رؤية لإصلاح التعليم وزيادة الدخل القومي (7)

3-6-2018 | 00:14

 

إن مشكلات التعليم الفنى والصناعى ترتبط وتعكس لحد كبير مشكلات مرحلتى التعليم الأساسى والتعليم الجامعى كما ترتبط أيضا بمشكلات الصناعة المصرية وتراجع دور الدولة في الصناعة؛ لأن إقامة مدرسة صناعية بمعامل وورش عملية لتدريب الطلاب يتطلب تكاليف كثيرة وباهظة قد تزيد على نحو عشر مدارس ثانوية عامة، ومن ثمًّ يحتاج التعليم الصناعى والفنى لمبالغ كبيرة؛ ولذلك يفضل أن يكون من خلال المصانع الحكومية .

ولمصر تجربة ناجحة في الستينيات؛ حيث أنشئت العديد من المصانع، مدارس فنية داخلها للتدريب العملي داخل مصانعها وكثير منها كانت مدارس تلمذة صناعية تقبل الحاصلين على الشهادة الابتدائية، وبعد ست سنوات يحصل على الثانوية الفنية ويعمل مباشرة في نفس المصنع، وكان هذا النظام معمولا به تحديدًا في مصانع الحديد والصلب بحلوان، ومصانع شركة النصر لصناعة السيارات؛ بل إن المتفوقين منهم كان يحصل على بعثة مجانية لاستكمال الدراسة في شركة فيات بإيطاليا.

ولذلك من الأفضل دراسة هذه التجربة وتعميمها، ويمكن لوزارة الإنتاج الحربى أن تقوم بدور مهم في هذا المجال، وهذا بالطبع يزدهر أكثر مع عودة الدولة للمساهمة بقوة في مجال الإنتاج الصناعى في كافة المجالات، لأنه بدون صناعة وطنية ملك الدولة يصعب التوسع في التعليم الفنى، وهو محور أساسى ومهم جدا للتنمية والنهضة الصناعية بوجه عام.

كما يجب أن يرتبط ويتوسع في مجالات آخرى مثل التمريض والسياحة والسكرتارية وأن يكون ذلك من خلال جهات العمل الحكومية مثل البنوك والمشتشفيات والهيئات الحكومية.

عموما هذا يساهم في توفير جانب كبير من الاحتياجات الفعلية لهذه المؤسسات وبكفاءة عالية، أما بعض الحرف المهنية الحرة الآخرى فيمكن لوزارة الإنتاج الحربى القيام بهذه المهمة مع مراعاة احتياجات كل منطقة، فمثلا على وزارة السياحة الاهتمام بمثل هذه المدارس الفنية في مجال السياحة في المناطق السياحية مثل الأقصر وأسوان وسيناء والمدارس الخاصة بالمنسوجات مثلا في منطقة المحلة الكبرى والخاص بالأثاث في مدينة دمياط.. وهكذا.

وهذه النوعية من التعليم من خلال العمل منتشرة وناجحة جدا لأنها دراسة عملية تقتصر على الحاجات الفعلية لسوق العمل وليست دراسة نظرية؛ بل إن معظم خريجى هذه المرحلة الثانوية يجيدون العمل بكفاءة أكبر بكثير من خريجى الجامعات؛ لأنهم تعلموا من خلال العمل وليس تعليمًا نظريًا قد يكون منفصلًا عن الواقع الميدانى.

كما يجب إتاحة الفرصة للمتفوقين منهم لاستكمال الدراسة والحصول على بكالوريوس مهنى، لأن هذا المسمى قد يكون عامل جذب معنويًا مهمًا خاصة عند الحاجة العملية لبعض التخصصات الفنية والمهنية، وهذا بالطبع يساهم بشكل عملى في توفير احتياجات سوق العمل لهؤلاء المهنيين؛ بل إن الدول العربية المحيطة معظمها في حاجة ماسة لهذه التخصصات وتعتمد على بلاد أخرى مثل الفلبين وغيرها في توفير هذه العمالة؛ برغم مشكلات اللغة في تعاملهم مع مواطنى هذه الدول.

