د.محمود الضبع يكتب.. أدب الطفل وتحديات اللغة والأخلاق وأبحاث المخ

5-6-2018 | 02:06

د. محمود الضبع

 

ناقشنا في المقال السابق تحديات الغزو الثقافي وعلاقتها بأدب الطفل العربي، وعرضنا لتحدي التحول من المعرفة إلى المعلوماتية، ونستكمل في هذه المقالة مع تحديات أخرى.


- تحدي التحول في مفهوم اللغة:

حيث تشهد اللغة بالفعل تحولا في وظائفها وطبيعة استخدامها، فقد تحولت اللغة من الحرفية المعتمدة على حروف تصطف لتكون الكلمات، إلى اللغة الرقمية الرمزية المعتمدة على الأرقام والرموز، مثل لغات البرمجة، ولغات الرياضيات المتقدمة، ولغة الجينات الوراثية، ولغات علوم المخ وتشريحه، وغيرها، أي أنها تحولت في طبيعتها من المعرفية إلى المعلوماتية.

إن هذا التصور يعني ببساطة أن لغة دراسة الحياة والكون والظواهر المحيطة قد اختلفت ولم تعد هي اللغة الإنشائية أو اللغة المرتبطة بأمة ما، وإنما غدت لغة رمزية موحدة تعتمد على رموز بعينها، ومن لايمتلك فكها لايمتلك قراءة ودراسة ما حوله، ومن ثم سيعود مفهوم الجهل كما كان يعني منذ قرون مضت.

وهنا يأتي السؤال: هل ما ينهجه أدب الأطفال نحو تعليم مفردات اللغة وإكساب مهاراتها انطلاقا من الهدف التربوي القديم يصبح كافيا؟ هل في الإمكان الاكتفاء بذلك ولغات العلوم تتطور وتنتقل المفردات إلى الرموز؛ أي من المعرفية إلى المعلوماتية؟

- التحدي الأخلاقي:

تمثل القيم والأخلاق تحديا خطيرا أمام أدب الأطفال في ظل ما يكتنف العالم من عولمة ونظم عالمية وغزو ثقافي، بما يمكن القول معه إن منظومة القيم يعاد تشكيلها في ظل هذا التطور، فقد تفشت في المجتمع القيم المادية على حساب القيم الروحية، بمعنى أن الإنسان تحول من كونه هدفا إلى كونه وسيلة لأهداف مادية، حيث تسعى البشرية حثيثا نحو الصناعة والإنتاج واكتساب مفاهيم القوة التي تغيرت من القوة العسكرية والسياسية إلى القوة المعلوماتية والمعرفية وامتلاك وسائل الإنتاج وتكنولوجيا الأدوات وخلافه، وبفعل العولمة والغزو الفكري تذوب كثير من القيم وتنمحي دون أن تحل محلها قيم إنسانية جديدة، ومن ثم تسعى البشرية نحو منعطف لاخلاف على أنه سيشكل مأزقا للحضارة والإنسانية جمعاء.

فعلى سبيل المثال بدأت في الانمحاء قيم مثل العطف والرحمة على الضعيف، في مقابل تغليب الدوافع السياسية والنجاح في تحقيق الأهداف الإستراتيجية بدلا منها، وهو نهج الدول، والأفراد جزء من الدول يدينون بما تدين به، ويتعايشون في ظل ما تقره قوانينها العامة أو تسعى إليه.

هنا يواجه أدب الطفل العربي تحديات عدة، فهل يتم الاعتماد على تأكيد القيم العربية الأصيلة، أم البحث عن بدائل تتناسب والتطور البشري الذي لم تعد هذه القيم الأصيلة تحتل فيه مكان الصدارة؟

ولا خلاف على أن القيم العربية والإسلامية تمثل قمة الهرم الأخلاقي والقيمي في ذاتها وعبر تاريخ البشرية، غير أن التطور الحضاري المرتبط بالعولمة قد أقر قيما علمية وعملية جديدة يشهدها واقع الحياة ونظم التعامل الدولية الآن، وهو ما تنبأت به الدراسات الفلسفية الخاصة بمبحث القيم في الغرب منذ أعوام عدة، حيث بشرت هذه الدراسات بهيمنة النظم الاقتصادية والصناعية كما هو حادث الآن، وتعد محاولة (وايت) في وضعه لمنظومة القيم المطورة، والتي تضم ثماني مجموعات، تشتمل على سبع وأربعين قيمة من أشهر هذه التصنيفات.

