فتحى عبدالسميع: هدفي تقديم رؤية متكاملة للثأر.. وجوائز الدولة ترتبط بجروح دامية

20-6-2018 | 12:12

فتحي عبدالسميع‎

 

حوار - محمد حربي

لا يظهر الثأر في قصائد الشاعر فتحي عبد السميع مع أن موتاه يقفزون من النافذة وعلى الرغم من حصار قضايا الثأر له في عمله بمحكمة قنا فإن الدم القبلي والقرابين التي تتعلق به لم تنفذ مرة إلى ديوان "تمثال رملي" ولا كتاب "الطفل والحجر"، الذي رصد فيه فتحي سيرته الشعرية. لكن الثأر ضغط على الشاعر باتجاه آخر دفعه لمطاردة ذلك الدم الدوّار في خماسية معرفية عبر كتب استهلّها بـ "القربان البديل"، الذي يكشف طقوس القودة وفداء المخطئين في الصعيد في جرائم الثأر.

كان الكتاب مفاجأة ثقافية جيدة؛ لأن اقتراب الشعراء من القضايا الاجتماعية نادر غالبا، فهم مشغولون باستعاراتهم أو مجازات الدروب أكثر من اهتمامهم بدم الحوادث، وإن جنحوا للفكر فإنهم غالبا ما يهومون حول قضايا تتحمل نزق الاستعارات أو دخان التأويلات المجنحة.

أما الثأر فله طقوس في الكتابة لا تتحملها قصيدة، ربما يختل تأويلها لدى قارئ فيندلع دم جديد.. ولذلك فضّل فتحي عبد السميع أن يرصد ما يراه من طقوس دم تتكرر كل يوم في خمسة كتب نجح أولها في اقتناص جائزة الدولة باقتدار وجدارة.

الكتاب الذي حقق هذه الميزة المعرفية كان المفروض أن يجر إخوته في القافلة الخماسية لكن دور النشر لا تفضل مثل هذا الجهد المعرفي في تفكيك ضفيرة الدم فوق رأس مصر، فأحجمت بحجة أن الكتاب الأول لم يبع نسخه كاملة.

الكتاب الثاني في خماسية الثأر ينام في أدراج فتحي عبد السميع؛ لأنه لا يوجد ناشر يشجع حتى أولئك الذين منحتهم الدولة اعترافها العملي وجائزتها.. وكم ذا بمصر من تناقضات لا يستطيع المتنبي أن يذكرها بأثر رجعي.

وإلى نص الحوار:

-لماذا لا يظهر الثأر والدم كثيرا في قصائدك التي يمكن وصفها بدرجة ما من الرومانتيكية حتى ولو كانت ثورية تتمرد على الموروث الساكن؟
ـالثأر في حقيقته طلب للعدالة، وهو قيمة أصيلة في بنية الإنسان عموما، لكن هناك مشكلة مع الكلمة؛ لأن الكلمة تردنا لعصور قديمة جدا يتم وصفها بالبربرية؛ ولأننا نرفض ظاهرة القتل الثأري الموجودة على أرض الواقع فعلا، غير أن الرفض هنا لا علاقة له بقيمة الثأر، بل بالوسائل القبلية التي تتعارض مع وسائل الدولة، وتعتبر تعديا على الدولة، وكثيرا ما تكون بوابة لمظالم جديدة.

ونحن نرفض قتل القاتل عن طريق أقرباء القتيل، لكننا نرفض ترك القاتل حرا بلا عقاب، وهذا العقاب القانوني ثأر. وإذا تجاوزنا كلمة الثأر سوف تجد معناها موجودا في تجربتي بشكل كبير، أكبر مما أعتقد، وبينما استرجع تجربتي الآن، كي أجيب على سؤالك اكتشف وجود الثأر في نصوص كثيرة دون أن أنتبه لذلك.. أتذكر قصيدة مثل قصيدة (ليلى ومحاولات قيس جديد) أول قصيدة نشرتها في مجلة إبداع سنة 1988، وأجدها ثأرية في جوهرها، كما أنني في أعمالي الأخيرة صرت أكثر شجاعة في استخدام الكلمة صراحة، كما في قصيدة (ثأر الخنفساء) وقصيدة (الحر). وأقول أكثر شجاعة؛ لأن شعراء الفصحى في الصعيد يعتبرون أنفسهم نخبة ثقافية ويتنصلون من كل ما يتصل بالقبلية والثأر باعتبارها مظاهر متخلفة لا تليق بهم. لكنني ضد كل افتعال، ومع الصدق مع النفس والانفتاح على الواقع بقوة.
فلاش باك

