باحث تونسي: «الربيع العربي» عمم الفقر والبؤس على الجميع .. والإصلاحات الاقتصادية تسير بنفس وتيرة نظام «بن علي»

14-7-2018 | 21:43

الباحث التونسي توفيق المديني

 

محمود سعد دياب

مع بدء القضاء التونسي المتخصص، لأول مرة، في النظر في قضايا قتل المتظاهرين إبان أحداث الربيع العربي ، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011، دب الحراك مرة أخرى في الشارع السياسي التونسي، خصوصًا أن المحاكمات تعقد في ظل غياب المتهم الرئيسي وهو الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ، فضلاً عن أن الجلسة الأولى عقدت في محافظة سيدي بوزيد ، وسط تونس، التي شهدت شرارة انطلاق الاحتجاجات بعدما أحرق بائع متجول نفسه، اعتراضًا على الأوضاع الاقتصادية السيئة.


بالإضافة إلى أنه قد حدثت مشادات، بين أهالي الشهداء، وقضاة المحكمة الابتدائية في سيدي أبو زيد، بسبب صغر حجم قاعة المحاكمة، فضلاً عن تأخر انطلاق الجلسة ساعتين كاملتين، مما اعتبره أحد أقارب الضحايا «إشارة سيئة»، كما جاء في تصريحه لوكالة الصحافة الفرنسية أمس، وهو ما ظهر مع دخول القضاة قاعة الجلسة، ردد المحتجون هتافات من قبيل «أوفياء أوفياء لدماء الشهداء».

الأوضاع السياسية  الحالية في تونس،  وما آلت إليه الأمور، كشف عنها لـ «بوابة الأهرام» الدكتور توفيق المديني الباحث المتخصص في الشئون التونسية، الذي يرى أن من تولوا قيادة الحكومة في تونس عقب خلع "بن علي"، ساروا على نهج الأخير ووقعوا في نفس الأخطاء السياسية والاقتصادية التي كانت سببًا في اندلاع ثورة يناير 2011.

زواج غير شرعي بين حزبي «النداء» و«النهضة»


أكد المديني، أن العديد من التونسيين، يشبه «الديمقراطية التوافقية» القائمة بعد انتخابات 2014، بين حزبي «النداء» و«النهضة»، بمولود جديد ناجم عن زواج غير شرعي، بين اليمين الليبرالي بزعامة حزب « نداء تونس »، واليمين الديني بزعامة حزب «النهضة الإسلامي»، الذي أفرز تشكيل حكومة منذ بداية سنة 2015، وأنها يجمعها قاسم مشتركَ ، ألا وهو الإيمان بالليبرالية الاقتصادية ، والاندماج في نظام العولمة الليبرالية، عبر الاعتماد على المؤسسات الدولية المانحة، والدول الأوروبية والولايات المتحدة، من أجل الحصول على القروض، وجلب الاستثمارات، واتباع نهج التنمية الذي كان سائدًا خلال العقود الخمسة الماضية، والذي وصل إلى مأزقه مع بداية الألفية الجديدة، واندلاع الثورة مع بداية 2011.

الاقتصاد التونسي يواجه أمراضًا هيكلية
وأوضح الدكتور المديني، في تصريحاته الخاصة لـ "بوابة الأهرام"، أن بلاده تعاني من ظواهر خطيرة باتت تشكل أمراضًا هيكلية للاقتصاد التونسي، ألا وهي ظاهرة البطالة التي تؤثر على أكثر 17% من عدد سكانها البالغ عددهم 12 مليون نسمة، واستفحال الأمراض الإدارية المعدية مثل الروتين والرشوة وعدم الشعور بالمسؤولية، وسقوط القيم الوطنية، وبالتالي القيم الاجتماعية إلى الهاوية، وانتشار الذاتية والأنانية الموغلة في الفردانية، وظاهرة الفساد وسرقة المال العام وتجاوز السلطة والاعتداء على أملاك الدولة، ممّا نتج عنه وجود شبكة مصالح أوجدت لوبيات بشكل حتمي لها ارتباطات قوية فيما بينها للدفاع عن وجودها، وبقائها، وتطوّرها وانتشارها، واتساع رقعتها، مضيفًا أن تلك أصبحت الارتباطات تنشط خارج إطار الدولة من خلال التهريب والتهرب الضريبي، الأمر الذي تحوّل بمرور الزمن إلى ثقافة، عامة تسرّبت حتى إلى مؤسسات الدولة.

