وهي تشعل الشمعة الـ"20".. أستانا حكاية مدينة بدأت بـ"السهوب الترابية" وانتهت بـ"منارة" حضارية ووسيط للسلام

24-6-2018 | 01:45

أستانا

 

محمود سعد دياب

تشعل أستانا عاصمة جمهورية كازاخستان، الشمعة العشرين في حياتها، فقبل 20 عامًا من الآن، اكتمل حلم الرئيس الكازاخي، نور سلطان نزارباييف، في بناء أكبر وأحدث عاصمة على مستوى العالم، وبدأت الحياة تدب في تلك المنطقة التي كانت تعج بالسهوب الترابية، إلى مشهدٍ جمالي ترصعه بنايات براقة ذات طابعٍ عصري ومتطور، وقد شهدت العاصمة احتفالات أقيمت لإحياء الذكرى العشرين لإنشائها، كما أقامت سفارة كازاخستان بالقاهرة احتفالية ضخمة حضرها دبلوماسيون ومسئولون مصريون وكازاخ، ومن البعثات الأجنبية في مصر.


فمنذ ظهور هذه المدينة إلى الوجود، عكست أستانا رؤية كازاخستان، أكبر دولة حبيسة في العالم، وأكبر الدول الإسلامية من حيث المساحة، ورابع أكبر دول العالم، ودخلت شيئاً فشيئاً إلى دائرة الضوء والاهتمام عالميًا، بفضل استضافتها العديد من الفعاليات، مثل معرض "إكسبو" الدولي الشهير، والمفاوضات السورية، فضلًا عن احتضانها لموقع يضم شاطئاً كبيراً يقع بين أربعة جدران، ومنذ عام 2005، تدفقت استثماراتٌ أجنبية مباشرة يفوق حجمها 300 مليار دولار أمريكي إلى شرايين الاقتصاد الكازاخي، وجاء الجانب الأكبر من هذه الأموال مما يُعرف بـ"الصناعات الاستخراجية".

من جانبه، قال السفير أرمان إيساغالييف، سفير كازاخستان بالقاهرة، إن مدينة أستانا تشبه العاصمة الإدارية التي تسعى مصر لإنهاء عملية خروجها إلى النور، وإنها مشروع عملاق سيساعد مصر على التنمية والازدهار، مضيفًا أن بلاده حريصة على نقل تجربتها إلى مصر في بناء عاصمة جديدة لها، منذ زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي، العاصمة الكازخية، عام 2016، ومعه والدكتور مصطفى مدبولي، وزير الإسكان وقتذاك.

مركز سياسي واقتصادي وثقافي ومنصة دبلوماسية
وأضاف السفير الكازاخي، على هامش احتفالية أقامتها سفارة بلاده بتلك المناسبة، أن أستانا أصبحت على مدار العشرين عامًا الماضية مركزًا سياسياً واقتصادياً وثقافياً لكازاخستان المُستقلة، وكذلك منصة للدبلوماسية الاستباقية، وصُنع السلام والحراك الدولي، حيث استضافت قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومؤتمر التفاعل، وتدابير بناء الثقة فى آسيا، وقمة منظمة شنغهاي للتعاون، وقمة رابطة الدول المستقلة، وقمة منظمة اتفاقية الأمن الجماعي، وقمة مجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية، وقمة العمل التشاوُرية الأُولى لقادة دول آسيا الوسطى، مضيفًا، أنه يُعقد فى أستانا كُل ثلاث سنوات مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية، الذى يُسهم بشكل فعّال فى تعزيز الحوار بين الأديان والحضارات، بهدف تحقيق السلام والعدل وإرساء الأمن فى القرن الحادي والعشرين.