-بعد إعلان فوزك بجائزة الدولة في العلوم الاجتماعية قبل عامين كتبت تقول إنها جائزة أحمد زايد، ما هي ملابسات الجائزة ودور الدكتور زايد فيها ؟
مشكلات جوائز الدولة كبيرة ومزمنة، ويعترف بها وزراء الثقافة أنفسهم، ولكنهم لا يفعلون شيئا أمامها، ومن نتائجها حرمان أشخاص يستحقونها من الحصول عليها، وتلك جريمة كبرى في حق الثقافة المصرية، والدولة نفسها.

وهناك قناعات قوية في الحياة الثقافية باعتماد الجوائز على معايير، مثل معيار العلاقات، والمحسوبية، و تعصب الجهات التي تملك حق الترشيح لأعضائها بشكل ينتمي للثقافة القبلية لا لثقافة الدولة، كما نجد في لجان التحكيم أشخاصا لا يمتلكون مقومات التحكيم، بل يقررون منح الجائزة بحكم وظيفتهم، وهذا أمر يدعو للسخرية المريرة.

وهكذا ترتبط جوائز الدولة بجروح دامية، تجرِّف قيمتها الرمزية. وقد توقعت حصولي عليها في مجال الشعر؛ لأن أعضاء لجنة الشعر بالمجلس يعرفون جهدي على مدى ثلاثين عاما.. أما الحصول عليها في مجال العلوم الاجتماعية فلم يكن واردا؛ لأنني لا أعرف شخصا واحدا من أعضاء لجنة علم الاجتماع، وكان من المستحيل في ظني أن أحصد بكتاب أول، ما عجزت عن حصده خلال ثلاثين عاما بمجموعات شعرية كثيرة، وهكذا كان شعوري باليد الرائعة التي تحمست للقربان البديل، وهي يد الدكتور أحمد زايد، الذي رأيته مرة وحيدة في ندوة ، ثم علمت أنه اشترى نسخا من الكتاب وأهداها لأعضاء اللجنة، واتفقوا على منح الجائزة لي رغم أنني لم أتقدم إليها. وهكذا لم أفرح بالجائزة بقدر ما فرحت باكتشاف تلك النزاهة النبيلة والشُجاعة، وبقدر ما فرحت بالعقلية المرنة والمتفتحة التي تكسر صورة الأكاديمي المشوهة التي تترسخ في حياتنا الثقافية. وأريد أن أعترف هنا بأنني تمنيت تلك الجائزة في فترة سابقة بسبب قيمتها المالية فقط، لكنني صرت معتزا بقيمتها الرمزية والمعنوية..

-الكتاب ضمن "خماسية"عن الثأر، هل يمكن أن تقدم نبذة عن المشروع، وماذا تم منه. وماذا تعني بعنوان كتابك "الثأر والجغرافيا"، وما هو ارتباط تلك الجغرافيا بالبداوة العربية في مصر؟
هدفي هو تقديم رؤية متكاملة للثأر، تعتمد على واقع الممارسات الثأرية في الصعيد، لكنها تتجاوز الصعيد لتقدم رؤية للثقافة الثأرية في الوجود الإنساني، أي أن الخماسية تعتمد على مادة محلية هي بمثابة فرصة لدراسة ظاهرة إنسانية، فالثقافة الثأرية في تقديري مشكلة عالمية، تظهر بتجليات مختلفة، على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الدول، وعلى مستوى الجماعات المتصارعة.

فالصعيد فرصة تكشف عن أسرار العنف والعنف المضاد، أخطر الظواهر البشرية عموما، وهكذا جاء القربان البديل ليدرس فن المصالحات الثأرية، وجاء كتاب "ميزان الدم" ليدرس طقوس القتل الثأري، وعلاقتها بالمقدس، ومنظومة الطقوس الأخرى، مثل طقوس الموت، وطقوس الخصوبة.


