د.محمود الضبع يكتُب.. إستراتيجية للثقافة والتعليم في مصر

7-6-2018 | 21:24

الدكتور محمود الضبع

 

هل نحن حقا لا نعرف أن التعليم و الثقافة هما العامل الأول والأساس في بناء وتنمية أي وطن؟


هل يغيب عنا بالفعل أن أي معدلات تنمية يمكن أن تحققها الدولة سوف تلتهمها الشعوب إذا لم يكن لديها الوعي المبني على تعليم جيد وثقافة فاعلة ؟ .

نعم يعلم الجميع أن الدولة تعاني من مشكلات كثيرة تراكمت عبر سنوات طوال ، اقتصادية واجتماعية ، وصحية ، وأمنية ، ومرورية ، وعشوائيات وغيرها وغيرها ، إلا أن كل هذه المشكلات لن تجدي معها أية حلول ما لم يتم إصلاح التعليم ، وبناء العقول بثقافة داعمة تسهم أولا في محاربة الإرهاب والتطرف ، وثانيا في رفع الوعي ليحافظ المواطن على ما ارتفع من معدلات التنمية ، ويدعمه ، ويضيف إليه ، ويسهم ثالثا في تخفيف العبء على كاهل الدولة وبخاصة في قطاع الصحة وما يستنفده من موارد نتيجة غياب الوعي الصحي مما يرفع من معدلات الإصابة بالأمراض .

عشرات الأسباب والنتائج التي أكدتها دراسات وتجارب دول عديدة تؤكد أن التعليم والتثقيف هما نقطة الأساس ، والمنطلق الأول في نهضة أي أمة ، شعوب عربية ، وأخرى شرق آسيوية كانت حتى سنوات قليلة ماضية تعاني من مشكلات أضعاف ما نعانيه في بلدنا ، وباعتمادها على التعليم و الثقافة استطاعت تحقيق معدلات تنمية داخلية ، ونيل مكانة خارجية بين دول العالم .

ليس حل مشكلات التعليم و الثقافة بالأمر المستحيل في مصر ، بل هناك استراتيجيات قابلة للتطبيق ولا تحتاج للميزانيات الضخمة كما يتصور البعض ، ولكنها ستحتاج فقط لعدة عوامل تأتي أهميتها بالترتيب على النحو التالي :

أولا – توفر الإرادة السياسية الداعمة ، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .

ثانيا – العمل المشترك بين وزارات التربية و التعليم ، و التعليم العالي ، و الثقافة ، والشباب ، والبيئة ، والصحة ، وذلك ضمن إستراتيجية جديدة تحدد الأدوار لكل وزارة على حدة ، بحيث تستطيع من موقع مسؤليتها وفي محيط اختصاصها ، أن تبني محورا من محاور الخطة المتكاملة .

ثالثا – دعم الجهاز الإعلامي على نحو إيجابي وبناء ، وانتقاله من صحافة الخبر إلي صحافة الرأي ، ومن إصدار الحكم إلى المساءلة والاستيضاح وتحقيق أمانة الكلمة .

ثم تأتي الخطط الإستراتيجية ، التي ينبغي في المقام الأول دراستها عبر وسائل الإعلام ، والتوصل للصيغ الأقرب للقبول المجتمعي والحكومي لها ، وهذه الخطط قد تتعدد ، مثل :

خطة (أ) :
الانتقال إلى نظام القطاعات ، واعتبار كل قطاع مركزا مستقلا ، له مخصصاته المالية ، وطرق إدارته ، وله حرية في اختيار نسبة مئوية من المحتوى الثقافي للمناهج ، ومن الأنشطة المدرسية ، وإدارة عملية التعليم والتعلم بكل تفاصيلها ، وهو ما سيجعل هذا القطاع وزارة مصغرة من الوزارة الأم (التربية و التعليم )، التي سيتحول دورها لمراقب جودة وليس مسئولا عن كل العمليات ، دون أن يقدر على مباشرة مهامه ، وهو شكل من أشكال اللامركزية .

