الطفلة فاتن لم تكن الأولى وإيمان ليست الأخيرة ..آباء وأمهات يقتلون أبناءهم فى مصر.. فما السبب؟

11-7-2018 | 15:17

عنف ضد الاطفال

 

داليا عطية

لم تكن واقعة قتل الطفلة فاتن علي يد والدها بالغربية قبل أيام هي الأولي ولن تكون الأخيرة ففي سجل عنف الآباء والأمهات ضد الأبناء ملئ بقصص دامية وروايات حزينة تعكس حجم العنف الذي يتعرض له الأبناء من الآباء في صورة تتعارض مع كل القيم الدينية والأخلاقية مما يستدعي دراسة هذه الوقائع التي إذا أضيفت إلي ما يقع من جرائم مجتمعية أخري فإننا أمام مجتمع العنف ومن يراجع صور العنف وأسبابه سيكتشف أن الطريقة المتبعة لدي البعض في تقويم سلوك الأبناء إذا ما أخطأوا غير سليمة إذ إن نسبة كبيرة من الآباء يلجأون إلي الضرب كوسيلة لتأديب الأبناء وهو ما قد يتسبب في أذي نفسي وبدني حتي إن هذه الوسيلة الخاطئة في التربية وتهذيب السلوك قد تؤدي إلي القتل كما حدث مع فاتن تلك الطفلة التي لم تتعد العاشرة من عمرها وراحت قتيلة ضحية ضرب والدها وتعذيبه وأيضا إيمان طفلة المنصورة التي ترقد بالعناية المركزة منذ أكثر من شهر وحتي كتابة هذه السطور في غيبوبة بسبب ضرب والدها وغيرها من حالات الضرب المبرح الذي قد يصل إلي القتل فى أثناء تأديب الآباء لأبنائهم وتقويم سلوكهم ليصبحوا بذلك "المُعذّبين"

بحسب دراسة للمجلس القومي للطفولة والأمومة اعتمد فيها علي البلاغات الواردة إليهم من خلال الخط الساخن لنجدة الطفل فإن 68% من الأطفال يعانون العنف البدني و 22% يعانون العنف النفسي وهنا يأتي السؤال .. كيف لهؤلاء المُعذبين المُنتظر قيادتهم للمجتمع مستقبلا وتنميته والارتقاء به أن يؤدوا ذلك وهم يعانون آلاما ظاهرية ومأساة نفسية ومعنوية من قسوة وحشية خلّفتها أخطاء الآباء

في هذا التحقيق  تفتح "بوابة الأهرام" ملف تعذيب الآباء للأبناء .. ما الذي أدي إلي تغول الآباء علي الأبناء وما أسباب معالجته وكيف يري الخبراء هذا الملف .. وماذا عن آلية الجهات المعنية في مكافحة الظاهرة ؟

أسباب الظاهرة

يري الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي السبب في ظاهرة تعذيب الآباء للأبناء يرجع إلي الموروث الثقافي حيث الآباء الذين اعتادوا تعنيف أطفالهم وضربهم بهدف التأديب هم في الأصل تعرضوا لنفس الأسلوب الخاطئ في التربية من آبائهم وأصبحوا يمارسوه علي الأبناء اعتقادا منهم أن هذه هي الوسيلة الطبيعية للتأديب وتهذيب السلوك مؤكدا أن لدينا موروث ثقافي خاطئ يجب محاربته لإنقاذ جيل المستقبل.

عوامل الانتشار

أشار أستاذ علم الاجتماع إلي المؤسسات التي تتحكم في سلوك الفرد غير الأسرة فقال إن المدارس يُمارس فيها الضرب وال عنف ضد الأطفال والإعلام يعرض مشاهدا للعنف البدني واللفظي أيضا فيسهل انتقال تلك الثقافة الخاطئة إلي أذهانهم فضلا عن تأثرهم بها نفسيا بالإضافة إلي المؤسسات الدينية التي يري أنها لا تقوم بدورها في محاربة العنف حيث يفتقر الخطاب الديني إلي التسامح بين الأديان والأفراد ويغلب عليه التعصب في بعض الأحيان .

أطفال الشوارع

إن الطفل الذي يتعرض للتعذيب من والديه يعيش مقهورا نفسيا واستخدام العنف والقوة والقهر يلغي شخصية الطفل ويجعله آداة يتم تحريكها بدون أية إرادة منه أو اختيار فقط ؛لأنه خائف فضلا عن أن الشعور بالرعب والخوف والقهر يجعل الطفل بين أحد أمرين إما أن يهرب من المنزل للتخلص من القهر والعنف والإهانة والتعذيب المستمر وهنا تأتي ظاهرة أطفال الشوارع أو أنه ينحرف أخلاقيا وفكريا بالصورة التي تصل به في يوم من الأيام إلي ضرب والديه للانتقام لنفسه من سنين مضت عليه تحت ضغط وعنف وقهر .

ويؤكد ذلك الدكتور محمد هاني استشاري الصحة النفسية فقال في تصريحات لـ "بوابة الأهرام" إن ضرب الأبناء وقهرهم يسبب لهم إيذاءً نفسيا واضطرابات نفسية علي مراحل أعمارهم المختلفة .

الحرمان العاطفي

يضع استشاري الصحة النفسية عقوبات بديلة لتأديب الأبناء وتهذيب سلوكهم بدلا من استخدام الضرب والعنف ضدهم فقال في تصريحاته هناك وسائل أخري للعقاب والتأديب كالحرمان العاطفي وهو أن يقوم أحد الأبوين بحرمان الابن من الأشياء التي يحبها لفترة معينة كالموبايل أو المصروف أو تأجيل رحلة أو ما شابه ذلك رافضا استخدام الضرب في أسلوب التربية لما يأتي به من نتائج عكسية ضارة وغير مؤدية للإصلاح قائلا :" هذا الابن الذي يتم تعنيفه وقهره عندما يصبح شابا سيعاني قلة الثقة في النفس وعدم القدرة علي اتخاذ القرار وضياع الهوية وبالتالي لن يصلح أن يكون فردا طبيعيا في المجتمع".

من يحمي هؤلاء ؟

حماية هؤلاء الأبناء المُعذبون من آبائهم قضية يحملها الحقوقيون بشكل عام إلا أن هناك جزءا خاصا أشارت إليه الحقوقية انتصار السعيد في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" فقالت إن هؤلاء الأبناء لا يجيد أغلبهم التخلص من العنف الواقع عليه والضرب والإهانة والتجريح خاصة الفتيات إذ تخشي الفتاة الخروج من بيت أهلها تخلصا من عنفهم ضدها أو اللجوء إلي أية إجراء قانوني لحمايتها وتأمينها فتضطر إلي الاستسلام لما يقع عليها من إذلال وقهر لعدم قدرتها علي التحرر منه وهنا يبني الآباء جيلا من المرضي فإن كانت أمهات المستقبل يعانين آلاما نفسية لا حدود لها كيف لهن أن يقمن بتربية وتنشأة جيل قادر علي قيادة المجتمع وتنميته والارتقاء به لذا وجّهت بجانب من المسئولية علي الجيران فقالت إن كل من يري حالة ضرب أو عنف واقعة علي أحد أبناء جيرانه عليه أن يبلغ عنها علي الفور؛ لأن الصمت لن يؤذي الفرد بحسب وإنما يضر أيضا بمجتمع بأكمله قائلة :" علي الأقل اتصلو بخط نجدة الطفل"

عقوبات بديلة

واقترحت وجود عقوبات بديلة للآباء الذين يقومون بضرب أبنائهم وتعذيبهم حتي إن هذا التعذيب قد يصل إلي حد القتل فقالت يمكن أن يخضع هؤلاء الآباء إلي الخدمة العامة في المؤسسات التي ترعي تربية الأبناء المُعذبين من آبائهم كبيئة آمنه لهم مشيرة إلي أن هذا النوع من العقاب سوف يخدم الروابط الأسرية ولن يحدث بها خسارة حيث لن يُسجن الوالد أو الوالدة وفي الوقت نفسه تقوم هذه العقوبات البديلة بتأديبهم إذ أنهم سيقضون عقوبتهم في خدمة هذه الفئة من الأبناء الذين تم تعنيفهم وضربهم وقهرهم وهنا يشاهدون الآباء الذين يتبعون هذا الأسلوب الخاطئ في التربية انعكاس أفعالهم السيئة علي نفسية الأبناء وصحتهم وجسدهم وبالتالي تكون العقوبات البديلة بمثابة رسالة إليهم تسهم بقوة في تغيير الأسلوب الخاطئ للتربية الذي يتبعونه .

ارتفاع معدلات الجريمة

إن كان هناك خطر نفسي يعانيه الأبناء المُعذبون من آبائهم وخطر جسدي قد يكون في نظر القانون جنحة أو جناية فإن المجتمع بذلك سيعاني خطرا أمنيا وهذا ما أكده خبراء القانون فقال أستاذ القانون العام ومدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية أحمد مهران في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" إن الآباء الذين يستخدمون الضرب كوسيلة للتأديب هم أحد الأسباب الرئيسية في الانحراف الأخلاقي والفكري لهم وهنا نصبح أمام ارتفاع لمعدلات الجريمة مما يضر بأمن المجتمع .

الأب القاتل لا يُعدم

أكد أستاذ القانون العام أن جرائم التعذيب التي تمارس من الآباء ضد الأبناء تدخل ضمن الجرائم الإنسانية والتي يجرمها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والدستور المصري ويعاقب عليها قانون رقم 12 لسنة 98 وهو قانون الطفل .

وبالرغم من وجود حالات لأبناء توفوا متأثرين بضرب آبائهم وتعذيبهم إلا أن القانون لا يجيز إعدام الأب القاتل لأن المادة الثانية من الدستور المصري تنص علي أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع وتطبيقا لأحكام الشريعة الاسلامية فإنه لا يجوز إعدام الأب حتي ولو قتل ابنه .

الرفق بالأبناء

في هذا السياق قالت الدكتورة آمنه نصير أستاذ الفلسفة والعقيدة بجامعة الأزهر وعضو مجلس النواب في تصريحات لـ "بوابة الأهرام" أن الأب والأم يجب عليهما أن يبرا أبنائهما ويحسنا تأديبهم التأديب الذي لا يدخل إلي دائرة القسوة أو الذي لا يصل إلي القتل الخطأ مشددة علي الرحمة واللين والرأفة بالأبناء وحسن التوجيه متعجبه من غضب الآباء الذين يتجاوز عقابهم لأبنائهم حدّ التأديب ويصل إلي مرحلة القتل أو التسبب في عاهة قائلة :" إن هذه أمور تخرج عن دائرة التأديب والأبوة التي تعرفها البشرية" ووجهت إليهم بالحديث الشريف :" رحم الله الآباء الذين يُعلمون أولادهم برّهم عندما يحتاجون إليهم".

تأديب شرعي

وعن وضع الأب الذي يتوفي ابنه متأثرا بالضرب والقهر والتعذيب قالت أستاذ الفلسفة والعقيدة لا يجوز شرعا إعدامه حيث لا يُعد هذا القتل جريمة من الجرائم السائدة في المجتمع ويُعتبر سوء تقدير أو ضربة رعناء ومن هنا يكون رأي الشريعة فيه رفقا ورحمة؛ لأن هذا الأب لا يريد سوي الحسني للابن وحسن تقويمه قائلة :" الأب الذي يصل إلي هذه الرعونة القاتلة يكفيه حالة التعذيب المعنوي والمرارة علي أنه قتل ابنه في الوقت الذي يريد أن يُصلحه".

كيف ينجو الطفل المُعذب من قهر أبويه ؟

عن آلية وصول الابن المقهور من أهله إلي طوق نجاة من العذاب الذي يعيشه مع أبويه أو أحدهما قالت الدكتورة عزة العشماوي أمين عام المجلس القومي للطفولة والأمومة في تصريحات لـ "بوابة الأهرام" إن هناك عدة طرق يحاول المجلس الوصول من خلالها إلي هؤلاء الأبناء لافته إلي استقبال البلاغات والشكاوي من خلال خط نجدة الطفل 16000ولجان الحماية التي يشكلها المجلس والجمعيات الأهلية والفرق المتنقلة.

حماية قانونية

وأوضحت أنه في حالة وجود طفل يعاني العنف البدني من أحد أبويه أو كلاهما ولا يمكنه العيش معهم بعد ذلك لما ترتب علي هذا العنف من آثار جسدية ونفسية لحقت به يقوم المجلس بتشكيل لجنة لأخذ الرأي القانوني حول إيداع هذا الابن أو الابنة في مؤسسة أو عند أحد أقرب الأقارب لتوفير الحماية الاجتماعية له بعد إبلاغ النائب العام لتتم حمايتهم في إطار قانوني .

إستراتيجية وطنية

ألقت أمين عام المجلس القومي للطفولة والأمومة جانبا من المسئولية علي الإعلام والدراما فقالت إنهما يشاركان بنسبة كبيرة في انتشار ظاهرة العنف لعدم مراعاة مصلحة الطفل الفضلي فيما يتم عرضه علي الشاشات حيث نري مشاهدا للعنف البدني واللفظي التي لا ترتقي بسلوكيات الطفل لافته إلي الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال في مصر ودعم الأسرة (2018_2025) التي أعلنها وزير القوي العاملة محمد سعفان فقالت إنها تعد رمزا للتعاون الوثيق بين جميع الوزارات والمنظمات والمجالس المعنية بالطفل لتوفير الحماية له قائلة :" المجلس يعمل حاليا علي هذه الإستراتيجية" بالإضافة إلي حملات توعوية يجريها المجلس من خلال عرض رقم الخط الساخن لنجدة الطفل 16000 عبر شريط الأخبار في بعض القنوات ومن المقرر تكثيف هذه الحملات.

 

 

 

 

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]