وخصصت الكتاب الثالث لدراسة العلاقة بين العادة والطقس والأسطورة وتتبع الجذور التاريخية البعيدة للظاهرة، وهنا تناولت بالتمحيص علاقة الثأر في الصعيد بالقبائل العربية القادمة مع الفتح الإسلامي. أما الكتاب الرابع فقد خصصته لدراسة علاقة الثأر بالجغرافيا. وأخيرا خصصت الكتاب الخامس للجذور الفكرية للثقافة الثأرية، وعلاقتها بالتفكير الأسطوري والسحري. وقد انتهيت تقريبا من تلك الكتب.

-تقول إنك بحثت عن أصول عربية وإسلامية لفكرة الثأر فلم تجد ووجدت الفكرة ممتدة إلى التاريخ الفرعوني. لم أفهم جيدا هل هذا دفاع عن ثقافة عربية أم بحث عن جذور الثأر والمصالحة في الثقافة الفرعونية؟
الثأر كرد فعل على العنف، ظاهرة إنسانية عرفتها الثقافات المختلفة، ويرجع تاريخها كما ذكرت في كتاب ميزان الدم، إلى أقدم الآثار البشرية، منذ أقدم العصور، وإن كنا لا نستطيع الوقوف عليها بشكل واضح إلا في العصر الحجري الحديث، وتحديدا مع ظهور الكتابة التي دونت ما كان يعيش بشكل شفاهي محض، وهكذا نراها في المدونات العراقية القديمة، كما هو الحال في أسطورة نشأة الخليقة بعد نزاع ثأري بين تيامت ومردوخ، كما نجدها في مدونات مصر القديمة المبكرة، كما هو الحال في أسطورة (دمار البشر)، حيث تظهر حتحور كربة للانتقام الرهيب، كما نراها في المدونات الإغريقية.

وحتى الثقافة اليهودية والمسيحية والإسلامية، عرفت العنف المضاد كرد فعل على عنف أول، وهكذا نصل إلى منظومة القوانين الحديثة التي تعرف الثأر أيضا في صيغة قانونية معينة، كما يظهر الثأر في الحروب الثأرية التي تنشب بين الدول، وهناك عدد كبير جدا من الحروب التي قامت لأسباب ثأرية.

وهكذا يظهر الثأر كظاهرة إنسانية عميقة الجذور وواسعة الانتشار؛ لأنه يرتبط بظاهرة العنف التي لا يبدو أن الإنسانية غير قادرة على تجاوزها، وإن كانت قادرة على ترويضها، الأمر الذي يعطي أهمية إنسانية لدراسة رد الفعل الثأري بشكل جاد ومتعمق وموسع، وفي كتابي القربان البديل تحدث عن منهج اللاعنف في ثقافة الصعيد، واعتماده على منظومة من العناصر الطقسية، التي لا تعتمد على التصفية الجسدية للقاتل، والاستعاضة عن ذلك بعنف رمزي، يستهدف تصفية البقعة المظلمة في نفس القاتل، البقعة التي انبثق منها العنف ليهدد الجماعة بأسرها، لا القتيل وحده.

وقد قمت برصد تلك العناصر الطقسية، وتحليل الرسالة الرمزية لكل عنصر، وعندما بحثت عن هوية تلك العناصر وجدتها حاضرة في ثقافة مصر القديمة، على النحو الذي أوضحته في الكتاب، والأمر لا علاقة له بدفاع عن ثقافة معينة، بل هو بحث علمي، لا يهدف إلى إثبات فكرة مسبقة أو نفيها، بل إلى اكتشاف الواقع بموضوعية. وقد وجدت في قصة اوزير ملامح تشكل الاسطوره الخاصة بالمصالحة الثأرية. 

