إشاعات شائعة

5-6-2018 | 15:25

 

كم مذهل متواتر من الإشاعات وليس الشائعات ؛ فما أشيع من أخبار أو أحداث أو حوادث كاذبة أو مفبركة، يختلف عم

ا يشيع من عادات أو تقاليد أو تصرفات.

والساعات القليلة الماضية شهدت تداول "أخبار" عن نقل، وفي أقوال أخرى بيع، وفي ثالثة الانتفاع من حدائق الحيوان في الجيزة، وعودة " تشاو مينج "، وتسريب امتحاني الاقتصاد والإحصاء في الثانوية العامة، وتعديل وزاري خلال دقائق، ثم ساعات، ثم أيام، ثم أسابيع.

وتمر الأسابيع، وكذلك السنوات على مصر والمصريين، والإشاعات جزءٌ لا يتجزأ من الحياة؛ تاريخيًا بعضها يتحول بعد فترة إلى حقيقة، والغالبية في هذا السياق تكون في أحد شأنين لا ثالث لهما: تعديلات وزارية وارتفاعات في الأسعار.

وكم من عقود مضت خرجت خلالها عناوين الصحف ونشرات الأخبار؛ لتؤكد أنه لا زيادة في الأسعار، وهو التوكيد الذي كان ينتظره أغلب المصريين؛ ليعرفوا أن الزيادة أضحت وشيكة أو أنها حدثت بالفعل.

وليست مبالغة لو قلنا إنه في عهود سياسية سابقة تحولت بيانات وتصريحات الحكومات المختلفة بعدم وجود زيادة في الأسعار إلى لغة مفهومة بين طرفي المعادلة، يعرف عبرها الشعب أن الزيادة واقعة لا محالة.

ولما كان من المحال أن نتتبع أصل الإشاعة أو منبتها، أي يستحيل الوصول إلى نقطة انطلاق الإشاعة، أي إشاعة، فقد أصبحت عبر الأزمنة التاريخية المختلفة سلاحًا بالغ القوة، وشديد البأس وعميق التأثير في أغلب المجتمعات، لا سيما تلك التي تميل إلى عدم التحقق، أو تهوى الابتعاد عن التريث، أو تهوى وتحل وتعشق الغوص في أغوار القيل والقال، مع إضافة قليل من البهار وكثير من الغبار.

غبار الـ" سوشيال ميديا " أو مواقع التواصل الاجتماعي يتطاير في هواء المجتمعات ملقيًا بظلال تتفاوت بين الخفيفة وبين البينين والثقيلة.

وفي مصرنا الحبيبة نميل إلى الثقل كنوع من الإمعان في الهري والإخلاص للفتي (من الإفتاء)، والساعات القليلة الماضية شهدت هجمة تدوينية عارمة؛ حيث الكثير من الأصدقاء والصديقات ممن يتمتعون بدرجات علمية رفيعة ومكانات ثقافية سديدة بنوا على "إشاعة" نقل أو بيع أو تبديد حدائق الحيوان في الجيزة جبالًا من التحليل وتلالًا من التعليل.

والأكثر إثارة من التدوينات العميقة هو متابعة التعليقات الوفيرة التي تواترت بين معارض سياسي يتخذ من "خبر" تبديد الحديقة نقطة ارتكاز لمزيد من المعارضة، ومحب أو منتم أو مؤيد لجماعات الإسلام السياسي يكاد يرقص طربًا لـ"الخبر".

وناشط افتراضي يدق بعصبية على أزرار الكمبيوتر مطالبًا بوقفة حاسمة وصرخة زاعقة لوقف هذا الاعتداء وإنهاء العدوان على الحديقة، وكذلك مؤيد مخلص يدافع عن "قرار" نقل الحديقة بكل ما أوتي من قوة إقناع ومنطق تعليل.

لكن تعليل ما هو غير قابل للتحليل أصلًا أمر غير منطقي لا على جبهة الغاضبين ولا على شاطئ القابلين. فـ"خبر" النقل - الذي كانت نقطة انطلاقه جريدة مصرية يومية - انتشر انتشار النار في هشيم الشبكة العنكبوتية، فحوى الخبر لم يذكر شيئًا عن بيع أرض الحديقة، أو التصرف في موقعها، أو خصخصتها، بل تناول كلامًا عن أن "وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي تدرس نقل الحيوانات آكلة اللحوم في الحديقة إلى صحراء العاصمة الإدارية الجديدة، والإبقاء على الطيور والحيوانات العشبية في حديقة الجيزة، للحفاظ على البيئة، وإقامة حديقة مفتوحة، كما هو متبع في الدول الإفريقية وجميع دول العالم".

العالم الافتراضي لم يتحمل كم الهبد والرزع الناجمين عن "الخبر" وهو الكم الذي تطايرت شظاياه في العالم الواقعي، فأصبح حديث الناس في الشارع.

صحيح أن البعض يفسر ما جرى في ضوء نظرية "بالونة الاختبار" وهي من النظريات المستقاة من أنظمة سياسية مرت علينا ومررنا عليها. والبعض الآخر قال إنه ربما يكون نوعًا من الإلهاء لإبعاد تفكير الناس عن الزيادات المرتقبة في أسعار المحروقات، وفريق ثالث غرق حتى الثمالة في أن الحديقة سيجري هدمها وبناء أبراج سكنية مكانها، وقائمة ردود الفعل كثيرة.

أبرز ردود الفعل هو رد النفي الذي صدر عن رئيس الإدارة المركزية لحدائق الحيوان في الهيئة العامة للخدمات البيطرية الدكتور محمد رجائي، والذي نفى صحة ما أشيع.

 أما المصدر الذي نُسِب إليه "خبر" دراسة النقل وهو الدكتور إبراهيم محروس عاد ليصرح بعدها بأنه لم يتم اتخاذ قرار بعد في شأن النقل، ثم عاد ليقول إن الحديث عن عملية النقل ودراسة الفكرة بدأ في عهد وزير الزراعة الأسبق أمين أباظة؛ لكنها آلت إلى أدراج الوزارة، وأنه لا صحة لما يقال عن نقل الحديقة والتخلص منها، كما يروج البعض ببيعها لمستثمر عربي.

والحقيقة أن من صدق "الخبر" معذور، لكن من تمادى في البكاء على أطلال الحديقة المنقولة، وأفرط في نعت الحكومة بالفشل ومضى قدمًا في الترويج لبيع أصول الغلابة إلى آخر القائمة لا عذر له.

أجواء الإشاعات مسممة ومهلكة، ومع إضافة مكون مواقع التواصل الاجتماعي تكتسب الإشاعات قوة قتل ثلاثية؛ حيث نشر الكذب، وتجذير الاستقطاب، وإشاعة الإحباط.

لكن تظل الإشاعة عملًا جماعيًا يحتاج إلى أجواء مناسبة تنطلق فيها، وآذان مصدقة تغوص فيها، ومصادر يفترض إنها ذات مصداقية تلوذ بها أو تشارك في استغلالها.. المؤكد أن الإشاعات صارت أدوات شائعة.

مقالات اخري للكاتب

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

الأكثر قراءة