إغراق البلاد في الديون الأجنبية
وأشار إلى أنه لم يكن في برنامج حكومة «الديمقراطية التوافقية» التي يترأسها يوسف الشاهد ، أي مسعى لمحاربة الفساد، الذي أصبح له لوبيات قوية داخل هياكل ومؤسسات الدولة نفسها، حيث استطاعت بعد 2011، المزاوجة بين التهريب والإرهاب، كما عجزت حكومة الشاهد عن انتهاج نموذج جديد للتنمية يقوم على إعطاء دور حقيقي للدولة، لكي تضطلع بالمشاريع الاستراتيجية المنتجة، والتحرر من ضغوطات الدول والمؤسسات المالية المانحة التي تريد فرض شروطها، لا سيما برامج الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد، التي تفرض التضييق الأقصى من مجالات تدخّل الدولة، وتوسيع مجال الأفراد الخواص الذين لا يتجاوز عددهم بعض العشرات على حساب الملايين من الفقراء، وعلى ضرب منظومة الفساد، وانتهاج سياسة إغراق البلاد في الديون الأجنبية، والتغطية على الجرائم الكبرى مثل الاغتيالات السياسية ، وإفساح في المجال للمافيات لتتحرك بكل حرية في كل أرجاء البلاد مثلما هو الشأن لمحاولة تصفية رجل الأعمال رضا شرف الدين مؤخرًا، أو السيطرة على مؤسسات إعلامية وعلى بعض الأجهزة الأمنية.

نموذج ناجح في عملية الانتقال الديمقراطي
ولفت إلى أن المراقب الموضوعي، يمكنه أن يرى في أحداث ما بعد « الربيع العربي » أن تونس النموذج الناجح في عملية الانتقال الديمقراطي بالقياس لبقية البلدان العربية الأخرى، التي كان شعبها يعتقد أن الثورة بمفردها ستكون جالبةً للاستثمار، سواء من الداخل، أو من الخارج، على غرار المؤتمر الدولي للاستثمار الذي عقد بتونس في نهاية نوفمبر 2016، والذي خصص ما بين المنح والقروض والودائع حوالي 15.4 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد التونسي، وأن الحكومة ظلت متمسكة بالنموذج الاقتصادي السابق، الذي خضع لبرنامج الإصلاح الهيكلي وفقًا لوصفات صندوق النقد الدولي في أواسط الثمانينيات من القرن العشرين، وسار في طريق «توافق واشنطن» في أواسط التسعينيات، بوصفه مذهبًا اقتصاديًا ليبراليًا يقوم على فلسفة التقشف، والتخصيص، والتحرير، والانضباط في الموازنة، والإصلاح الضريبي، وتخفيض النفقات الحكومية العامة، وتحرير المبادلات التجارية والأسواق المالية، حيث قاد هذا النموذج الاقتصادي إلى حدوث كوارث في البلاد.

مكاسب الثورة التونسية
وأضاف أن المكسب الوحيد لأحداث الربيع العربي ، أو ما يعرف بـ"الثورة التونسية"، تعميم الفقر والبؤس على الجميع، لاسيما للطبقات الشعبية، والطبقة المتوسطة التي تعيش حالة من الطحن الطبقي، بسبب التهاب الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية، واستفحال البطالة، والتفاوت الطبقي، وازدياد المديونية، وانخفاض قيمة الدينار التونسي، وتناقص الموارد الضريبية.

وأوضح أنه قد أُثِيرَ نِقَاشٌ وَاسِعٌ في تونس بين الاقتصاديين وبينهم وبين الحكومة والإدارة الاقتصادية حول سبل الإصلاح الاقتصادي، وأنه تم خلال ذلك وضع أكثر من مشروع للإصلاح الاقتصادي، إلا أن هذا الإصلاح لم يتحقق بسبب عدم وجود استراتيجية واضحة للاقتصاد والاختلاف حول التوجه الاقتصادي والنظرية الاقتصادية التي تحكم عملية الإصلاح، في أوساط الاقتصاديين والمهتمين بهذه العملية، والسياسات الاقتصادية والمالية التي تعبر عن توجهات الإصلاح الاقتصادي والنظرية التي يستند إليها برنامجه.

انتخابات البلدية كشفت تراجع «حركة النهضة»
وقال إن الانتخابات البلدية التي أجريت مؤخرًا مايو الماضي، تعتبر محطة هامة لقياس الوزن الانتخابي لكل حزب، ومنصة مهمة لبلوغ الاستحقاق البرلماني والرئاسي، المقرر إقامته عام 2019، وأنه من تداعيات نتائج الانتخابات البلدية، عودة الخلافات داخل حزب « نداء تونس » لتطفو على السطح مجددا، وذلك بعد أن حطت الانتخابات البلدية «أوزارها»، مضيفًا أنها كشفت عن التراجع الحاصل في نسب التصويت لفائدة الحزب الذي تأخر عن شريكه في الحكم «حركة النهضة»، بأكثر من 8 نقاط كاملة، معتبرًا ذلك تأخر لم يحفز النداء على تقويم أسباب التراجع، استعدادًا للانتخابات المقبلة في سنة 2019 حيث الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي يبدو أنها تشغل بال المدير التنفيذي للحزب حافظ قائد السبسي، أكثر من اَي شيء آخر، لا سيما أن الحسم في عدد واسع من المسائل مازال «محلك سر»، على غرار طبيعة العلاقة بين النداء والنهضة، لا سيما أن يوسف الشاهد لم يحسم موقفه بعد من الانتخابات القادمة، رغم الإشارة التي قدمها راشد الغنوشي في أغسطس الماضي بالتزام الشاهد بنجاح الحكومة أكثر من التفكير في 2019.

الأكثر قراءة