ولكن أوزير قتل في نهاية الأمر؟
لأنه رفض المصالحة

-ألا تتعارض فكرة القودة  مع الآية القرآنية " ولكم في القصاص حياة"، وكيف ينفذ المسلمون في الصعيد طقسا يتعارض مع القرآن، أم أنهم يلجأون إلى فكرة مقاصد الشريعة وفي مقدمتها الحفاظ على الحياة؟
"القودة" لا تتعارض مع الآية الكريمة، بل تنفذها بحكمة كبيرة في إطار ثقافي معين، وهي تحقق قيمة إسلامية عظمى، هي قيمة العفو عن قاتل. وتلك القيمة النبيلة بالغة الصعوبة على مستوى الواقع، كما أن الإجراءات الطقسية التي تبدو مخالفة مثل إجبار القاتل على السير حافيا، وتقديم الكفن وغيرها من الأمور التي تجعلنا نشفق على القاتل مجرد وسائل فنية تلعب دورا كبيرا في حدوث العفو، وتسهيل قدرة والد القتيل أو أهله عموما على العفو. إنها تقنيات فنية لصيد العفو المحمود وفق النص القرآني، وتعد أضرارها تافهة جدا أمام حدوث العفو.


غير أن المسألة أكثر تعقيدا، فالتعارض مع القرآن الكريم يظهر صارخا وبشعا في حالات القتل الثأري الذي يستهدف أحد أقرباء القاتل، لا القاتل نفسه، وهي حالات موجودة حتى الآن، والأمر هنا يفتح المجال لقضية كبيرة في تقديري، تتمثل في ثبات النص الديني وتنوع الثقافات التي يعيش بينها، وقد عالجت الأمر بتفصيل في كتابي (ميزان الدم) عندما تناولت علاقة القتل الثأري بالمقدس. والذي يبحث عن ناشر جاد لتقديمه للقارىء في مصر

-كيف تفصل فكرة القودة للقاريء؟ وكيف تتم بشكل مبسط؟
ـ "القودة" رؤية عميقة وواسعة الأفق، وهي وجه من وجهي عملة النظام الثأري، الذي يحلق بجناحين، أو يتبني أسلوبين مختلفين، كي يتمكن من التعامل مع حالات مختلفة. فهناك قاتل سفاح يصر على القتل كوسيلة للحضور الفعال في الحياة، وهناك قاتل يتورط في القتل لظروف معينة، لكنه يرفض القتل في قرارة نفسه. الأسلوب الأول هو القتل الثأري الذي يهدف إلى تصفية القاتل جسديا، والآخر هو القتل الرمزي، الذي يستهدف تصفية القاتل رمزيا، فالقاتل في (القودة) يُقتل رمزيا، وكان في السابق يكفن بالفعل ويوضع في نعش، ويتم توديعه بالصراخ، ويتحرك النعش نحو أهالي القتيل حتى يتم العفو، لكن الآن يتم الاكتفاء بحمل الكفن كعنصر رمزي يعبر عن موت القاتل.

وهكذا يعبر العفو عن بعثه من جديد في هيئة أخرى غير الهيئة التي سولت له نفسه فيها قتل إنسان، والعناصر الطقسية التي تمتد بين لحظة خروج القاتل من بيته حتى إعلان العفو عنه، تقوم بوظيفة تطهير القاتل داخليا، وإعادة تأهيله للعودة إلى المجتمع بنفس أكثر تهذيبا أو صلاحا. ولا شك أن رؤية (القودة) تكشف عن قدر كبير من الرقي الثقافي.


-ولماذا لا يتم الصلح الثأري إلا من خلالها مع أنه يسبقها الاتفاق على الصلح، أليس الاتفاق كافيا؟
الثأر الطقسي ليس انتقاما شخصيا، بل نظام اجتماعي؛ لأن القتل ليس سلوكا يهدر حياة شخص من الأشخاص، بل أزمة تهدد المجتمع ككل، وتهدد بانتشار العنف في الجماعة، ومن ثم فهو قضية مجتمع لا قضية أفراد، والمجتمع هو الذي يلعب الدور المؤثر فيها، هو صاحب القرار في الحقيقة، واتفاق طرفي الخصومة على التصالح بعيدا عن المجتمع لا يحل المشكلة.

