مواطن يطلق النار على شقيقته.. جرائم "ميراث المرأة" تتحدى الشرع والقانون | صور

26-6-2018 | 20:39

عنف ضد المرأة

 

داليا عطية

عانت المرأة قبل الإسلام اقتصاديًا، فلم يكن لها ميراث، سواء من أهلها أو زوجها، إلي أن جاء الإسلام وأنصفها، وأعطي لها حقوقها، وفقا لنصوص قرآنية، أنزلها، الله وأقرها القانون، إلا أن البعض يصرون علي إجحاف المرأة حقها، ومخالفة تعاليم الدين، إما جهلا بالتشريع، وتلك أزمة ثقافة، وإما عمدا لمعتقدات خاطئة، وانسياق أعمي خلف عادات وتقاليد ضد الشرع والقانون.

البرلمان  من جانبه انتصر لحق المرأة، وأقر مؤخرا تعديلات علي القانون رقم 77 لسنة 1943، الخاص بالمواريث، تضمنت هذه التعديلات فرض عقوبات علي من يمتنع عن تسليم الورثة حقوقهم، أو يخفي مستندات دالة تصل إلي السجن والغرامة، وبالرغم من ذلك، لازالت قضايا الميراث تتزايد  والجرائم  التى تقع بسبب الميراث تتواصل، حيث شهدت محافظة الشرقية أول أمس، قيام أحد المواطنين بإطلاق الخرطوش على شقيقته، وأصابها بتشوهات فى وجهها بسبب خلافات علي الميراث.. ولم تكن هذه الواقعة هى الأولي، بل تكتظ المحاكم بقضايا المواريث وقضايا جرائم القتل والتعذيب التى تقع بدافع "الميراث"، وعورة حصول المرأة علي ميراثها من أهلها، وانتفاعها به، هي وزوجها، وأبنائها، تلك ما رسخته العادات والتقاليد في مناطق كثيرة، وتتبعه أفراد هذه المناطق، الأمر الذي أثار تساؤلات تحقيقات "بوابة الأهرام" حول قضية ميراث المرأة.. لماذا تسلب المرأة حق شرعي فرضه الله وأقره القانون ؟ ولماذا أصبحت العادات والتقاليد سُلطة حاكمة لا تقبل الطعن أو الرفض ؟ وكيف تنتصر عليها المرأة ويتخلص منها المجتمع ؟ كل هذه التساؤلات يجيب عنها الخبراء والمسئولون في التحقيق التالي:

سُلطة العادات والتقاليد

تقول الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر ، وعضو مجلس النواب ، في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، أن الإسلام جاء ب ميراث المرأة ، وقرر لها ما قرره من أنصبة الزكاة في جميع أشكالها المختلفة كزوجة وأرملة إلي آخره.

وتتابع في إشارة منها إلي ميراث المرأة في الجاهلية حيث كانت لا ترث الميراث الصحيح، وبالرغم من تصدي الإسلام لهذا الميراث، إلا أنه مازال إلي الآن قائم، ولازالت المرأة والفتاة والزوجة والأرملة لا تحصل علي حقها كما قرره الإسلام لها وأكده القانون.

وعن سبب الامتناع من إعطاء المرأة حقها في الميراث كما جاء به الشرع، قالت أستاذ العقيدة والفلسفة، إن العادات والتقاليد في بعض المناطق هي السُلطة الحاكمة وقلة الوعي الديني لدي الكثير تسبب في تصدر هذه العادات والتقاليد ساحة الحكم، فأصبحت هي السائدة والمُتبعة للأسف أكثر من الشرع قائلة: "جبروت التقاليد والموروث الثقافي والعنف الاجتماعي في حالة ميراث البنت أقوي من الشرع والقانون"، مؤكدة أن لا سبيل للتغلب علي تلك العادات والأعراف الخاطئة سوي استيقاظ الضمائر، وأن يفيق الناس لتطبيق حق الله للمرأة وتصديقا أيضا لما طالب به القانون.