وأوضح، أن أستانا تستضيف المفاوضات الهادفة إلى وقف العنف فى سوريا، معربا عن أمله، أن تُثمر الجهود الدولية عن استعادة السلام فى أقرب وقت على الأراضى السورية، لافتًا إلى أن أستانا أصبحت مَركزا لإطلاق مُبادرات التعاون الاقتصادي واسع النطاق، مثل الحزام الاقتصادى لطريق الحرير، وقد شهدت التوقيع على معاهدة إقامة الاتحاد الاقتصادي الأوراسيوي، واستضافت القمة الأولى لمنظمة التعاون الإسلامي للعلوم والتكنولوجيا، تم خلالها إصدار الوثيقة الشّاملة إعلان أستانا تحت عنوان: "العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتحديث العالم الإسلامي".

وأضاف، أن أستانا نجحت العام الماضى فى تنظيم المعرض الدولى "أكسبو 2017"، الذى جذب اهتمام المجتمع الدولى إلى قضايا طاقة المُستقبل والتنمية المُستدامة، وقد تم استثمار البنية التحتية لهذا المعرض فى إنشاء مركز أستانا المإلى الدولى، والمركز الدولى للتكنولوجيا الخضراء والمشروعات الاستثمارية، والحديقة التكنولوجية الدولية للمشروعات الناشئة، والتى ستعمل لصالح تنمية كازاخستان ومنطقة آسيا الوسطى والعالم أجمع.

برج بايتريك
يعتبر برج "بايتريك"، الذي اكتمل تشييده عام 2002، أول المعالم الجديدة البارزة التي ظهرت في أفق أستانا، وهو نصبٌ تذكاري على شكل بيضة عملاقة تقبع فوق قمة شجرة، ويمثل البرج منصة مراقبة، يمكن للمرء من فوقها أن يرصد كيف أُعيد تشكيل منطقة وسط المدينة على مدار السنوات الـ 15 الماضية، على يد مهندسين معماريين ذوي أساليب وأنماطٍ فنية متنوعة.

قصر رئاسي مع قبة بيض طائر أبو الحناء
وإلى الشرق من البرج، يقع مركز "خان شاتير الترفيهي"، وهو مركز تسوقٍ هائل الحجم، يوجد في أكبر خيمة شفافة في العالم، وقد صممه المهندس المعماري البريطاني، نورمان فوستر، أما إلى جهة الغرب، فسنجد القصر الرئاسي الذي يشبه البيت الأبيض الأمريكي، وهو بناء آثر مصمموه أن يجعلوا له قبةً ضخمة زرقاء اللون، ذات درجة لونية مماثلة لتلك التي يصطبغ بها بيض طائر أبو الحناء، وبجانب القصر، تقع القاعة المركزية للحفلات الموسيقية، وهي عبارةٌ عن مبنى فيروزي اللون، يحاكي تصميمه - الذي وضعه المهندس المعماري الإيطالي، مانفريدي نيكوليتي - تصميم سفينة فضاء تنشر أجنحتها.

مكتسبات إكسبو 2017
وعلى الرغم من التباطؤ الذي شهده اقتصاد كازاخستان بفعل الانخفاض الحاد في أسعار النفط الخام عام 2014، فإن الطفرة العمرانية في العاصمة استمرت، وحصل اقتصاد الدولة التي تقع في وسط آسيا على دفعة قوية من جراء تنظيم معرض إكسبو 2017، خلال الفترة من يونيو حتى سبتمبر الماضي، وهو معرضٌ دولي يُقام على غرار "المعرض العالمي"، الذي أُقيم للمرة الأولى في القرن التاسع عشر.

وكان موضوع "طاقة المستقبل"، هو الموضوع الأساسي الذي اختير لذاك المعرض، وهو اختيار شكّل قراراً ينطوي على مفارقةٍ ساخرة، بالنظر إلى اعتماد كازاخستان الشديد على النفط والمنتجات المرتبطة به أو القريبة منه، حيث خصص للمعرض موقع شُيدت مبانيه بالكامل خصيصاً لهذا الحدث، ووُضِعَت في قلبه كرةٌ أرضية فضية اللون، وإلى جوارها مركز تسوق حمل اسم "ميغا سيلك واي" أو طريق الحرير الكبير.