وقد قارنت في كتابي بين الثأر والزواج بشيء من التفصيل، فلا يكفي مثلا أن يوافق رجل وامرأة على العلاقة الزوجية بينهما، بل لا بد من حضور المجتمع. وكما هو الحال في طقوس الزواج، يظهر في "القودة" ما أسميته بالمهرجان الطقسي، حيث يتم الصلح علانية في حضور عدد كبير جدا من أفراد المجتمع، تأكيدا على قبولهم وموافقتهم.

-كيف يتم تشكيل المحكمة العرفية في قضايا القتل وما هي أهم أنواع الأحكام ؟
رغم أنني أنتمي لعائلة لم تعرف أزمة الدم والثأر، إلا أنني أعرف عن قرب عائلات كثيرة عانت من تلك الأزمة، وأعرف حكاياتها، كما أنني تابعت من موقع عملي قصصا ثأرية لا حصر لها.

تعتمد المصالحات الثأرية على أحد قضاة الدم المعروفين، وعدد من الأفراد يطلق عليهم اسم ( الأجاويد)، القاضي يشرف على كل الإجراءات، والآخرون يساعدونه في المواقف المختلفة، فالعملية ليست بسيطة ولا سهلة، وتحتاج إلى مجهودات شاقة وطويلة.

وقد تابعت بنفسي عددا كبيرا من تلك القضايا، والمتابعة كانت تشمل متابعة الواقعة منذ حدوث القتل، ومحاولات ردم حفرة الدم وما تشمل من شد وجذب، وكذلك حضور إجراءات "القودة" بكل تفاصيلها. و تهجير القاتل أو عائلته من أهم الأحكام الشديدة التي يضطر إليها قاضي الدم أحيانا.

-عملت في المحكمة أكثر من ثلاثين عاما، كيف قرأت قاع المجتمع الصعيدي، وما هي أهم ملامحه في علاقته بالجريمة ؟
ـ المجتمع الصعيدي تحكمه القيم القبلية، وهي قيم إيجابية في الغالب، لكنها تتصارع أحيانا مع قيم الدولة، والصعيد يعاني من ذلك الصراع، فلا الدولة قادرة على تذويب الصعيد في بوتقتها بشكل جيد، ولا الصعيد يقدر على العيش وفق منظومته القبلية، وهو صراع أليم يحتاج إلى جهود ثقافية، واقتصادية، ورؤية متكاملة من الدولة، وللأسف ما زالت كلمة الدولة أو الحكومة تعني الشرطة فقط.

وعلاقة الصعيد بالجريمة تظهر في صورة مشوهة، فالصعيدي مسالم جدا جدا رغم أنه يعيش حياة المحارب، ونحن نسمع كثيرا عن عنفه لكننا لا نسمع أبدا عن قدرته الفذة على العفو والتسامح، الصعيدي جندي، لكنه حفيد أول جندي في العالم، وهذا يعني المزيد من الوعي الجماعي بتوجيه قيم الجندية صوب تحقيق الخصوبة لا التدمير.

وهكذا عاش الصعيدي مرادفا للعمل الشاق والصبر والجدية والشعور بالكرامة، ويظهر ذلك في كراهية الصعيدي للجريمة التي تمس الخصوبة، وأهل الصعيدي يتبعونه إلى قسم الشرطة، وقاعات المحاكم مهما ارتكب من جرائم، باستثناء جريمتي السرقة والزنا. وهناك جرائم لا يعترف الصعيدي بكونها جرائم مثل حيازة الأسلحة النارية، أو الأفيون، أو القتل ثأرا.

-لماذا تظل المحاكمة القانونيهةعاملا ثانويا في حل قضايا الثأر؟ هل القانون لا يكفي؟ ام أن نصوص القانون لا تعيد الحق كما يتصوره الصعيدي؟
ـ المحكمة تلعب دورا كبيرا في قضايا القتل، وهناك وقائع كثيرة فصل فيها القانون فقط، لكن هناك مشكلات كبيرة في منظومة القانون التي تشمل الشهود، ورجال الضبط، والمواد القانونية، والقضاة، والتنفيذ. وتلك المشكلات ترسخ قناعة الناس بعدم كفاءة المحكمة في حل المشكلات، خاصة وأن هناك رواسب تاريخية عميقة تجعل من الحكومة رمزا للخطر لا الأمان، ومصدرا للريبة لا الثقة.