دراسة: نساء الصعيد الأكثر ظلما

وبحسب دراسة بحثية بجامعة قنا عن هذه القضية، أعدتها الدكتورة سلوي محمد المهدي، مدرس علم الاجتماع بكلية الآداب، فإن نسبة  تقترب من 95.5% من النساء فى سوهاج و الصعيد ، محرومات من الميراث، بسبب الثقافة السائدة بأن الميراث سينتقل إلى أشخاص أغراب عن العائلة فى حالة منح النساء حقوقهن فى الميراث، واعتبرت الدراسة التى جاءت بعنوان " ميراث المرأة فى الصعيد بين الواقع والمأمول"، أن المرأة فى المجتمع الصعيد ى تعانى الظلم والقهر، بسبب ما تتعرض له من ممارسات العنف الاقتصادى، والتى تتمثل فى حرمانها من الميراث، ولفتت إلى أن هذه المعاناة قد تطول لفترة من الوقت بسبب العادات الموروثة بين أبناء المجتمع.

عيوب اجتماعية

لخبراء علم الاجتماع رؤية حول التمسك بالعادات والتقاليد أمام أمر شرعي أنزل به الله تعالي نصوصًا واضحة في القرآن الكريم، ولم تحتج إلي تفسير أو توضيح، فتقول الدكتورة سامية الخضر ، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، أن حرمان المرأة من الميراث قضية مجتمعية يجب التصدي لها بالتكاتف مع كافة مؤسسات الدولة، وعلي المجلس القومي للمرأة ، أن يتصدر صفوف الداعمين والمدافعين عن هذا الحق المغتصب لكثير من النساء اللاتي أقر لهن الشرع حق الميراث وكفله القانون.

وتضيف، أن العادات والتقاليد أصبحت أقوي من الشرع في كثير من المناطق بسبب انعدام الوعي الديني، ومن ثم غياب الثقافة وانتشار الجهل بنسبة أكبر من المعرفة، ما أدي إلي تمكن هذه العادات والتقاليد من قيادة أمور الحياة للأفراد دون مانع أو متصدي لها، فمن يتصدي إذن والوعي الديني كاد أن ينعدم في أغلب النفوس، مؤكدة أنها ظاهرة عامة موجودة في معظم المناطق التي تحرم المرأة من حقوقها واصفة ذلك بالعيوب الاجتماعية وليس الشرعية.

الفن يفتقد دوره

وعن سُبُل الخروج من هذا النفق المُظلم جدا علي المرأة، قالت أستاذ علم الاجتماع، إنه علي مؤسسات المجتمع المدني التكاتف مع الحكومة والمؤسسات الدينية لرفع الوعي الإسلامي الصحيح، ومحو الأمية الدينية بمثل هذه القضايا في المناطق التي انتصرت فيها العادات والتقاليد واستوطنت أرجاءها وعقول أفرادها، لافتة إلي الفن ودوره في تقديم أعمال لمعالجة هذه الظاهرة بدوره المؤثر في الشعوب والناقل للثقافات وحلقة الوصل بين المواطن البسيط والمجتمع الخارجي، فقالت، إنه علي الكُتّاب تقديم أعمال بشأن قضية ميراث المرأة ، وعلي المنتجين البحث عن ذلك، وتبني هذه السيناريوهات قائلة: "الفن يفتقد دوره في المجتمع" وتابعت: "إن كان شعار الغالبية من صناع الفن هو "الفن مرآة المجتمع"، فأين المعالجة الدرامية لأحد أخطر قضايا المرأة في المجتمع ؟

كيف تري الأوقاف حل هذه الظاهرة ؟

بالرغم من أن قضية ميراث المرأة جاء بها القرآن لتصبح فرضًا، إلا أن البعض لم يُعط المرأة ما نصت عليه هذه النصوص، وفي هذا السياق، يقول محمد إسماعيل جاد الله، عضو لجنة الشئون الدينية والأوقاف ب البرلمان في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" أن هناك وسيلتين للتغلب علي العادات والتقاليد التي ظلمت ولا زالت تظلم الكثير من النساء وتسلب حقوقهن التي جاء بها الشرع وأكدها القانون.