وقد تم استثمار البِنية التحتِية لمعرض "إكسبو – 2017"، واستخدامها فى إنشاء مركز أستانا المالي الدولي، والمركز الدولي للتكنولوجيا الخضراء والمشروعات الاستثمارية، والحديقة التكنولوجية الدولية للمشروعات الناشئة، وسوف تعمل كل تلك المراكز لصالح تنمية كازاخستان ومنطقة آسيا الوسطى والعالم أجمع.

وتشهد كازاخستان منذ عام 2012، طفرة في عدد الشركات التي تؤسس على أراضيها، حيث يزور السهوب الكازاخية سنويًا حتى عام 2015، قرابة 280 ألف شخص، لأسباب تجارية واقتصادية، وهو العدد الذي زاد بمقدار 3 أضعاف، لكي يصل إلى مليون زائر من رجال الأعمال، ورواد الأعمال، والسائحين، مع مطلع 2018، والزيادة مضطردة بفضل التوسع في صناعة ريادة الأعمال، وتدشين مؤسسة تحمل اسم "مركز أستانا المالي الدولي"، وذلك في إطار خطة استثمارية خمسية تتبناها الحكومة، تستهدف اجتذاب المزيد من الشركات الأجنبية للعمل في البلاد، إذ يعمل المركز في إطار نظام قانوني خاص يستند إلى المنظومة القانونية السارية في إنجلترا وويلز، وهو ما يجعل مثل هذه المؤسسات الأجنبية، تشعر بارتياحٍ أكبر للعمل في إطار قواعد مشابهة لما هو سائدٌ في المراكز المالية الدولية الأخرى في العالم.

وتؤكد الأرقام، أنه بمقدور الشركات العاملة في قطاع "التكنولوجيا المالية"، أن تدير أنشطتها في إطار قواعد تنظيمية، بما يفتح الباب أمام تجربة برمجيات لم تُختبر من قبل على نحوٍ آمن، وهو ما سيسمح لتلك الشركات بأن تُجرّب التقنيات الجديدة، دون الخضوع للوائح تُقيدها في هذا الصدد، وذلك بالسعى إلى اجتذاب المبتكرين الجدد في قطاعات التكنولوجيا المالية والتمويل الإسلامي والتمويل صديق البيئة.

موقع جيوسياسي متميز
وتتمتع أستانا من موقعها الجيوسياسي بين المصالح الصينية والروسية، لكي تصبح نقطة عبورٍ مفضلة للشركات والمؤسسات التجارية والاقتصادية، حيث تعيش أستانا على رقعةٍ فسيحة للغاية من الأرض، تمر عليها الكثير من طرق العبور التي تصل بين الصين وباقي دول العالم، وهناك قدرٌ هائل من الحركة، وعددٌ كبيرٌ من الطرق السريعة وطرق السكك الحديدية، التي مُدّت في إطار مبادرة الصين المعروفة باسم "الحزام والطريق"، وهذا يعني أنه سيوجد أيضاً تدفقاتٌ مالية كثيرة، داخلة إلى كازاخستان وخارجة منها.

إدمان التسوق
ويبدو التسوق هو مصدر التسلية المفضل بالنسبة لقاطني أستانا، وذلك إذا ما جاز لنا تحديد هذا الأمر، بناءً على نمط حياة السكان الأثرياء في المدينة، فالعاصمة الكازاخية مدينةٌ عصرية وأنيقة، وحتى في ظل الصقيع القطبي الذي يسودها خلال فصل الشتاء، وتتدنى فيه درجة الحرارة إلى 40 درجة تحت الصفر، سيظل بوسع الزائر أن يرى بعض السيدات اللواتي يتجولن في أنحاء أستانا، وهن يرتدين أحذيةً بكعوبٍ عالية، ويتدثرن بمعاطف من الفرو السميك.

