حكومة الفقراء

7-6-2018 | 01:38

 

كما هو متوقع؛ قدمت حكومة المهندس شريف إسماعيل استقالتها للرئيس عبدالفتاح السيسي؛ ووُضعت أعمالها في الميزان؛ ليقيم المواطن أداءها؛ بعد أن عاش ظروفاً قاسية؛ فرضتها عليه حزمة الإجراءات الاقتصادية الصعبة ؛ التي جاءت لتعالج عجز الموازنة العامة للدولة .


على مر سنوات كثيرة مضت كانت الدولة تقدم خدماتها للمواطن؛ بأسعار أقل كثيراً من أسعارها الحقيقية؛ رأفة بحاله؛ وذلك على سبيل دعمه لمواجهة صعوبات الحياة؛ وسنة تلو الأخرى ومع زيادة عدد السكان؛ وثبات الموارد المتاحة؛ كان يزداد الدعم الذي تقدمه الدولة؛ وزيادة الدعم كانت تعنى زيادة عجز الموازنة؛ حتى وصل لرقم مفزع؛ يُوجب علينا التدخل السريع لتداركه وتعديله؛ حتى لا يصل العجز إلى مستوى حرج.

من هنا تدخلت الحكومة بإجراءات صعبة؛ عانى منها المواطن البسيط؛ ومع تعويم الجنيه ورفع الدعم التدريجي؛ زادت معاناته لمدى أصعب؛ لاسيما أننا نشاهد زيادة مطردة في الأسعار بشكل غير مفهوم؛ فلم يزد سعر الدولار كحجة لزيادتها كما كانوا يرددون سابقاً، ولم يطرأ علينا ما يفسر تلك الزيادات المتوالية؛ لتجد فئة كبيرة من الناس محاطة بنار زيادة أسعار المنتجات من جهة؛ وبزيادة أسعار الخدمات الحكومية من جهة أخرى؛ ومع مواطن لم يزد دخله؛ وبات مسئولا عن توفير تلك النفقات له ولأسرته؛ فماذا يفعل؟

في بيانات مختلفة أعلنت الحكومات المتعاقبة أن عدد من يقفون على خط الفقر يدور حول الـ 40% من نسبة السكان؛ ومع مقاربة عدد السكان لـ 100 مليون نسمة من المصريين؛ يكون تقريبا عدد من يمكن أن نطلق عليهم فقراء 40 مليون مواطن تقريبا!

ومع الإجراءات الاقتصادية الأخيرة؛ أعتقد أن هذه النسبة قد زادت؛ بل لا أبالغ حينما أشير إلى الطبقة المتوسطة أضحت تعانى هي الأخرى بشكل جلي؛ فما بالنا بالفقراء والبسطاء؛ ودون الدخول في تفسير معنى كلمة الفقير والغوص في تفاصيل لا تسمن ولا تغنى من جوع؛ يكون من الأفضل النظر بواقعية لإيجاد حلول عملية؛ من شأنها تخفيف حالة المعاناة على البسطاء.

في أحد تصريحات الحكومة المستقيلة؛ أوضحت أن التكلفة الشهرية لرعاية السجين تصل لـ 3600 جنيه؛ وعندما أصاب هذا التصريح الناس بالصدمة؛ وحاول البعض توضيح التصريح بأن هذا الرقم "3600" يتعلق بتكاليف الحراسة وأشياء أخرى؛ رد آخرون بتساؤل مهم جدا؛ السجين محاط برعاية غذائية وصحية؛ وأمنية؛ ويكلف الدولة هذا الرقم؛ فكيف تطالب الدولة المواطن بأن يُوجد لنفسه المسكن ويوفر المأكل والملبس والمشرب بـ 1200 جنيه شهريا!!

والأكثر استفزازاً؛ مشاهدة بعض المسئولين الذين زادت رواتبهم مؤخراً؛ وهم يؤكدون أن الـ 1200 جنيه حد معقول يستطيع به البسيط مواجهة صعوبات الحياة!

أي عبث هذا؛ أن نجد من يدافع عن رقم الـ "3600" جنيه تكلفة رعاية السجين؛ بل ويبرر بمنطق عجيب هذا الرقم؛ وفي الوقت نفسه؛ يخرج مسئول آخر يؤكد قدرة المواطن على العيش بـ "1200" جنيه شهريا!