الوعظ والإرشاد

عن الوسيلة الأولي، قال، يجب تطبيق الجانب الشرعي من خلال الوعظ والإرشاد، لافتا إلي قول الله تعالي في سورة الطور: "وذكّر فإن الذكري تنفع المؤمنين"، وأن الأصل في الإنسان، أنه يقبل الخير ويرفض الشر وأن علماء الدين دورهم تقديم العظة للآخرين، وأنه يجب التنبيه علي قضية ميراث المرأة في خطب الجمعة والمجالس الدينية والمساجد ودروس الوعظ والإعلام المرئي والمسموع لتذكير الناس بالقضية، إضافة إلي استخدام أئمة المساجد لآيات الميراث وتلاوتها في الصلوات المفروضة.

معاقبة الممتنعين

أما الوسيلة الثانية فهي الجانب التشريعي، وتطبيقه، فيقول، إن بعض الناس لا تكفيه الموعظة لذلك يأتي الجانب التشريعي للضرب علي أيادي الممتنعين عن إعطاء المرأة حقها في الميراث، لافتا إلي التعديلات التي شهدها القانون رقم 77 لسنة 1943 الخاص بالمواريث، والتي تضمنت حبس الممتنع عن إعطاء المرأة حقها في الميراث، وأيضا توقيع غرامة مالية قائلا: "البعض يحتاج إلي رادع لتقويم سلوكه"، مشددًا علي ضرورة تصدي مؤسسات المجتمع المدني والحكومة ودور العبادة والإعلام لهذه الظاهرة التي لا يقرها الإسلام، وإنما هي من عادات الجاهلية.

الدستور وحده لا يكفي

بالرغم من أن الدستور شهد نصوصًا تقضي بحبس الممتنع عن إعطاء المرأة ميراثها الشرعي مدة لا تقل عن 6 أشهر، وتغريمه ماديا بما لا يقل عن 20 ألف جنيه، إلا أن هناك سيدات لازال العناء في حصولهن علي الميراث يرافقهن، ولازالت العادات والتقاليد تمنع أفواههن من الحديث خشية تأنيبهن من المحيطين، وهذا ما تؤكده بعض الحالات لـ"بوابة الأهرام"، واللاتي رفضن ذكر أسمائهن، بالرغم من أن مقر إقامتهن لا يتعدي حدود القرية البسيطة التي لا تعرف سبيل الصحافة لتقرأ هذه السطور، لكن ثقافة الخوف التي أحاطت بتلك النساء، واعتبارات النظرة المجتمعية لهن حال المطالبة بحقوقهن المسلوبة، بلغت الحد الأقصي الذي جعل صمتهن قرارا لا رجعة فيه ولا نقاش.

حقوق ضائعة

مديحة عثمان، تبلغ من العمر 52 عامًا، تقول لـ"بوابة الأهرام"، إن والدها توفي في طفولتها ووالدتها توفيت منذ ثلاث أعوام، وتركت محالًا تجارية وقطعة أرض، ورغم ذلك لم تحصل علي ميراثها الشرعي من هذه الممتلكات.

تتابع بنبرة يائسة فتقول، إن لها أشقاء من والدتها فقط افتعلوا أزمات بعد الوفاة مباشرة لمقاطعتها نهائيا، وتحالفوا ضد منعها من حقها الشرعي، إيمانا منهم أن هذه الأموال هم أحق بها من زوجها وأبنائها، لافتة إلي قدرتها علي اللجوء إلي القضاء للمطابة بحقها، إلا أنها تقف مكبلة الأيدي أمام العادات والتقاليد، خاصة أنها تنتمي لعائلة شهيرة في إحدي قري محافظة الشرقية قائلة: "الناس هتقول وقفت قصاد إخواتها في المحاكم"، وتابعت: "وفي الآخر مش هاخد حاجة".

