يوسف وهيب يكتب: كل ستين وأنت جميل يا ميكي

6-7-2018 | 19:44

مكاوي سعيد

 

مساء الخير يا ميكي، طابت أوقاتك مع من تحبهم، مثل يوسف إدريس وصلاح عبد الصبور ويحيي الطاهر عبدالله، وكثيرين، أنت تخبرهم الآن بما جرى لنا ولمقهى "زهرة البستان"، ها أنت ذا ترد التحية من الحائط في خلفية الكرسي الذي تجلس عليه بالممر، صورتك تحيّي كل محبيك، وتستقبلهم ابتسامتك الودودة نيابة عنك.


ونيابة عنك، اسمح لي ولمحبيك أن نحتفل بعيد ميلادك الثاني والستين، أرجوك لا تغضب، فهذه الستون الأولى وقد قضيتها، ولتبدأ الستين الثانية وأنت رائق المزاج دون مضايقات البعض منا ومناكفاتهم لك.

مابين كوبري الجامعة والسفارة الإسرائيلية، كان موقع "جريدة الدستور القديمة" في عزها، الساعة تكاد تتجاوز الخامسة والنصف بعد العصر، لحظات حرجة في تقفيل الجريدة وخاصة الصفحة الأولى، الحركة لا تكف من صالة التحرير إلى المونتاج، نتلاقى كثيرًا أنا والمرحوم الكاتب الصحفي خالد السرجاني، مدير التحرير آنذاك، نتشاكس قليلًا، وإذ به في مرة يقول لي: لو جدع تعرف تقول لي مكاوي سعيد من مواليد سنة كام؟

ضحكت طويلًا، هربًا من عدم معرفتي بمثل هذه المعلومات، خاصة وأن صديقي مكاوي كان يعتبرها من الأسرار الحربية، وكثيرًا ما يمازحنا إذا ما سألناه، قائلًا: أنا من جيل التسعينيات، وقلت له: يا عم خالد ده اختصاصك ولا أجرؤ على تجاوز أصحاب الاختصاص، قال لي باتكلم جد، لأن روايته "تغريدة البجعة" وصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية، أفرحني الخبر جدًا، واتصلت بميكي الجميل، كما كنت أحب مناداته.

- ألف مبروك يا ميكي

- الله يبارك فيك، على إيه؟

- التغريدة وصلت القائمة القصيرة يا جميل

- وإيه يعني؟ أنا مستني الكبيرة (وضحك)

- ماهو ده اللي هايحصل.. بس الأمر متوقف على تاريخ ميلادك

- أنا اصلا ماكملتش الأربعين (وضحكنا طويلًا)

وبعدها قال: الحقيقة، أنا من مواليد 1956.

وكتبت الخبر بسرعة، وبحثنا عن صورة له في الأرشيف، ووضعناها مع الخبر ونزل بالصفحة الأولى.

هذه حكاية مكاوي سعيد مع تاريخ ميلاده، وطوال أكثر من 26 عامًا عرفته فيها، لم يكن يهتم مثل كثيرين بما يسمى أعياد الميلاد، شيئان فقط كان يحرص عليهما، الأول والأهم هو الذهاب إلى المقابر لزيارة تربة والدته في المواسم والأعياد، والأمر الثاني والمدهش في مكاوي، أنه كلما جاء موعد مباراة الأهلي مع الزمالك، كان يهب إلى السينما ولا يشاهد المبارة في المقهى أو البيت، خاصة وأنه زملكاوي مثلي، وكان يبرر ذلك أنه مثل السادات، إذا نجحت الثورة أهه كان معاهم، وإذا فشلت سيتقدم بتذكرة السينما، وينجو، وأنا أيضًا أنجو بنفسي من شدة الأعصاب والتوتر خلال المباراة.

ولمكاوي سعيد نوادر قد تقترب من النبوءة، وهذا ما حدث معي، بينما كنا نسير معًا في شارع القصر العيني، باتجاه بيتهم في جاردن سيتي، كما تعودت توصيله كل ليلة بعد انتهاء جلستنا على مقهى البستان أو الجريون، الغريب أن كلينا لمح على جانب الطريق ورقة نقدية فئة 20 جنيهًا، وكلانا ينتظر الآخر كي ينحني ويلتقطها، ونقتسمها سويا وكل منا يأخذ عشرة جنيهات، وبالرغم أن مكاوي كان هو الأقرب لها، فإنه عبرها ومضى، والتقطتها أنا، وحين سألته:

- ليه يا ميكي ما ميلتش وأخدتها أنت وسبتها ومشيت؟ ده رزق وجالك!