وهناك حالات كثيرة جدا لقتلة ينعمون بالحرية، إما لعدم كفاية الأدلة، أو لتعارض في أقول الشهود، أو لعدم القبض عليهم، أو لضعف الأحكام التي تصدر،وهذا صعب خاصة في المجتمع الريفي حيث اللقاء اليومي بقاتل أحد أقربائك، وهناك مشكلات ثقافية ترتبط بعدم التطابق بين فهم الناس للجريمة وفهم الدولة للجريمة، فالقتيل في مشاجرة يصنف في خانة الضرب الذي أفضى إلى الموت وتكون عقوبته بسيطة جدا، وتلك العقوبة ضعيفة وغير مفهومة في ظل الثقافة القبلية، كل ذلك وغيره كان سببا في بقاء ظاهرة القتل الثأري حتى الآن.

ـ وهل يصلح العرف في مجتمع مدني يحاول تطبيق سيادة القانون؟
ـ نظريا لا، لأن القانون حالة متطورة من العرف، وهو أكثر كفاءة في حل المشكلات، خاصة مشكلة العنف، فالقانون جاء بعد العرف من أجل تجاوز عيوبه في ظل منظومة أكثر عقلانية وإحكاما، القانون عربة تعمل بموتور، والعرف عربة يجرها الحصان، وجود العرف حتى الآن يعني فشل القانون في تجاوزه، ويعني وجود عربة يجرها حصان وتعمل بالموتور في نفس الوقت!

ـ هناك من يرى أن العرف يمثل أحيانا وسيلة تلجأ إليها الدولة للتنصل من مسئوليتها ؟
العرف ما زال فاعلا على الأرض، والثقافة القبلية ما زالت حية وفاعلة، لا على مستوى عائلات وقبائل الصعيد، ولكن على مستوى الوطن ككل.

العرف يلعب دورا تعجز الدولة عن القيام به، ولهذا فهي تستفيد منه، وهذا في حد ذاته تفكير عملي سليم، لكنه يحتاج إلى تفكير آخر، يسعى إلى تجاوز العرف إلى طرق أكثر كفاءة، وتناغما مع فكرة الدولة، لكن حركتنا على هذا المستوى متجمدة، وأحيانا تكون عكسية تماما، وكأننا صرنا نقدس الرجوع إلى الخلف.

ـ أين الجزء الثاني من الخماسية ولماذا تأخر طبعه وهل هناك مشكلات في الطبع؟
كنت أنتظر صدور "ميزان الدم" مطلع العام الماضي 2017، لكنني فوجئت باعتذار دار النشر التي أصدرت قربان الدم ،عن عدم طبعه بسبب ضعف العائد المادي وعدم تحقيق الكتاب السابق للربحية المأمولة، رغم أن الدار أطلعتني على تقرير رائع عن الكتاب، لا أعرف من كتبه، وينتهي بضرورة نشر الكتاب.


ثم خطر لي أن أضيف له فصلا مهما يتعلق بمقارنة طقوس القتل الثأري بإجراءات تنفيذ حكم الإعدام، لبيان الدلالات الرمزية للقتل القانوني، والفوارق الفنية بينها وبين الثأر، لكن ظروفي الصحية منعتني من مواصلة العمل خلال الأشهر الماضية، وأتمنى إتمام ذلك الفصل قريبا، لتبدأ رحلة البحث عن ناشر لا يبحث عن المال فقط.


والغريب أنني أتلقى طلبات كثيرة لاستغلال مهارتي كأديب في تقديم كتاب خفيف عن الثأر، يحتوى على سرد الحكايات التي أعرفها بأسلوب مبسط وشيق، وأرفض تلك العروض طبعا، لأنني أحلم بتقديم مشروع جاد عن ثقافة الثأر.