وتتشكل منظومة القيم عند وايت من:

- مجموعة القيم الاجتماعية: وحدة الجماعة- الظرف واللطافة- قواعد السلوك- التواضع- الكرم والعطاء- التسامح- حب الناس.
- مجموعة القيم الأخلاقية: الأخلاق- الصداقة- العدالة- الطاعة- الدين.
- مجموعة القيم القومية الوطنية: الوطنية - حرية الوطن (استقلاله)- وحدة الأقطار المجزّأة.
- مجموعة القيم الجسمية: الطعام- الراحة- النشاط- الصحة - الرفاهية - النظافة.
- مجموعة القيم الترويحية (التسلية - اللعب): الخبرة الجديدة- الإثارة- الجمال- المرح- التعبير الذاتي المبدع.
- مجموعة قيم تكامل الشخصية: التكيُّف والأمن الانفعالي- السعادة- التحصيل والنجاح- التقدير- اعتبار الذات (احترام الذات)- السيطرة (التسلُّط)- العدوان- القوة- التصميم- الحرص والانتباه- استقلال الفرد- المظهر.
- مجموعة القيم المعرفية الثقافية: المعرفة- الذكاء- الثقافة.
- مجموعة القيم العملية الاقتصادية: العملية (الواقعية)- العمل - الاقتصاد- الضمان الاقتصادي- الملكية الاشتراكية.

إن هذه التصنيفات لمنظومة القيم لاتفرض توجهات بعينها، ولكنها تسعى لمجرد الرصد والتصنيف تبعا لطبيعة الحياة المعاصرة والاستعداد للمستقبل، وهو ما يقتضى ضرورة لفت انتباه أدب الأطفال لمعالجته والتأكيد عليه، بوصفه مكونا من مكونات بناء الشخصية، وتأهيلا لها على نحو يتناسب واحتياجات المستقبل.

- تحدي تطور أبحاث المخ في الغرب:

فالمخ البشري اليوم يخضع للبحث والدراسة على نحو مكثف، وهو ما تم التوصل إلى بعض منجزاته كما سبق، وهذه المنجزات تفرض على العالم أن يغير منظوره عن الطفل من جهة، وأن يعمل على إعداده في ضوء نتائج هذه الأبحاث من جهة أخرى، وهو ما يستدعي استجابة أدب الأطفال له، غير أن هذا لايسهل تحققه، فأبحاث المخ البشري ليست ملكا للجميع؛ إذ أنها تدخل في سياق المعلوماتية على مستوى الإنتاج، وتمثل أحد مفاهيم القوة للدول الكبرى، وما يمكن أن يحدث فيها من تمرير لنتائج غير سليمة أو على الأقل لم يتم تجريبها قد يبدو أمرا مقبولا، وما أكثر النظم التي تم تمريرها في مجال التربية–على سبيل المثال - ولم تكن قد خضعت للتجريب، وثبت فشلها على المدى البعيد، مثل التقليل من شأن الحفظ والتلقين، وهو ما تراجعت عنه الدول المتقدمة بعد أن أدركت أنه لا تعليم دون حفظ وتلقين، وأن الدعوة نحو الفهم وتنمية مهارات التفكير لا يمكن لها أن تتحقق ما لم يكن هناك حفظ وتلقين، وإلا فكيف يمكن تطبيق قانون في الفيزياء أو الرياضيات أو القانون أو اللغة، ما لم يكن هذا القانون محفوظا بالمعنى الكلاسيكي، وكيف يمكن التفكير في نواتجه ما لم يكن كذلك.

مثال آخر من علوم النفس وتضافرها مع أبحاث المخ، يتعلق بإمكانات تركيز الإنسان في متابعة موضوع ما، واستيعابه للمعلومات، فالإنسان يستوعب سبعة معلومات زائداً أو ناقصا اثنين في آن واحد، وهي نتيجة قابلة لأن تتغير في ظل ظهور نتائج أحدث، فما الذي يجب أن يراعي عند تقديم أدب الأطفال.

وللحديث بقية.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]