ولذلك فالتعليم الفنى الجيد يمكن أن يكون أحد المحاور المهمة لتصدير العمالة الفنية وزيادة الدخل القومي بشكل كبير وملموس وسريع، ومصر تقريبًا في هذا التوقيت هى الدولة الوحيدة القادرة على التوسع في هذه النوعية من التعليم، ومن ثمَّ تصدير هذه العمالة الفنية المدربة على أعلى مستوى للدول المحيطة، كما أن التوسع في التعليم الفنى يحل لحد كبير مشكلة البطالة أو على الأقل يحد منها، كما يخفف الضغط على الجامعات ويوفر فرص عمل حقيقية ودخلا جيدًا للشباب في سن صغيرة.

وبالتالى فإن التعليم الفنى يساهم في حل كثير من مشاكل الشباب أو بعضهم الذى في حاجة سريعة للعمل والكسب وهناك تجربة لإحدى الدول الآسيوية؛ حيث تتولى الدولة من خلال القوات المسلحة إعداد وتدريب الشباب تدريبًا جيدًا على الحرف المهنية المختلفة وتتولى الدولة مسئولية التعاقد الخارجى من خلال شركة أو كيان رسمى التعاقد لعملهم بالخارج مقابل اقتسام قيمة العقد، ويمكن مثلا عند وجود أعداد للتجنيد ليس هناك حاجة إليهم، أن تتولى الدولة إعدادهم مهنيًا وإلحاقهم بالعمل بالخارج للاستفادة بهذه القدرات والمورد البشرى في حالة عدم الحاجة لهم مثلا.

وكل هذه الأفكار مبدئيًا يجب أن تخضع للحوار والنقاش المجتمعى ولاتفرض بقرارات؛ لأن التوافق المجتمعى هو ضمان النجاح الأول والأساسى لأى برامج أو خطط؛ لأن الإنسان هو أساس نجاح أو فشل أى مشروع أو خطة للتطوير أو التنمية بوجه عام.. والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

كورونا فرصة للاستثمار (5)

قال الدكتور محمد عبدالعال، رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي إن مصر قادرة على تحويل أزمة كورونا إلى فرصة للاستثمار؛ من خلال توطين الصناعة وزيادة الاهتمام بالزراعة.

كورونا وهجرة العقول (4)

تصاعد أزمة كورونا كشفت ضعف المنظومة الصحية في معظم دول العالم، وأيضًا ضعف منظومة البحث العلمي والتعليم في كثير من الدول؛ ومنها دول كبرى وعظمى، وبالطبع سوف يؤدي هذا إلى تغيرات كبرى على مستوى العالم في شكل العالم بعد كورونا.

من يدفع ثمن كورونا؟ (3)

كورونا لها تكلفة باهظة وثمن غال على الصحة والاقتصاد، والله سبحانه وتعالى وزع الأعباء الصحية على جميع بلدان العالم بأسره بحكمته وعدالته بين الجميع، ولم يكن هناك فرق بين أمير أو رئيس وبين أي عامل نظافة أو غيره فهي العدالة البيئية في أجل صورها

بدائل السجون في عصر الكورونا

الهدف الأساسى من السجن إصلاح وتهذيب السلوك السلبى للأفراد الخارجين على قواعد المجتمع؛ ولكن الدراسات أثبتت أن السجون عادة ما تفشل فى تحقيق هدف الإصلاح والتهذيب

كورونا ونظرية النفايات

هناك نظرية في العلوم الإنسانية تسمى نظرية النفايات أو القمامة وباختصار تقوم على عدة عناصر تشمل بداية أن ندرس الشيء وعكسه فلكي نفهم الغنى يجب دراسة الفقر؛ لأن كلا الطرفين وجهان لعملة واحدة، ثم إن وجود القيمة واستمرارها فترة ما قد يؤدي لفقدان هذه القيمة أو جزء منها بمرور الزمن.

مادة إعلانية

[x]