الفقراء في بلدنا لا يعنيهم أسعار العقارات في المجتمعات الراقية الجديدة؛ ولا أسعار الشاليهات في الساحل الشمالي؛ كما لا يتوقفون أمام أسعار السيارات بكل أنواعها؛ فكلهم لا يملكون ولو جزءا صغيرا من ثمنها؛ وبرغم ذلك يتخوفون من زيادة سعر المحروقات.. لماذا؟

لأن عقب زيادة أسعار المحروقات؛ تستعر أسعار معظم السلع إن لم يكن كلها؛ وهو ما يعني مزيداً من الصعوبات تضاف لسابقتها؛ ويُحمل كاهل الغلبان بأعباء تصيبه بالإحباط والتوتر؛ ثم نطالبه ببذل الجهد لزيادة الإنتاج!

إننا في أمس الحاجة لحكومة للفقراء؛ تعي بشكل واع مشاكلهم؛ وتضع تصورا عمليا لحلها؛ حكومة مؤمنة بقضاياهم؛ ومدركة أن الفقراء لا ناقة لهم فيما يحدث حولهم؛ وأنهم الجزء المفعول به في المعادلة؛ ولم يكونوا في أحد الأيام في طرفها الفاعل؛ وأيضا ليسوا مسئولين عن كل هذا الكم من الفساد الذي نهش قوتهم.

هل يمكن أن نشاهد في الحكومة الجديدة وزيرا للفقراء؛ لا يتكبر على راتب الحكومة بدعوى أنه كان يعمل في منصب دولي رفيع؛ راتبه كبير مقارنة براتب الوزير! وأنه يعمل متبرعا بعلمه ويتفضل علينا بجهده الذي كان سببا في اتخاذ قرارات راعت البعد الاقتصادي بحرفية واضحة؛ وتجاهلت البعد الاجتماعي بغرابة شديدة!

نريد حكومة تؤمن الفقير وتعرف كيف تساعده على أن توفر له الحدود الدنيا من المسكن والملبس والغذاء؛ والصحة والتعليم؛ مرة أخرى نقول؛ الحدود الدنيا؛ وأعتقد أن 1200 جنيه حد أدنى للأجر لا تستطيع توفيرها؛ أو إيجاد بديل آخر يعمل على احتواء الفقراء.

مقالات اخري للكاتب

الضعفاء يصنعون الأقوياء

تفشى الفيروس؛ وكشف المستور؛ الذي كان يواري سوءات العالم؛ فقد كنا نشاهد عالمًا متقدمًا؛ كان هو الأول؛ دون أن نسميه؛ وكان هناك عالم آخر؛ هو العالم الثالث؛

بدل عدوى الأطباء .. مهين

ونحن نتعامل مع جائحة كورونا؛ نبتعد عن كل ما يمكن أن يعرضنا للإصابة بها؛ ونلتزم بتعليمات منظمة الصحة العالمية؛ بمنع التجمعات؛ وضرورة وجود مسافة لا تقل عن متر واحد بين كل شخصين؛ وأصدر مجلس الوزراء بعض القرارات المنظمة للحياة في مصر؛ منها تخفيض العمالة بالجهاز الإداري للدولة؛ ما عدا القطاعات الصحية.

عودة الوعي (3)

استكمالًا لما سبق؛ واستعراضًا لما يتم؛ تتوجب علينا الإشارة لعدد من النقاط المهمة؛ يأتي على رأسها؛ الشفافية التي تتعامل بها الحكومة مع الناس؛ وما يقابلها من تفهم أو تغافل.

عودة الوعي (2)

عودة الوعي (2)

عودة الوعي

أُسقط في يدي؛ فيديو متداول على اليوتيوب؛ لأحد الأشخاص؛ يسأل الناس في الشارع؛ في معلومات عامة؛ إجابات الأسئلة سهلة للغاية؛ ولكن للأسف؛ ما عرضه الفيديو صادم؛ فالنماذج التي تفضلت بالإجابة عن سؤال خاص بعدد محافظات الجمهورية؛ تُبدي غير ما يبدو عليها.

ضرورة الاحتراز من كورونا

قرار رئيس مجلس الوزراء؛ بتعليق الفعاليات التي تتضمن تجمعات كبيرة من المواطنين؛ أو التي تتضمن انتقالهم بين المحافظات؛ بتجمعات كبيرة؛ لحين إشعار آخر؛ قرار يجب الثناء عليه؛ لأنه يتوافق مع الإجراءات الاحترازية المهمة لمواجهة انتشار فيروس كورونا.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]