- يا عم أنت أهبل ولا عبيط! رزق إيه؟!، الحكاية إن أنا لو أخدت دي أو حتى لو كانت 100 أو 1000 جنيه ها توقّف الرزق الكبير المنذور لي، بداخلي هاتف دائمًا يقول لي إنه هايبعت لي مائتي ألف دولار، دولار .. فاهم يعني إيه؟، حوالي مليون جنيه.

جلسنا على قهوة الكراسي البيضاء وشربنا الشاي والقهوة والمعسل، ولم نفكر مطلقًا أن كل هذا ربما يكون على حساب واحد غلبان، هو اللي وقعت منه العشرين جنيه دي؛ ربك يسامحنا بقى!

وبعد هذه الواقعة الطريفة بخمسة أشهر، وصلت رواية مكاوي سعيد "تغريدة البجعة" إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية، ونال عشرة آلاف دولار! ولما التقينا قلت له آمنت بيك يا مولانا، رفضت تأخذ العشرين جنيها الملقاة في الشارع وها هو بدأ ينفذ وعده معك، مدد يا سيدي مكاوي مدد.

مكاوي سعيد لم يكن مجرد كاتب قصة أو رواية، وغالبية من عرفوه أو قرأوا له قصصًا وروايات أو مقالات، قد يغيب عنهم جانبٌ لا يقل أهمية في مسيرته مع الكتابة بالصورة أيضًا، ولعل مكاوي رغم حصول روايته الأولى "فئران السفينة" 1991على جائزة سعاد الصباح، لم ينظر الكثيرون إلى عمله نظرة جدية يستحقها، لكنه ما إن أنجز الفيلم الوثائقي "نسر مصر الشهيد عبد المنعم رياض" حتى التفت إليه كثيرون، بل وحسده كتاب القصة والرواية.

في تلك الفترة أنجز مكاوي سعيد من الأفلام الروائية القصيرة فيلمين عن قصتين للأديب الكبير نجيب محفوظ هما "الغرفة رقم 12" و"الزيارة"، فيلم "الغرفة رقم 12" سيناريو وحوار:عز الدين سعيد - مكاوى سعيد، بطولة : سيد عبد الكريم، سحر رامي، لطفي لبيب، أحمد صيام، إخراج عز الدين سعيد، مدة الفيلم 33 دقيقية، عن قصة للأديب الكبير نجيب محفوظ، وهو دراما عجائبية، تدور أحداثها في فندق بعيد عن القاهرة، حيث يتقابل فيه الموتى والأحياء في الغرفة رقم 12، في أجواء تسودها الظلمة الحالكة والصمت الطويل، وفي نهاية الفيلم يداهمنا السؤال حول ما إذا كنا نشاهد الموتى يعودون إلى الحياة أو أننا نشاهد زيارة الأحياء إلى الموتى؟

ويبقى فيلمه الوثائقي الأثير "نسر مصر الشهيد عبد المنعم رياض" الذي كتب له السيناريو والتعليق، تعليق على مبارك، موسيقى تصويرية أكرم مراد، إخراج سامي إدريس، إنتاج قناة النيل للأخبار 2003، هو الوثيقة الدالة على بعد نظر ورؤيا المقاتل العسكري وقراءته لمستقبل الأحداث والمنطقة.

ولعلك تدهش عزيزي إذا ما عرفت أن الفريق أول عبد المنعم محمد رياض هو من تنبأ في محاضرة له عام 1968 بما حدث للعراق الشقيق واحتلال أمريكا له، إذ قال: "إن بترول أمريكا سوف يبدأ في النفاد، وستتطوق المنطقة سعيًا للسيطرة على بترول العراق خلال 30 عاما تقريبًا". ومن أقواله المأثورة "أن تبين أوجه النقص لديك، تلك هي الأمانة، وأن تجاهد أقصى ما يكون الجهد بما هو متوفر لديك، تلك هي المهارة".


مكاوي سعيد


مكاوي سعيد


يوسف وهيب

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة