمع سكني مغلق يفترض فيه الرقي التعليمي والأخلاقي. فريق مصاب بالهسهس وغارق في تفسيرات دينية أقل ما يمكن أن توصف بها هو الرجعية والتزمت يطالب بإخلاء المجتمع السكني المذكور من الكلاب التي يربيها أصحابها في بيوتهم "لأن وجودها يمنع الملائكة من دخول المكان المنطقة برمتها"!!

وفريق آخر يعتبر نفسه الأكثر تنويرًا والأوسع ثقافة يدق على وتر ضرورة منع الكلاب تمامًا من التواجد في الحدائق العامة مع أصحابها "لأن في ناس بتصلي ومش عايزة نجاسة" و"في ناس إيمانها ومعتقدها يمنعها من الاقتراب من هذه الحيوانات".

بالطبع تواجد الكلاب في الأماكن العامة مسئولية أصحابها حتى لا تهاجم أو تخيف أحدًا أو تسبب اتساخًا في المكان، لكن أولئك لا يدقون على هذه الأوتار إلا فيما ندر.

ومن النادر جدًا أن تجد مجتمعًا يعتريه هذا الكم من الهسهس وهذا المقدار من الإغراق في ثقافة تتمسح بالدين وهو منها برىء، وفي الوقت نفسه لا تغضب أو تنتفض – من وجهة نظر دينية أيضًا- لظاهرة سرقة الكلاب لا سيما الأنواع باهظة الثمن وبيعها في الأسواق الشعبية، وكأن السرقة هنا حلال حلال.

ولا تتوقف العلاقة الملبتسة المذكورة أعلاه هنا، لكنها تمتد كذلك إلى إقبال شريحة من الصبية والشباب في المناطق الشعبية على تربية الكلاب تارة بهدف الاتجار وأخرى بغية تخويف الجيران وثالثة لإبهار البنات. وحين يعترض أحدهم يتم تلفيق تهمة "ازدراء الفقراء" و"كراهية الغلابة" و"حرام عليكم ياكفرة" فورًا.

فورية الاتهامات تكشف عوارًا مجتمعيًا حادًا وخطيرًا. فهناك من يربط بين تربية الحيوانات الأليفة وبين الانتماء لطبقة أو فئة اجتماعية واقتصادية معينة. ومع التحولات والتغيرات والتقلبات الكثيرة التي ألمت بالمجتمع، لا سيما في السنوات الأخيرة، ظهر من يزكي ويعمق متلازمة "الأغنياء الذين ينفقون أموالهم على الحيوانات بدلاً من دعم الفقراء".

وبعيدًا عن الحرية الشخصية، والاختيارات الفردية، وضرورة الربط الشرطي حيث لو كنت غنيًا وتنفق مالاً على حيوان فأنت بكل تأكيد لا تتصدق على الفقراء، فإذا كان هناك من يختار أن يربي كلبًا أو قطة ذات قيمة مادية مرتفعة، فهناك من يتبنى كلبًا أو قطة "بلدي" ويرعاها في بيته أيضًا. بل هناك من الناس من لا يتواني عن التوقف في الشارع لإطعام قطة أو كلب ضال من منطلق الإنسانية المفتقدة والتدين الحقيقي.

والحقيقة أن ما سمعته من "سايس" في أحد شوارع التجمع من سب ولعن بأقبح الألفاظ لسيدة تصطحب كلبين في سيارتها ورفضت إعطاءه أكثر من عشرة جنيهات (هو لايستحقها أيضًا لأنه خامل كسول لا يتحرك من على مقعده إلا ليحصل الجباية أثناء خروج أصحاب السيارات) يلخص ما وصل إليه الحال. "السايس" يتعجب ويضرب كفًا بكف من هؤلاء البشر ال.. ولاد ال.. الذين ينفقون على كلاب ويتركونه بأبنائه الستة والمولود القادم في الطريق. هو يرى أنه وقبيلته أولى بما تنفقه السيدة على كلابها. والسيدة على الأرجح ترى أنها ليست مسئولة عن قرار الأخ في الإنجاب بجنون. السايس من جهته ختم وصلة السب والشتم بقسم بالله العظيم بأنه لن يتواني عن تسميم الكلاب إن رآها مجددًا.

وبين كلاب تٌسرق، وأخرى تٌسمم، وثالثة تستخدم للترويع والتجارة، وحمير تٌضرب، وقطط يجري تبنيها أو خنقها وسحلها، وخطب وعظات عن الرأفة بالحيوان وواقع معاش يعتبر الحيوان إما وسيلة لأكل العيش أو واجهة للاحتقان الطبقي، يعاني المجتمع المصري علاقة ملتبسة بسكان يشاركونه الكوكب لكنهم يسيرون على أربع.

مقالات اخري للكاتب

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

قليل من التدقيق لا يضر

في هذا المكان قبل سبعة أسابيع بالتمام والكمال، كتبت مقالاً عنوانه "إشاعات شائعة"، وبرغم أن الأجواء العنكبوتية والأحاديث الشارعية حينئذ لم تكن قد بلغت ما

كثرة غثاء السيل

إنجاب الأبناء والبنات سمة من سمات البشرية، وتحديد العدد صفة من صفات العقلاء.

تعدية الشارع

"تعدية الشارع"! عبارة تبدو قصيرة وتقدم نفسها باعتبارها تحصيل حاصل، ليس هذا فقط، بل إن البعض يتعامل معها وكأنها سمة طبيعية من سمات الحياة اليومية، لكن كلا وألف كلا. "تعدية الشارع" أو "عبور الطريق" أبعد ما تكون عن كل ما سبق.

عن الكرة والشارع والرمز

الغضب والحزن والهري ستستمر أيامًا، ثم ما تلبث أن تذهب إلى حال سبيلها، ولن تعود إلا بحدوث موقف أو موقعة أو حادث مشابه لتعاود عملها بكامل عدتها.

الناس والدولة

​من ضمن ما خرجنا به من رمضان جرعة إعلانية ضخمة جديرة بالبحث والتقصي والدراسة والتحليل. وبعيدًا عن مستوى الإعلانات وقيمتها الإعلانية والإعلامية، ننظر إلى الفجوة الطبقية التي عبر عنها بكل اقتدار دون أن يدري محتوى الإعلانات وعناوينها.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]