ـ قراءة القتل هل هي من صميم عمل الشاعر أم أن عملك بالمحاكم قاد الباحث الذي في أعماقك إلي قراءة المشهد الاجتماعي؟
اهتمامي بموضوع القتل له روافد متعددة، ومن أهمها عملي كشاعر، وأنا أذهب إلى أن القتل منبع الشعر ورافده الأساسي. ولي كتاب قيد الإنجاز يبحث في علاقة الشعر بالقتل، ويدرس الشعر العربي المعاصر في ضوء تلك العلاقة، وقد بدأت في هذا الكتاب قبل البدء في كتابة القربان البديل، وكان في الأصل بحثا قدمته في أحد المؤتمرات بعنوان " شعرية الهامة" نسبة لأسطورة الهامة العربية، وأشعر أحيانا أن الشعر هو الذي دفعني لدراسة الثأر.

ـكيف يمكن التوفيق في قراءة القتل والدم بين حدس الشاعر وعفوية اللقطة الخاطفة والسرد الإيحائي بعقلانية الباحث الباردة؟
ـ الشعر جزء جوهري في المنظومة الإنسانية، والشاعر ليس كائنا عاطفيا خياليا كما يتصور البعض، لا يقيم الشاعر في برج عاجي بل هو أكثر الناس التصاقا بالدم والطين. أن تكون إنسانا طبيعيا يعني أن تكون شاعرا، ولا تعارض بين الشاعر والعالِم الموضوعي، فكل قصيدة مهما اعتمدت على الخيال أو العواطف الملتهبة لا يمكن أن تولد دون منطق أو عقل.

الشاعر ليس مجنونا على الإطلاق بل هو العاقل العاقل؛ لأنه يهتم بالمنظومة الإنسانية ككل بما فيها من حدس وخيال وعواطف وأحاسيس وعقل أيضا، وفي تقديري كل عالم أو باحث لا علاقة له بالشعر يحمل نقصا أليما.

كادر :١
من كتاب القربان البديل
القربان البديل وماعلاقته بالتراث


يرتبط القربان بمشكلة العنف وتحريم قتل الإنسان واعتبار العدوان على فرد وإزهاق روحه عدوانا على الناس جميعا، وهو يتمثل في التضحية بجزء من الممتلكات الإنسانية، ويحدث السلوك القرباني عند نشوب أزمة ما يكون فيها ثار ، ويرتبط بالتحكيم بين خصمين، ومجرد تقديم القربان لا يعني القبول بالصلح كما قد يتبادر للأذهان . إذ لا بد من وجود نوايا حسنة وجادة لدى مقدم القربان، فليس التقرب إجراء شكليا ، بل لا بد من وجود طهارة داخلية وإقبال نفسي على الطقس وإلا سيتم رفضه.

وسمات القربان نجدها في طقوس" القودة "، فالفعل القرباني يتم غالبا لإنهاء خصومة . ومقدم القودة يجود بجزء من أهم ممتلكاته الداخلية ، وهو شعوره بنفسه ، حيث يخضع لطقوس مهينة كاقتياده بشاش ، وسيره حافيا حاسر الرأس..

يقوم منهج المصالحات الثأرية في جنوب مصر على استبدال بالقتل، كسلوك قرباني موجه ضد العنف، بعناصر قربانية بديلة تؤدي المهمة نفسها، سواء كانت ذبائحية يبتعد العنف من خلالها عن الجسد الإنساني، ويتوجه إلى حيوان بديل كالعجل أو الخروف، أم كانت تلك العناصر القربانية مجرد أفعال طقسية يتقرب بها القاتل ليبعد العنف عن تصفية الجسد فعليا ويتوجه إلى الداخل الإنساني لتطهيره من دوافع العنف.

كادر ٢
معنى القودة بين اللغة المعجمية و الفعل الطقس


يرجع جذر القودة في اللغة العربية إلى "قود" وبالنظر إلى المعنى المعجمي للكلمة نجد أنفسنا في عالم المصالحات الثأرية وترد إلى الذهن مباشرة بعض عناصره الطقسية، وإن ظهر في الوقت نفسه ما يبدو مناقضا لمنهجها في مواجهة العنف، حيث يقول ابن منظور في كتابه الشهير لسان العرب مادة "قود" : القود نقيض السوق ، يقود الدابة من أمامها يسوقها من خلفها.
والقود: قتل النفس بالنفس. وقال الجوهري: الوقد: القصاص. وأقدت القاتل بالقتيل أي قتلته به. يقال: أقاده السلطان من أخيه. واستقدت الحاكم أي سألته أن يقيد القاتل بالقتيل...".

