العالم الذي رحل

28-6-2018 | 00:08

 

في غمرة انشغالنا بـ"خسارة" منتخبنا القومي في روسيا، نستيقظ ذات صباح من هذا الشهر، على خبر تنعي فيه النيويورك تايمز، والسفارة الأمريكية عالمًا مصريًا، ومن بين من نعوه بيل جيتس قائلًا: "إن العالم فقد أحد أعظم صناع التطعيمات في عصرنا".

والمصيبة أن خبر وفاة هذا العالم الذي أنقذ حياة الملايين من البشر، لم يصلنا في مصر إلا بعد وفاته بـ 9 أيام؛ حيث توفي يوم 11 يونيو نتيجة نزيف في المخ بمستشفي "جبل سيناء" في مانهاتن في نيويورك، ولم ينشر الخبر إلا في 13 يونيو، بينما لم يصلنا إلا في يوم الأربعاء 20 يونيو!! لذا لم أستغرب قرار أسرته بدفنه في واشنطن..

إنه الدكتور عادل محمود أحد رواد أبحاث اللقاحات والأمراض المعدية في العالم، ومن أبرز إنجازاته المساهمة في الوقاية من الإصابة بأحد السرطانات، وهو سرطان عنق الرحم، بتطويره لقاحًا يحمي ضد الفيروس المسبب لهذا المرض، وطور لقاحًا يمنع عدوي فيروس الروتا الذي يصيب الأطفال الرضع ويسبب وفاة نصف مليون طفل سنويًا، وساهم في تطوير عدد من اللقاحات لمكافحة أمراض "الحصبة" و"النكاف" و"الحصبة الألمانية" و"الجديري المائي"، مما أسهم في إنقاذ حياة ملايين البشر.

وكغيره من عظماء العالم، لاتخلو سيرته الأولي من معاناة، أنجبت للإنسانية من رحمها عالمًا فذا أضاف لرصيدها من العلم ما سيظل خالدًا أبد الدهر، حيث تعرض في طفولته المبكرة إلى موقف تسبب في تحول جذري ورغبة مُلحة في دراسة الطب، حيث أصيب والده في أحد الأيام بمرض الالتهاب الرئوي، واشتد عليه المرض؛ ما أجبر الطفل إلى الهرولة نحو إحدي الصيدليات؛ بحثًَا عن حقنة بنسلين لإنقاذ والده، لكن محاولته باءت بالفشل، وتوفي الوالد بسبب تأخره عن جلب العلاج في الوقت المناسب.

تركت صدمة وفاة الأب تأثيرها المرير على الطفل، ذي السنوات العشر، لكنها رسمت الخطوط الأولى لحلم العمل بالمجال الطبي، وبدأت رحلته من كلية الطب جامعة القاهرة، ثم هاجر إلى لندن عام 1968، وحصل على شهادة الدكتوراه، ومنها إلى الولايات المتحدة؛ حيث قدم خلال رحلته العلمية سجلًا هائلًا من الإنجازات العلمية.

إصراره وحرصه على العمل الدءوب طيلة حياته "76 عامًا" لخصته زوجته العالمة الأمريكية سالي هودر، في تعليقها حول حياته، قائلة: "كنت أتعجب من إصراره الشديد بحياته، وكنت أتساءل حول السبب، وما إن كانت تلك الدوافع نشأت من تربيته المبكرة، أم أنها جزء من شخصيته؟"، ومن بين أروع الشهادات التي قيلت بحقه بعد وفاته ما قالته عميدة إحدى كليات الطب الأمريكية: "كان ذكيًا في التعامل مع المشكلات بدرجة تفوق الطبيعي حتى إن العالم صار مظلمًا بعد غيابه".

شيء يدعو للمرارة أن نتذكر عالمًا مصريًا بعد رحيله، ولم ينل حظه من التكريم في بلده الأم، ولم ننتبه لفضله على البشرية كلها، إلا بعد أن نعاه الغرب!!

