رؤية لإصلاح التعليم.. نظرية ما بعد الحداثة

24-6-2018 | 00:29

 

نظرية ما بعد الحداثة هي تيار فكري نشأ كرد فعل لعصر الثورة الصناعية، وما نتج عنها من تغيرات في مختلف جوانب الحياة.


وما بعد الحداثة بوجه عام، تيار نقدي يعترض على كثير أو معظم جوانب الحياة الحديثة وجذور هذا التيار ترجع للفلسفة، ثم انتشرت في مجال الموسيقى والفنون والعمارة والبيئة وباقي التخصصات، ولذلك هناك تباين في آراء بعض روادها ولكن يتفق علماء ما بعد الحداثة على أن المجتمع المعاصر له آثار مدمرة وسلبية كثيرة على الإنسان والمجتمع والبيئة.

والأخطر أن استمرار هذا النهج يبشر بمستقبل مظلم وأسوأ من الحاضر في معظم جوانب الحياة؛ ولذلك يسعون ويدعون إلى أساليب وخيارات جديدة لمواجهة مجتمع المخاطر الذي نعيشه الآن، خوفًا من الطعام والماء والهواء الملوث، إلى الخوف من العنف والإرهاب والسلاح النووي، إلى التفكك الأسرى وأطفال الشوارع وتزايد معدلات الجريمة والانحراف والطلاق والأطفال مجهولي النسب والحروب والمجاعات والتكنولوجيا الملوثة والمدمرة وغيره من مخاطر تزايدت معدلاتها وحدتها في العصر الحديث.

ولذلك تعطي ما بعد الحداثة اهتماما كبيرا بالبيئة الطبيعية والإنسانية وتحذر من أخطار البيئة المشيدة أو التكنولوجيا، ولذلك ترى ما بعد الحداثة أن التكنولوجيا وحدها بدون قيم اجتماعية تقودها تصبح كالحصان الجامح الذي قد يؤدي لكارثة أو كوارث كثيرة للإنسان، وأنه على الإنسان التريث والعودة لسيادة القيم الاجتماعية والروحية؛ لأن العلم والعقل المطلق محدود نسبيًا.

وبالتالي فهذه الحقائق نسبية وقد تتغير، وبالتالي لا يمكن تعميم أي أفكار أو نظريات سابقة على كل المجتمعات والثقافات وكل الأزمنة؛ لأن لكل مجتمع وكل زمان وكل ثقافة الخصوصية المؤثرة في مجريات حياته، وبالتالي فإن ما بعد الحداثة نظرية مرنة ونسبية وترفض التعميمات المطلقة ومن هنا تنتقد وترفض معظم النظريات التقليدية ونرجع بعد ذلك لوجهة نظر نظرية ما بعد الحداثة في مجال التعليم؛ حيث توجه النظرية انتقادات كثيرة للعملية التعليمية وخاصة فيما يتعلق بالمبالغة في تمجيد العلم والعقل والمنهج العلمي وتشكك في قدرتهم للوصول للحقائق المطلقة (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).

وتستدل النظرية على ذلك بان البشرية سارت وفق هذا النهج منذ الثورة الصناعية إلى الآن، فماذا كانت النتيجة؟ هل أصبحت البيئة الطبيعية من ماء وهواء وأرض وغذاء في وضعية أفضل أم زاد التلوث في الماء والهواء والأرض والغذاء، وظهر الفساد في الأرض والبحر والجو بما كسبت أيدي الناس؟

هل أصبحت البيئة الإنسانية والاجتماعية في وضع أفضل أم زاد الظلم والحروب والمجاعات وأطفال الشوارع والعنف والإرهاب؟ هل أصبحت البيئة المشيدة من تكنولوجيا وخلافه مسخرة لخدمة البشرية والسلام والتقدم، أم مسخرة للحروب والدمار والسلاح ونهب ثروات الشعوب؟!

ولكل ما سبق ترفض ما بعد الحداثة الاعتماد المطلق على العلم والعقل، وترى ضرورة الاهتمام بالقيم الاجتماعية والروحية، وأن الحقائق نسبية، وعلينا دائمًا تجديد المعارف والمعلومات؛ ومن هنا تركز النظرية في العملية التعليمية على العناصر الآتية:

• بالنسبة لدور المعلم كان المعلم مصدرًا للمعلومات وناقلًا للعلم، ولكن نظرية ما بعد الحداثة ترفض ذلك، وتؤكد أن دور المعلم هو محاولة تهيئة البيئة المناسبة للطلاب؛ لكي يتعلموا بأنفسهم ويبحثوا عن المعرفة، وبالتالي أصبح دور المعلم مساعدًا للطالب، ومرشدًا له لبناء ثقافته الشخصية، والحصول على المعلومات والرأي والرأي الآخر؛ ليكون للطالب شخصيته وثقافته الذاتية.