وتضعنا تلك المادة المعجمية أمام أمرين، الأول يكشف عن تطابق دلالات الكلمة مع اسم الطقس، ويحيلنا بوضوح إلى مسيرة القاتل ، بينما يقوم قاضي الدم بشده بمقود، وهو الشاش، كما يطابق حالة القاتل وهو يتوجه إلى عائلة القتيل خاضعا لهم.

الأمر الآخر يظهر بخلاف ذلك. فالقود في الدلالة المعجمية يعني قتل القاتل، أما القودة فتعني نجاة القاتل او انقاذه من القتل، وهذا الاختلاف يأخذنا للمعنى اصطلاحا ، الذي يشمل الثأر والعفو في الوقت نفسه. الثأر الذي يستهدف النفس ، والعفو الذي يستهدف الجسد. اي أن القودة تلى فكرة القتل لدي القاتل وتولد فكرة العفو لدي أهل القتيل.

كادر ٣
طقوس القودة

يحتوي طقس القودة على مجموعة من العناصر الطقسية المختلفة، مثل: الحفل الطقسي، فاتحة القودة، التلقين، البكاء الطقسي، ارتداء الجلباب الطقسي، قص الشعر، نزع العمامة خلع الحذاء، شد القاتل بحبل أو شاش، وضع القاتل في نعش، حمل الكفن في مسيرة، تقديم الكفن لولي الدم، طلب العفو، استبدال الجلباب الطقسي، إعادة العمامة لرأس القاتل، ارتداء الحذاء، ذبح حيوان كقربان بديل كالخروف أو العجل، ضم القاتل إلى عائلة القتيل، دفن الكفن في الجبانة.. وكل تلك العناصر تخضع لنظام معين، وتحمل رسالة رمزية تكشف عن رؤية الجماعة للعالم لا لموضوع الطقس فقط.

ردم بؤرة الدم
يطلق مصطلح بؤرة الدم أو حفرة الدم على الخصومة الثأرية، والمصطلح يبدو مختارا بعناية، فهو يعبر عن الخصومة من خلال مفردة الحفرة المفتوحة التي تحمل معنى السقوط، وتستدعي إلى الأذهان صورة القبر المفتوح الذي ينتظر القتيل، وكأننا أمام طقس دفن معلق، في انتظار تحديد الجثة.. إنه طقس استباقي يختلف عن طقوس الدفن الأخرى، التي لا تبدأ إلا بعد إعلان الموت، وهو يتوازى مع طقس تعليق العزاء الذي يتحرك في اتجاه معاكس، وهو تأجيل تلقي العزاء إلى أجل غير مسمى، لا ينتهي إلا بالثأر أو القودة، ولو بعد سنوات.

ثلاث مدارس للقودة
وهناك ثلاث مدارس للقودة في جنوب مصر، الأولى هي: مدرسة العبابدة، والثانية: المدرسة الدندراوية، وممثلها الأبرز هو الأمير الفضل الدندراوي، رحمه الله، والمدرسة الحديثة وممثلها البارز هو العمدة غلاب، عمدة الحراجية، مركز قوص. وتتفق تلك المدارس في عدد من العناصر الطقسية، وتختلف في بعض العناصر.

وينقسم قضاة الدم إلى قسمين، الأول يحرص على المصالحة دون أدنى تدخل من السلطة، أما الآخر فيتعاون مع السلطة، ويكون عضوا في لجنة تسمى لجنة فض المنازعات، مقرها مبنى المحافظة.

يتسم القسم الأول من قضاة الدم بارتفاع درجة الفاعلية، حيث تتم المصالحة بأكبر قدر ممكن من إضاء النفوس. أما القسم الآخر فقد يتعرض لضغط السلطة، التي تقوم أحيانا بإجبار الخصوم على التصالح بطرق مختلفة، خاصة في الوقائع التي تصل إلى حد التناحر العائلي، ويتساقط خلالها عدد من القتلى، وقد تصبح المصالحة هنا شكلية ، يقبلها الخصوم كحل مؤقت، ويمكن أن تتجدد فيما بعد.

مادة إعلانية