لعل في حزننا لرحيله دون أن ينال حظه من التكريم في وطنه الأم، أو حتى نستفيد من خبرته العالمية في تخطيط السياسات الصحية في مصر، يكون جرس إنذار لنا جميعًا لأن ننقب عن علمائنا المنتشرين في كثير من دول الغرب، ولهم إسهامات كبيرة في مختلف مجالات تخصصاتهم العلمية.

أتذكر هنا أنه كان لي شرف تقديم العالم الكيميائي المصري الأصل مصطفى السيد "إعلاميًا" للقارئ المصري من خلال الأهرام في عام 2008، بعدما اتصل بي قريب له من القاهرة، ليبلغني أنه سيتم تكريمه من الرئيس الأمريكي "بوش"، ومنحه أعلى وسام أمريكي للعلوم تقديرًا لإنجازاته في الكيمياء وعلاج السرطان برقائق الذهب، ولا أنسى الإشادة الكبيرة التي نلتها في اليوم التالي في المقال اليومي لأحد فرسان الصحافة المصرية الأستاذ "إبراهيم سعدة"، تحت عنوان "الخبر المُفرح"، وحين تواصلت معه طلب مني كتابة مزيد من المعلومات حول ما دار بيني وبين العالم المصري من حوار، وفاجأني أنه خصص لي أكثر من نصف مقالته بتوقيعي في جريدة الأخبار..

ومن بين العلماء المصريين الكبار الذين يعملون في مجال الأبحاث الدوائية، هناك الدكتور "شاكر موسى" أستاذ الصيدلة الإكلينيكية في كلية "ألباني" للصيدلة والعلوم الصحية بولاية نيويورك، الذي يعرفه العالم ويجهله المصريون‏، برغم أن كثيرًا من الأدوية التي يتناولونها‏، خاصة أدوية القلب‏، ربما كانت من اكتشافه أو تطويره‏؛ حيث يرتبط اسمه بأكثر من 220 براءة اختراع لشركات الدواء العالمية، والذي شرفني بزيارته حين كنت رئيسًا لتحرير مجلة "الشباب"، وقدم لشابين مصريين من شباب العلماء منحة للدراسة في الولايات المتحدة تشجيعًا لهما على مواصلة البحث والدراسة.

أمثال هؤلاء العلماء كثيرون؛ سواء داخل مصر أو خارجها، فقط علينا أن ننقب عنهم للاستفادة من خبراتهم العالمية ونمنحهم فرصة الإسهام بحرية في دفع عجلة البحث العلمي والتطوير في مصر، حتى لا يتكرر مشهد الحزن على عالم يرحل دون أن يتم تكريمه في وطنه أو تتاح فرصة رد الجميل له.

مقالات اخري للكاتب

وصفة الموت!

وصفة الموت!

غزو البطون وتأميم العقول!

غزو البطون وتأميم العقول!

زمن أولاد "صوفيا"!

الحديث عن عالم الروبوتات، لا ينبغي أن نحسبه كله شرًا مستطيرًا، بل فيه من الخير الكثير، صحيح أن البشرية ستدفع كثيرًا من إنسانيتها نظير إفساح المجال للاستعانة بها في شتى مجالات الحياة، ولا جدال أن الفاتورة ستكون أكثر كلفة في حال انحرفت هذه الروبوتات عن أهدافها السلمية..

يا ليتني كنت "روبوت"!!

فى عالم الغد، ربما يصل الإنسان إلى مرحلة تمنى أنه لو كان "روبوت"!!

من مفاجآت المستقبل؟!

بعيدًا عن كل الأخبار المأساوية التي تتصدر غالبًا نشرات الأخبار في كل دول العالم، من قتل ودمار، هناك عالم تكنولوجي متسارع لا تكاد تلتقط أنفاسك من كثرة عجائبه وغرائبه ومفاجآته..

آفة هذا الزمان؟!

قديمًا قال أمير الشعراء أحمد شوقي، يوم افتتاح نقابة الصحفيين في مصر في مارس من عام 1941: لكل زمان مضى آية .. وآية هذا الزمان الصحف .. لسان البلاد ونبض العباد.