• دور الطالب تحول من متلق للمعرفة إلى باحث يشارك للوصول للمعارف والمعلومات، وبالطبع هذا ينعكس على طبيعة العلاقة بين الطالب والمعلم؛ فبعد أن كانت العلاقة من أعلى لأسفل أصبحت العلاقة تفاعلية للبحث معًا عن المعرفة الجديدة، وأصبح هناك مساحة للاختلاف في وجهات النظر.

• طريقة التدريس، فقد تغيرت أساليب التدريس من التلقين المباشر إلى طريقة الحوار والبحث؛ لأنه ليس هناك حقيقة مطلقة؛ لأن الحقائق نسبية، وعلى الطالب الوصول بنفسه لهذه الحقائق.

• المنهج بعد مراحل التعليم الأساسية لا توجد أنشطة أو مقررات موضوعة مسبقًا؛ لأن وضع المنهج يشارك فيه الطلاب بضوابط عامة، ويهدف المنهج أن يكون تحوليًا؛ بحيث يمكن الطالب من إدراك وفهم البيئة المحيطة بمفهومها الشامل؛ وبذلك يبتعد المنهج عن الحفظ والتلقين؛ بهدف إحداث تحول في فهم الطالب لكل من حوله، ويتحول من طالب إلى باحث مشارك في صنع المعرفة

• المعرفة نسبية، وتهتم بتعدد المصادر والنظرة النقدية وتكامل العلوم فليس هناك فصل بين العلوم الرياضية والاجتماعية أو غيرها؛ فمشكلات العصر تتطلب منظورًا علميًا بيئيًا شاملًا للعلوم المختلفة والمعرفة التكاملية، كما يجب التنبيه ولفت الانتباه لدور القيم والأيديولوجيات والمصالح في إنتاج المعرفة، وهذا يعني أن الطلاب أصبحوا باحثين عن المعرفة، وليسوا متلقين لها؛ فالمعرفة يجب أن تتشكل وتتكون ولا تنقل بأيديولوجياتها وقيمها من مكان إلى آخر قد يكون مختلفًا، وهذه المعرفة البنائية تركز على المنظور البيئي الشامل للأبعاد الطبيعية والمشيدة والاجتماعية في تكوين المعرفة التشاركية، مما يساعد على خلق الشخصية الناقدة والمبتكرة، والتي تتشكل وفقًا لطبيعة وخصائص كل مجتمع، وتهتم بخصوصية كل مجتمع وبيئته الشاملة، وهذه الشخصية في النهاية تصبح من القوة؛ بحيث يصعب معها وجود الإرهابي أو المتطرف بوجه عام فهي شخصية قادرة على النقد والتحليل والابتكار؛ لأنه ليس هناك حقيقة مطلقة.

ومثال أخير لذلك عند اختراع مبيد الـ(D.D.T) اعتبر وقتها أعظم اكتشاف علمي؛ لأنه قضى على الحشرات، وبعد فترة اكتشفوا آثاره الخطيرة التي تصل للإنسان، وتم تحريم استخدامها دوليًا.. وهكذا الحقائق العلمية نسبية، وقد تتغير بتغير المعرفة الإنسانية.

مقالات اخري للكاتب

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

مفهوم الفوضى الخلاقة

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.

المصريون بين المحافظة والتجديد والمركزية (9)

نتناول في هذا المقال ثلاث قضايا مهمة في تاريخ مصر، الأولى هى قضية المحافظة على القديم وخاصة في الجانب المادي من الثقافة، ثم قضية التجديد في الشخصية المصرية

القرية المصرية بين الماضي وتحديات المستقبل (8)

تمثل القرية النواة الأولى للمجتمع وللآن يسكن الريف أكثر من نصف السكان ومن هنا تبرز أهمية دراسة التحديات التي تواجه القرية من خلال دراسة المستجدات المعاصرة،

روابط الطبيعة والتاريخ في وادي النيل (7)

هناك أسس طبيعية وتاريخية تربط وادي النيل، ولذلك فالوحدة في وادي النيل أمر طبيعي قضت به ظروف البيئة منذ أن بدأ الإنسان يستقر على جوانب النيل، ولذلك سارت

حقوق العلماء حق مجتمعي

​هناك حقوق شخصية وحقوق فئوية وحقوق مجتمعية، وبالطبع لكل فرد في المجتمع حقوقه وواجباته نحو مجتمعه، ولكن هناك أولويات بمعنى أن هناك حقوقًا أساسية لها الأولوية؛ لأنه تنبثق عنها وترتبط بها حقوق أخرى أساسية لجميع أفراد المجتمع، ووجود أي خلل أو نقص في هذه الحقوق ينعكس سلبيًا على جميع أفراد المجتمع.

مادة إعلانية