حتى لا نبقى مجرد كائنات بشرية..!

9-7-2018 | 23:33

 

يبدو أن أصحاب العقول المنيرة والمستنيرة يتخاطرون عن بُعد في منظورهم للحياة بعذاباتها وأشواقها، وبالتحديد في التحديق إزاء اللحظة الفائقة الحساسة التي تتوّهنا، أو نتعمد التوهان فيها، مستعذبين أوجاعها، راكدين في أوضاعها، وإن كنا لا نعدم الأمل في صيحة وعي هنا، أو نوبة عقلانية هناك، أو صرخة فكر في آبار الصمت المتواطئ.

 

تثبت لنا التجارب الإنسانية عبر الزمان وعبر المكان أنه لا استثمار أعظم ولا أقوى ولا أجدى من استثمار العقول.. فالإنسان هو الوسيلة وهو الغاية من الحياة التي لابد أن نعيشها بكل ما أوتينا من قوة، ولا ينبغي أن نحياها لمجرد أن نبقى أحياء..

العقل وما أدراك ما العقل.. ويكفيه شرفًا أن الله تعالى أقسم به في حديثه القدسي العظيم (ما خلقت خلقًا أشرف منك بك أثيب وبك أعاقب).

العالم ينظر إلى الآفاق البعيدة ليستثمر حتى موجات الهواء، ونحن أدمنا النظر إلى باطن الأرض وكفى… حتى حبسنا أنفسنا تحت الأقدام..!.

معايير الثراء لم تعد مغلقة على ظواهر بعينها.. ومقاييس الغنى تغيرت.. وصار قاسمها المشترك هو«العقل» و«المعقول» أما « اللامعقول » الذي يلازمنا في حراكنا مع الحياة فهو السائد والمتعارف عليه، وما أسوأ هذه المعرفة..!.

المفارقة المذهلة التي يثيرها المفكر الدكتور فاروق القاسم (العالم الجيولوجي العراقي الأصل، النرويجي الجنسية) في رسالته عن استثمار العقول، جديرة بالتفكر والتأمل ولعلها من توارد الخواطر المؤلمة التي تطوف بالعقل وهو يحاول الإحاطة بفهم ما يجري حولنا مما يصنعه من يسمون أنفسهم أثرياء الأرض.. وهو ثراء بلا جهد ولا مشقة، ولا فكر ينتظمه، ولا عقل يهيمن عليه.

يضيء لنا هذا العالم هذه المساحة المظلمة في عالم الأثرياء بأكثر من مثال يضربه، وكلها تؤكد أن لا حديث عن ثروة أي بلد وأهله مشحونون بالحقد والعنصرية والمناطقية والجهل والحروب!

نيجيريا من أكثر الدول غنى بالثروات والمعادن، ومن أكبر دول العالم المصدرة للبترول، ولكن انظر إلى حالها ووضعها والسبب أن الإنسان فيها مشبع بالأحقاد العرقية ومحمل بالصراعات! فيما سنغافورة البلد الذي بكى رئيسه ذات يوم، لأنه رئيس بلد لا توجد فيه مياه للشرب! اليوم يتقدم بلده على اليابان في مستوى دخل الفرد..!!

نعم أيها المفكر.. ففي عصرنا الحالي الشعوب المتخلفة فقط هي التي مازالت تنظر لباطن الأرض ما الذي ستخرجه كي تعيش، في الوقت الذي أصبح الإنسان هو الاستثمار الناجح والأكثر ربحًا..

الأمر المثير حقًا أنه ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل فكرت وأنت تشتري تليفون.... كم يحتاج هذا التليفون من الثروات الطبيعية؟ ستجده لا يكلف دولارًا واحدًا من الثروات الطبيعية، جرامات بسيطة من الحديد وقطعة زجاج صغيرة وقليل من البلاستيك، ولكنك تشتريه بمئات الدولارات تتجاوز قيمته عشرات براميل النفط والغاز، والسبب أنه يحتوي على ثروة فكرية تقنية من إنتاج عقول بشرية!!

هل تعلم أن إنسانًا واحدًا مثل «بل جيتس» مؤسس شركة مايكروسوفت يربح في الثانية الواحد 226 دولارًا، يعني ما نملكه نفطيًا من احتياطي للثروات لن تستطيع مجاراة شركة واحدة لتقنية حاسوب..؟؟

هل تعلم أن أثرياء العالم لم يعودوا أصحاب حقول النفط والثروات الطبيعية، وإنما أصحاب تطبيقات بسيطة على جوالك؟ هل تعلم أن أرباح شركة مثل سامسونج في عام واحد 327 مليار دولار، نحتاج لمائة سنة لنجمع مثل هذا المبلغ من الناتج المحلي..!!