وفي مركز "خان شاتير الترفيهي"، تجتمع العلامات التجارية الكبيرة في مكان واحد، والذي يشهد إقبالًا كبيرًا حتى في فصل الشتاء رغم برودة الجو، وفي الطابق العلوي من المركز، يوجد شاطئ داخلي كبير، ومدينة ألعاب مائية، حيث تصل درجة الحرارة في داخل هذا المكان إلى مستوياتٍ مرتفعة تصل إلى 36 درجة مئوية، ما يجعله بمثابة واحةٍ يلوذ بها السكان من فصول شتاءٍ تهبط فيها درجات الحرارة إلى ما دون الصفر المئوي.

ويشكل التزلج على الجليد نشاطاً آخر مفضلاً لقاطني أستانا في الشتاء، فمع حلول ساعات المساء، تعج المتنزهات المفتوحة المخصصة للتزلج بالعائلات المحبة لذلك، ويضم الموقع الذي احتضن فعاليات "إكسبو"، مدينة جليدية، من بين أبرز معالمها متاهةٌ يصل طولها إلى 260 قدماً (نحو 80 متراً) وتتألق بأضوائها الملونة خلال الليل.

أستانا تزيل سوء تصور العالم عن كازاخستان
يأتي المقطع الأخير من اسم الدولة "ستان"، لكي يتسبب في خلط لدى دول العالم مع دول أخرى مجاورة ينتشر فيها الإرهاب، مثل أفغانستان وباكستان، ويؤكد عدد من الزوار الأجانب أن مدينة أستانا تسهم في تغيير تلك المفاهيم المغلوطة بشأن هذا البلد.

أحدث عاصمة في القرن الحادي والعشرين
وتُعتبر مدينة أستانا، أحدث عاصمة فى العالم، وأول عاصمة ظهرت فى القرن الحادي والعشرين، وبعد مرور 20 سنة، تم الاعتراف بها باعتبارها أكثر المدن نموًا في العالم، ومشروعًا عُمرانيًا ناجحًا من الطِراز العالمي، ومن حيثُ النموُ السُكاني والتنمية العمرانية فقد ازداد عدد سكان العاصمة ومِساحتها بثلاثة أضعاف خلال العشرين عاماً الماضية، أما الاستثمارات فقد ازدادت إلى 50 ضعفًا.

وعلى مدار العشرين عاما الماضية، كانت أستانا منصة دبلوماسية مهمة، وأداة مهمة في صُنع السلام والحراك الدولي، حيث كانت حَاضِنة للعديد من القِمم المُهِمّة للأمن والتعاون الدولي، وعاما بعد عام تزداد فى أستانا البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية المُعتمدة لدى كازاخستان، مما يُؤكد أن أستانا قد تحولت إلى واحدة من أكبر وأهم المراكز السياسية فى المنطقة.
بنك اليورانيوم
وقبل عام تم في أستانا، وفى مدينة أوسكيمين، تدشين بنك اليورانيوم مُنخفِض التخصيب التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكازاخستان، بِوصفِها البلد الأكثر تأثُراً من التجارب النووية، والتى تخلّت عن رابع أكبر تِرسانة نووية فى العالم، يُمكنِها أن تُسهِم إسهاماً كبيراً في خَلق عالَم خال من الأسلحة النووية.

وفى قلب كُل تلك الأعمال، تكمُن السياسة الثابتة للرئيس نزارباييف، التى تهدِف إلى تعزيز الثقة والأمن والتعاون على المُستويين الإقليمي والدولي، وقد نجحت تنمية أستانا فى تغيير كازاخستان بشكل جِذري، وحوّلتها إلى دولة قوية اقتصادياً ومُستقِرة سياسياً وشَريك دولي مسئول وذو مِصداقية.


أستانا


أستانا


أستانا


أستانا


أستانا


أستانا


أستانا


أستانا


أستانا


أستانا

الأكثر قراءة