بقايا ميراث

بينما تقول شريفة عبدالحليم، 31 عامًا، من البحيرة، إن والدها توفي وتركها ووالدتها وثلاث بنات أخريات وشقيق واحد، تاركا منزلًا كبيرًا وأكثر من قطعة أرض زراعية، إلا أنها وشقيقاتها البنات لم يرثن شيئًا من هذه التركة.

وبلهجة منكسره تتابع، أن والدتها صاحبة فكرة منعها وشقيقاتها من الميراث، خوفًا من أن تؤول الأرض إلي أزواجهن الذين تراهم الوالده أغراب عن سلالة العائلة، ولا يستحقون ميراث بناتها، فقامت بالتنسيق مع الابن بإعطاء كل بنت 30 ألف جنيه، مقابل الإقرار الرسمي من كل واحدة بأنها حصلت علي حقها الشرعي في ميراث والدها، وقامت باستلامه بالفعل، مؤكدة أن هذا المبلغ أقل بكثير من ربع نصيبها الشرعي في الميراث.

وعن موقف شقيقاتها الأخريات، قالت "شريفة"، إنهن لن يستطعن الدخول في صدام مع شقيقهم أو والدتهم، وبالرغم من ظلمهن وعدم الرضاء عن ما حدث، إلا أنهن قمن باستلام المبلغ الذي حددته والدتهن، ولم يفكروا في مقاضاته أو المطالبة القانونية بحقوقهن الشرعية، لأن ذلك يعد عيبًا ويسيء إلي الأسرة والعائلة وسط الأهل والجيران، لكنها تؤكد، أنه بالرغم من الاستسلام لما حدث إلا أن مشاعر الضغينة تملأ قلوبهن ضد والدتهن وشقيقهن.

محاربة ثقافة الخوف

وعن ذلك، تقول الحقوقية انتصار السعيد، مديرة مركز القاهرة للتنمية والقانون في تصريحات لـ"بوابة الأهرام"، إن حرمان المرأة من الميراث قضية تعاني منها نسبة كبيرة من النساء في مناطق مختلفة إلا أن نساء الصعيد والريف هن الأكثر معاناة.

وقالت، إن القانون بالرغم من أنه كفل حق المرأة في الميراث الذي جاء به الشرع، إلا أنه غير كاف لحصول هذه المرأة علي ميراثها، لأن العادات والتقاليد هي الحاكمة في بعض المناطق، لذا يجب أن يشهد المجتمع بكافة أرجائه ونواحيه طفره ثقافية بشأن هذه القضية الخطيرة التي لم يعد النزاع فيها مقتصرا علي المشاجرة فقط، وإنما وصل إلي حد القتل.

وشددت، علي ضرورة تثقيف البيوت المصرية من خلال حملات إعلانية تصل إلي أفراد هذه البيوت عن طريق التليفزيون والإذاعة، لأن ماتقوم به المنظمات النسائية ومؤسسات المجتمع المدني في رفع الوعي بهذه القضية، يستطيع الإعلام أن يفعله في دقائق من خلال سهولة تواصله مع المجتمع وكافة أفراده، فضلا عن ضرورة تحلي المرأة بالشجاعة في المطابة بحقوقها، وعدم التنازل عنها، وتحدي العادات والتقاليد التي تضر بها ولا تنفعها، لافتة إلي أن صمت الإناث وعدم المطالبة بحقوقهن، يرجع إلي الأمية التي تجعل المرأة تفكر بخوف وتخشي العداوات والخلافات مع أهلها، لذا فهي ترضي بالقليل منهم أو العدم قائلة: "محتاجين ستات شجاعة تطالب بحقها في المحكمة" مشددة علي ضرورة التصدي للعنف ضد المرأة.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]