خطة (ب) :
تشكيل مجلس أعلى للتعليم (وزارة التربية و التعليم ) ، تتفرع عنه مجالس لكل محافظة ، تتشكل من : المحافظ ، وكبار مسئولي المحافظة ، ورئيس الجامعة ، وعمداء بعض الكليات ، وممثلين من الأدباء والكتاب ، والشخصيات الاعتبارية والبارزة في المحافظة ، ومسئولين عن الوزارات المعنية، ويتولى هؤلاء جميعا دراسة مشكلات التعليم لديهم ، ووضع الخطة وعرضها على المجلس الأعلى ، والتي بموجبها ستحصل على مخصصاتها المالية من ميزانية الوزارة الأم ، مما سيسمح لها بتنظيم عمليات التعليم والتعلم بما يتناسب وطبيعة المجتمع ، وتدريب المعلمين ، وتجهيز المدارس ، واختيار المناهج في ضوء “وثيقة المناهج “ المعتمدة من الدولة ، وهو أمر يعرفه جيدا خبراء التعليم الكثيرون في مصر .

خطة (جـ) :
تقليل عدد ساعات التعلم والحصص الدراسية ، لصالح أنشطة تعليم وتعلم بعضها منزلي وبعضها في الفصل الدراسي العادي ، وبالتالي تغيير منظومة التقويم لتقيس هذه الأنشطة والمهارات ، وليست فقط قياس كم المعلومات المختزن في الذهن دون أدنى قدرة على التطبيق .

وفي كل الخطط ، لا تكون وزارة التربية و التعليم هي فقط المسئول ، وإنما تحمل كل وزارة جانبا من المسئولية ، فتعمل وزارة الثقافة على توفير آلياتها عبر المدارس التعليم ية ، وانتقال قصور الثقافة ونوادي الأدب من ممارسة أنشطتها في غرف مغلقة ، إلى المدارس والمجتمعات المحيطة ، وتفتح مراكزها وقصورها ونواديها لعمليات التعليم والتعلم المكلفة بها ، مثل الأنشطة المشار إليها مسبقا .

وتعمل وزارة الصحة على نشر الوعي الصحي عبر المدارس اعتمادا على مبدأ التربية للوالدية ، أي أن الأبناء عادة ما ينقلون ما تعلموه في المدارس إلى منازلهم ، وكثيرا ما يعدلون من سلوكيات ذويهم ، وكذلك تعمل عبر وسائلها على دعم عمليات التعليم والتعلم وتحقيق أهدافه المنشودة .

وكذلك الأمر مع بقية الوزارات ، وبخاصة التعليم العالي ، الذي ينبغي أن تكون من بين أولوياته المشاركة في إصلاح التعليم قبل الجامعي في محيطه .

هذه التصورات البسيطة في ظاهرها ، هي ما اعتمدته الدول التي حققت نهضة حقيقية في سنوات لم تكن طويلة ، وما تزال هذه الدول في صعود ، وستظل ، لأنها أدركت من أين تبدأ .

لقد قلنا مرارا وتكرارا إن مفهوم “المعرفة قوة” لم يعد مجرد شعار يمكن تبنيه للإلمام بالمعلومات وامتلاكها ، وإنما غدا يمثل منطلقا لنهضة الشعوب وتطورها ، وذلك في ظل التطور العالمي المعاصر ، والتدفق المعلوماتي ، والانفتاح الثقافي ، بل بات الخطاب ما بعد الحداثي ينظر إليها ـ أي المعرفةـ بوصفها سلعة تباع وتشتري ، وآلية من آليات القوة بمفهومها الاستراتيجي ، ومن ثم تخضع لإمكانية تبادلها وتقييمها بمفاهيم خارجة عنها تنتمي في الغالب الأعم إلى علوم الاقتصاد ونظرياته والتيارات الفلسفيةالتي تعتمد عليها المجتمعات ، وما يتعلق بها من قوانين المنفعة المادية، أكثر منها انتماء لحقول المعرفة وما رسخته مفاهيم المرجعيات الثقافية عبر العصور ، إضافة إلى الاتجاهات السياسية العالمية والصراع بين القوى الكبرى وبخاصة مع تغير استراتيجيات هذه القوى ، واعتمادها سياسات التغيير الثقافي لخدمة أهدافها ، فميزان القوى في العالم يتغير ، وآلياته الأساسية في هذا التغيير تتمحور كثير منها حول حاضر ومستقبل القوة الناعمة التي تعد الثقافة ويعد التعليم مكونا أساسيا لها .

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]