يبعث الدكتور فاروق القاسم صرخة في سطور رسالته المشحونة بالغصب الموضوعي: أخي في الشمال أو الجنوب، في الشرق أو الغرب من الوطن العربي، أيها الواهم بأن لديك ثروة ستجعلك في غنى دون الحاجة إلى عقلك دع عنك أوهامك، فلا ثروة مع عقلية الثور... هُزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية، وفي أقل من خمسين عامًا انتقمت من العالم بالعلم والتقنية، وبقي الأغبياء يسألونك عن مذهبك أو من أي قبيلة أنت...؟

هذه الصرخة تتجادل مع صيحة من الفيلسوف أستاذنا د. زكي نجيب محمود في كتابه الرائع والمروع ( المعقول و اللامعقول ): وكم أود لو أسير وفي يدي مكبر صوت لأسمع أصحاب اللامعقول هذا الإنذار: تفتح الطبيعة كتابها لكل ذي عينين فيقرأ قوانينها في ظواهرها ثم يتعامل معها على أساس تلك القوانين، وعندئذ يركب ماؤها هواءها ويغوص في مائها ويستنبت أرضها ويستخرج خبيئها أشكالًا وألوانًا، على أن يتم له ذلك كله في إطار قوانينها، على غرار ما يتحدث إنسان إلى إنسان بلغته ليتفاهما، وذلك هو سبيل العقل لكن سبيل العقل إنما هو سبيل الأقوياء الصابرين على إمعان النظر في ظواهر الطبيعة؛ لمعرفة طرائقها في السير والفعل والتفاعل، أما إذا أقعد العجز نفرًا عن متابعة العقل في سبيله، ثم ظلوا على رغبتهم في استخدام الطبيعة لأغراضهم، فماذا يبقى أمامهم سوى أن يلتمسوا لأنفسهم طريقًا مختصرًا إلى الغاية المنشودة؟

هل يريدون للمريض أن يشفى من علته؟ إذن فلماذا يبحثون ويفحصون ويصدعون رؤوسهم بالبحث والفحص عن أصل العلة من جراثيم وغير جراثيم؟ إن فلانًا الفلاني قد كرمه الله بأن جعل فيه السر المكنون، ويستطيع أن يكتب لك أحرفًا هو عليم بقدراتها، فإذا هي الوسيلة العاجلة إلى شفاء سريع، أم هل يريدون طعامًا من جوع وليس في الدار ما يتبلغ به الجائعون؟

إذن فلا عليهم من ارتياد الأسواق واجتلاب الأرزاق من مصادرها، فها هو فلان الفلاني على صلة بالسماء تمكنه من لمسة بأصابعه أو تمتمة من شفتيه فإذا قدور الدار ملأى باللحم والمرق والأرز وما شاؤوا من ألوان الطعام، وتلك « كرامات» يهبها الله لمن شاء من عباده المقربين، كأن الله سبحانه وتعالى يرضيه أن تسري الفوضى في مخلوقاته بدل أن تنتظمها قوانينه!.

إنه العقل الغائب والمغيب واستثماره الضئيل..

نعم..إن طريق العقل واحد، وأما اللاعقل فله ألف ألف طريق.

ولا عزاء للعقل ما دام اللامعقول هو السائد والمألوف!

مقالات اخري للكاتب

سلام على أبطال أكتوبر ٧٣

ليس فقط لأن الندوة كانت عن نصر أكتوبر العظيم.. وليس فقط لأن الحالة المجتمعية صار ت أكثر احتياجًا لاستلهام الروح الأكتوبرية..

اللعبة الخفية على رقعة الشطرنج

تتجلى حكمة إنسانية بواحدة من القيم التي يجب أن تلفح وجه كل من يفكر في دمار شعب، أو إزهاق الأرواح بالحروب التي يتفننون فيها تكنولوجيًا وإلكترونيًا، ويروعون بها خلق الله الأبرياء، وحتى غير الأبرياء.

الجوهرة السمراء تصفع القبعة البيضاء

أستعيد هذه الورقة السمراء المعبأة بالحكمة والتحدي والثقافة والتجربة والكبرياء من حياة الزعيم الإفريقي الراحل (نيلسون مانديلا)، في مواجهة الرجل الأبيض، الذي لا يزال يمارس الغطرسة بصورة أو بأخرى، والذي يستند إلى تراثه البغيض في امتصاص دماء الشعوب في خدعة ما يسمى وهما بــ (العالم الثالث..).

رغم الجدل بالتي هي أحسن

أراد كاتب مغمور أن يشتهر، مع أنه لا يملك مقومًا واحدًا من مقومات النجاح، فكتب مقالاً عنيفًا - حتى حد السب والشتم - في سعد زغلول باشا، في عز عنفوانه السياسي كزعيم للأمة في مطالع القرن الماضي..

خطورة النجوم اللامعة…!

خطورة النجوم اللامعة…!

في نور هذا المشهد الكوني

في نور هذا المشهد الكوني

[x]